AR EN
عودة المسيحنهاية المسيخ

عودة المسيح نهاية المسيخ


المقدمة

بين الحاء والخاء في الكتابة العربية نقطة واحدة؛ ومنها اتخذنا صورة لعنوان هذا الكتاب: المسيح والمسيخ. فالمسيح هو الممسوح بالبركة الإلهية، المكرّس، الذي تقترن أخباره بالسياحة والشفاء. وأردنا بالمسيخ صورة أُخذت عن ذلك الأصل، ثم دخلها من التحوير ما أبقى شبهها به وغيّر معناها. وهكذا جمع العنوان قرب اللفظين وما نراه من بُعد بين الصورتين؛ صورة صاحب الرسالة، والصورة التي انتهت إلى الناس باسمه.

ينطلق هذا الكتاب من قناعة بأن الذاكرة المتداولة عن المسيح جمعت أخبار شخصيتين متباعدتين في الزمن. عيسى ابن مريم الذي نبحث عن أثره في القرن السادس قبل الميلاد، ويسوع الناصري الذي عاش بعده بنحو خمسة قرون ونصف. ثم حملت الصورة المركبة تأويلات عقدية، واستقرت بقوة التعليم والسلطة والتوارث. و«المسيخ» في عنواننا اسم لهذه الصورة المحوّرة؛ أما الرجل الذي نُسبت إليه فله قصته التي ينبغي إنصافها.

السؤال الذي ظل مغلقاً

اختلف الناس نحو ألفي سنة في فهم شخصية المسيح. فالمسلمون يعرفونه نبياً موحداً أُرسل إلى بني إسرائيل يدعوهم إلى أن "اعبدوا الله ربي وربكم"، وتقوم العقيدة المسيحية الغالبة على أنه إله متجسد صُلب وقام ليفتدي البشرية، ولم تعترف به اليهودية مسيحاً موعوداً. وقد دخل هذا الاختلاف في تاريخ الأمم، واقترن بالحروب والفتوحات ومحاكم التفتيش والمجازر، حتى صار النظر في أخبار الرجل نظراً في جانب كبير من تاريخ العالم.

وقد نشأ سؤال هذا الكتاب من العودة إلى أصل ذلك الاختلاف: أكانت هذه الأخبار جميعاً تتحدث عن رجل واحد؟ أم كان وراءها رجلان، تقاربت الأسماء التي عُرفا بها، ثم امتزجت سيرتاهما على مر القرون، وأصبح الفصل بينهما محتاجاً إلى قراءة جديدة؟

الفرضيّة في ثلاث درجات

يسمي القرآن النبي عيسى ابن مريم، وتسمي الأناجيل صاحب سيرتها يسوع الناصري. وقد اعتاد القراء، خلال أربعة عشر قرناً، أن يفسروا أخبار الأول بما عرفوه عن الثاني، حتى استقر اتحادهما في الأذهان. ونحن نعود إلى هذه البداية نفسها، فنبحث الأساس الذي قام عليه الجمع بين الصورتين.

والرأي الذي ندافع عنه أن وراء هاتين الصورتين شخصيتين تاريخيتين، التبس خبرهما في الذاكرة المشتركة، ثم أخذت صورة الناصري في الأناجيل تحدد للقارئ صورة النبي في القرآن. وقد ظهرت ملامح هذا السؤال من قبل عند مسلمين وباحثين غربيين، لكنها ظلت متفرقة أو محتاجة إلى بيان. ونجمع هنا شواهدها، وننظر في مقدار ما تتساند عليه.

ومتى أخذنا بهذا التمييز، واجهنا سؤال الزمن الذي عاش فيه عيسى. وتتجه بنا شواهد الكتاب إلى ما قبل القرن الأول الميلادي بنحو ستة قرون، إلى البيئة السامية الممتدة بين بابل وفارس وشمال الجزيرة. وفي هذه البيئة يبرز نبونيد، الرجل الذي حفظت الوثائق خبره ملكاً لبابل. وسنفرد لهذه الوثائق فصلاً ننظر فيه إلى سيرته وصلتها بموضوعنا.

ثم نمضي إلى أبعد من تعيين البيئة والعصر، فنقترح أن نبونيد هو عيسى نفسه: حفظت بابل أخبار ملكه، وحفظ القرآن أخبار نبوته. وهذه أوسع دعاوى الكتاب أثراً، ولها موضعها من التفصيل. فإذا صحت، تغير بها ترتيب أخبار المسيح وزمنه، وتغيرت الروابط التي اعتدنا أن نصل بها تلك الأخبار.

في هذه القراءة، عيسى نبي وملك من بني إسرائيل، ومعلّم يرد الناس إلى الله ويصلهم بتراث الأنبياء. ويسوع الناصري رجل صالح من عالم ورث شيئاً من ذلك التعليم. نرجّح أن أخبار المعلّم الأول انتقلت إلى سيرة الرجل اللاحق، وأن التداخل بدأ في الرواية والتذكير، ثم اكتسب سلطة عقيدة رسمية. وسنتتبع بناء هذه الصورة حتى المجامع وما بعدها، من غير أن نجعل يسوع نفسه مسؤولاً عن كل ما شُيّد باسمه.

ومن هنا تتسع الفرضية إلى السير التي حفظتها الهند باسم بوذا، والصين باسم لاو تسي، وإيران باسم زرادشت. نقترح أنها قد تحمل صوراً من قصة عيسى نفسه، أعادت الثقافات روايتها بألسنتها وذاكرتها. وقد تكون وراء ذلك رحلة للمعلّم، أو رحلات لتلاميذه امتزجت أخبارهم بخبره. نتتبع هذه الطرق الممكنة ولا نفصل بينها قبل استكمال شواهدها؛ فالمقصود وحدة محتملة للشخصية المروية، لا مجرد تشابه عابر بين حكماء متباعدين.

ولكل درجة من هذه الدرجات شواهدها التي تُبحث على حدة. فقد يقتنع القارئ بالفصل بين الشخصيتين، ثم يقف عند تعيين الأولى بنبونيد أو عند امتداد قصتها إلى تقاليد أخرى. ويعيننا هذا التدرج على معرفة موضع الاتفاق وموضع السؤال في كل مرحلة من البحث.

ويتجه نقدنا إلى البناء العقدي الذي تكون حول المسيح، وإلى الطريق التي تحولت بها صورة الرسول البشري الموحد إلى صورة الإله المتجسد خلال القرون التالية. أما الأنبياء، فصلوات الله وسلامه عليهم جميعاً؛ وهم في قراءتنا أصحاب الرسالة التي نطلب استعادة معناها. ومن الإنصاف أن نميز بينهم وبين ما أُلحق بأخبارهم بعد رحيلهم.

وقبل تفصيل الشواهد، يحسن أن نتبين البيئة التي يقول القرآن إن عيسى أُرسل إليها. نقرأ أنه أُرسل إلى بني إسرائيل، ولكننا كثيراً ما نجمع تحت هذه العبارة بني إسرائيل واليهود وحملة التوراة، كأنها أسماء متطابقة. ومن هنا قد نتخيل زمن عيسى على صورة اليهودية التي نعرفها، بمجامعها وحاخاماتها وفرقها وتلمودها. وتدعونا قراءة القرآن مع الشواهد الأثرية إلى التفريق بين هذه المعاني، وإلى النظر في القرون التي تكونت فيها مؤسساتها وآدابها. فهذا التمييز مدخل لازم لفهم الصورة التي نقترحها للمسيح.

بَنو إسرائيل والشَريعة واليَهوديّة: ثَلاث طَبقاتٍ مُتَمايزة

نميّز في هذا الكتاب بين تراث بني إسرائيل النبوي، وبين اليهودية بوصفها حركة تاريخية ذات مؤسسات ومذاهب وصيغ متعاقبة. ونضع تبلور الحركة في قلب التحولات الهلنستية والحشمونية، ولا سيما منذ القرن الثاني قبل الميلاد. ويساعد بحث يوناتان أدلر في فهم هذا التحول من جهة محددة: متى يظهر الدليل على انتشار العمل بالتوراة بين عامة الناس؟ هذه مسألة غير تاريخ موسى، وغير تاريخ كل خبر أو تشريع في الأسفار.

ولنبدأ ببيان الطبقات الثلاث التي يجمعها الاستعمال الشائع تحت اسم واحد. فالمقصود أن يتضح للقارئ ما نعنيه بكل تسمية، وكيف تتصل بسائر التسميات في التاريخ وفي قراءة النص:

أولى هذه الطبقات بنو إسرائيل: الشعب الذي تعاقب فيه ميراث النبوة، من إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون وداود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام. ويأتي الاسم في القرآن، في غالب مواضعه، وصفاً تاريخياً للشعب. ونقرأ أصله هنا في صلته بالناجين مع نوح، فيتسع نسبه عندنا إلى ما قبل سلالة يعقوب. فالقرآن نفسه يذكر إبراهيم في شيعة نوح: ﴿وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ (الصافات ٨٣). وبنو إسرائيل بهذا المعنى سابقون على زمن عيسى بقرون.

وهذا الإرجاع إلى الناجين مع نوح من قراءة الكتاب، وله عندنا وجهان. أولهما أن الآية المتقدمة (الصافات ٨٣) تصل إبراهيم بنوح، فتتيح تتبع الميراث النبوي إلى جماعة السفينة قبل أن نجعله مقصوراً على أب جاء بعدها. وثانيهما أن القرآن يخاطب بني إسرائيل بوصفهم قوماً يحملون ميثاقاً ويُذكّرون بنعمة، كما في النداءات التي تبدأ من الآية ٤٠ من سورة البقرة. فمدار الخطاب على عهد الأمة وخبرها، وليس فيه تعريف لها بعمود نسب على نحو القوائم المعروفة في العهد القديم. ومن هذين الوجهين نبني اقتراحنا، مع تمييزه من التفسير المتعارف عليه.

ويبقى ليعقوب عليه السلام مقامه في هذه السلسلة النبوية؛ فقد قرنه القرآن بإبراهيم وإسحاق في ذكر الوحي (النساء ١٦٣). وإنما يتسع البحث عندنا في أصل الشعب ومدى نسبه، فلا نحصر جميع تراثه في ذرية يعقوب وحدها.

والطبقة الثانية هي الشريعة الموحاة، بما فيها من وصايا وأخلاق وتشريعات وطهر وتكليف. وقد توارثها هذا الشعب عن أنبيائه، وفيها نفهم قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ (المائدة ٤٤). فقدم الشريعة يتصل بقدم النبوات، وتمتد تعاليمها عبر العصور. وهي، في قراءتنا، حاضرة في زمن عيسى، يأخذ بها ويذكّر قومه بمعانيها، كما يصل كل نبي ما بينه وبين سلفه.

أما الطبقة الثالثة فهي اليهودية بوصفها حركة ذات صورة مؤسسية. ونربط تبلور هذه الصورة بالأزمة التي نشأت عن فرض أنطيوخس الرابع الثقافة اليونانية الوثنية بالقوة، ثم بثورة المكابيين سنة ١٦٧ قبل الميلاد. ففي هذه المرحلة نضع ظهور الحركة بالمعنى الذي نعنيه هنا، ونميزها من الشعب الأقدم ومن الشريعة التي حملها. وبذلك نفهم نشأتها في ظروفها، وما أضافته تلك الظروف إلى الميراث السابق.

تظهر في هذه المرحلة وما تلاها فرق ومؤسسات وآداب متباينة: الفريسيون والصدوقيون والإيسيون، والجدل حول الشريعة، وأدب الرؤى، ثم المشنا والتلمود في عصور لاحقة. وتراكم هذه الطبقات هو ما يهمنا؛ فالقارئ قد ينقل صورتها المتأخرة كلها إلى زمن الأنبياء السابقين، فيقرأ القديم بملامح لم تجتمع إلا بعده.

وقد جمع أدلر في «أصول اليهودية» (٢٠٢٢) الشواهد الأثرية والنصية على الممارسة الشعبية للشريعة، وخلص إلى غياب دليل مقنع على انتشارها قبل أواسط القرن الثاني ق.م. نستفيد من هذا البحث في تمييز الشريعة الموروثة من زمن تعميم العمل بها ومأسستها. ويعرض الملحق التاسع أثر هذا التمييز في قراءتنا لتاريخ بني إسرائيل. (يوناتان أدلر، أصول اليهودية.)

ونجد لهذا التمييز أصلاً في استعمال القرآن: فعبارة «بني إسرائيل» تأتي وصفاً للأنبياء وقومهم، ولفظ «اليهود» يشير في الغالب، بحسب قراءتنا، إلى الحركة العقدية بعد تبلورها. وعلى هذا نفهم اختلاف التسميتين في لغة الوحي، ونرجع به إلى الفرق بين الشعب وميراثه من جهة، والصورة التاريخية للحركة من جهة أخرى.

وفي ضوء هذا التفريق نضع عيسى ابن مريم في الطبقتين الأوليين: نبياً من بني إسرائيل، يحمل الشريعة الموحاة ويدعو إليها. أما زمنه في أطروحتنا فيسبق تبلور «اليهودية كحركة» بأكثر من ثلاثة قرون. ومن هنا نفهم خلو خبره القرآني من منازعات الفريسيين والصدوقيين ومن الجدل الذي تعرضه المشنا؛ فهذه ملامح تراكمت في المرحلة الحشمونية والفريسية وما بعدها. وفي المقابل تصور الأناجيل يسوع الناصري في القرن الأول الميلادي محاوراً لتلك الفرق ومصطدماً بكهنتها. وهذا الاختلاف بين البيئتين الدينيتين أحد وجوه التمييز الذي نبحثه بين الشخصيتين.

كيف تضيع الكلمة

وسنعتمد كثيراً على مقابلة نصوص التوراة والأناجيل والقرآن. لذلك يحسن أن نعرف كيف وصلتنا هذه النصوص، وما طرأ على كتابتها وقراءتها وترجمتها؛ فحالة النص جزء من فهم الشاهد الذي نستخرجه منه.

يمكن تتبع أثر الانتقال في أربع طبقات متداخلة. أولاها الفرق بين أصوات اللسان ورموز الكتابة: احتفظت العربية بتمييزات صوتية قديمة لا تفصل بينها الأبجدية العبرية ذات الاثنين والعشرين حرفاً، ومنها الحاء والخاء والعين والغين. ولا يعني اشتراك صوتين في حرف أن الناطقين نسوا الفرق بينهما فوراً؛ لكنه يجعل استرجاع النطق أحياناً محتاجاً إلى المقارنة بين اللغات. والطبقة الثانية انتقال النصوص بين تقاليد الكتابة العبرية والآرامية، مع ما تنسبه الرواية الكتابية إلى عزرا من جمع الشريعة وتعليمها. هنا يفصل الكتاب بين ميراث الأنبياء القديم وبين انتشار التقيد بالتوراة في المجتمع، وهي المسألة التي أعاد يوناتان أدلر بحثها من خلال الآثار، مرجحاً العصر الحشموني لظهور شواهدها الواسعة. والطبقة الثالثة الترجمة اليونانية التي بدأ مشروعها في القرون السابقة للميلاد وعرفت بالسبعينية. وقد حفظت معاني كثيرة، لكنها نقلت الأسماء إلى جهاز صوتي آخر؛ فعندما نطلب وراء الاسم ذاكرته السامية، لا تكفينا صورته اليونانية وحدها.

أما الطبقة الرابعة فهي أنظمة الضبط الماسوري التي استقرت في القرون الميلادية الأولى والوسطى، وأثبتت تقاليد معينة للنطق والقراءة. ومن أقدم الشواهد الكاملة المؤرخة للكتاب العبري مخطوطة لينينغراد، المؤرخة بسنة ١٠٠٨/١٠٠٩م. وتسبقها مخطوطات جزئية كثيرة، وفي مقدمتها شواهد البحر الميت؛ لذلك لا نجعل تاريخ النسخة الكاملة تاريخ بدء النص، بل نسأل عما حفظه كل شاهد وعما تغير بين الشواهد.

وتبقى للتوراة والأناجيل قيمتهما التاريخية والروحية في هذا البحث. ويمكن أن نقرب طريقة قراءتهما بمثال الخرائط القديمة المنقولة عن خرائط أقدم: فقد تبقى المعالم الكبرى والإشارات الدالة، بينما يتغير رسم بعض التفاصيل. وكذلك الأسماء والألفاظ؛ قد يتغير صوتها خلال النقل والترجمة، ويعيننا النظر إلى جذورها السامية على استرجاع شيء مما وراء صورتها المكتوبة.

المنهج الصوتي

ونستعين في المقارنة الصوتية بثلاثة أنواع من المراجع. أولها قواعد المقابلات الصوتية في اللسانيات السامية المقارنة الحديثة (Comparative Semitic Linguistics)، التي اتسع درسها منذ القرن التاسع عشر. وثانيها المعاجم: لسان العرب لابن منظور، ومقاييس اللغة لابن فارس، وتاج العروس للزبيدي، ومعجم Brown-Driver-Briggs للعبرية، وPayne Smith للسريانية، وDrower-Macuch للمندائية، وCAD للأكدية. وثالثها دراسات الباحثين العرب المعاصرين، ومنهم الباحث الليبي فهمي خشيم، الذي جعل العلاقة الصوتية بين العربية وأخواتها موضوعاً لعدد من كتبه. فنقابل قراءاته بما في هذه المراجع، ونبين ما تتوافق عليه، ونعرض ما ينفرد به في موضعه للفحص.

القاعدة الأساسية في هذا المنهج هي أن الحروف الحلقية العربية حين تنتقل إلى العبرية تسقط أو تتحوّل وفق جدول منتظم يمكن التحقق منه. فالعينُ العربيّة تُقابلها العينُ العبريّة (ע) (عين)، وتَندغم فيها الغينُ فيَشتركان في الرمز نفسه؛ والحاءُ والخاء تُقابلهما الحاءُ العبريّة (ח) (حيت) وحدَها، فيَشتركان كذلك في رمزٍ واحد؛ والظاءُ والضاد يَؤولان إلى الصاد (צ) (تسادي). وإنّما تَسقط العينُ في النقل إلى اليونانيّة لا إلى العبريّة. وإذا عبرت هذه الحروف من العبرية إلى اليونانية فقدت مزيداً من دقتها: الخاء تُكتب بالخي اليونانية (χ) (خي)، والحاء تتحول إلى صوت هاء أحياناً أو تسقط، أما الحروف الثقيلة الأخرى فلا مقابل لها أصلاً في اليونانية فتُستبدل بأقرب الأصوات المتاحة.

وتظهر في عنوان الكتاب صورة أدبية يمكن تقريبها بهذه المقارنة. فجذرا المسيح والمسيخ، م س ح وم س خ، يفترقان بالحاء والخاء، وهما يلتقيان في الرسم العبري بالحرف ח (حيت)، ثم تتغير صورتهما مرة أخرى في النقل إلى اليونانية. وقد اتخذنا من هذا التقارب مثالاً لما نبحثه في الذاكرة: صورتان شديدتا الشبه في الظاهر، وبين أصلهما ومعناهما فرق بعيد. أما وقوع الالتباس التاريخي نفسه فله شواهده التي نفحصها في الفصول، ولا نستخرجه من تشابه الرسم وحده.

ونقرأ هذه المقارنات من منظور خاص نعرضه في الفصل الأول. فالعربية عندنا أحفظ الألسنة السامية لمنطق اللسان الأم، وأوسعها احتفاظاً بحروفه الحلقية وتمييزاته، وقد انزاحت عنها الأخوات في بعض هذه الوجوه. وسنعرض ما نستند إليه من قرائن، مع بيان أن هذا ترجيح الكتاب في تفسير القرابة اللغوية. ومن هذا المنظور أيضاً نفهم اختيار العربية للتنزيل الخاتم: أداة تحمل الجذر وتفصل من الأصوات ما اندمج في غيرها، فتجيء الرسالة بلسان عربي مبين.

الرفع والنزول: طبقاتُ المعنى في اللسان القرآنيّ

ونقرأ في سورة النساء: «وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم... بل رفعه الله إليه». فإذا وقفنا عند الرفع وجدنا في العربية والقرآن استعمالات تعيننا على فهمه. فقولنا «رفع الله ذكر فلان» يعني ارتفاع قدره وشيوع اسمه. وللرفع والنزول، إلى جانب الاستعمال الحسي، وجوه معنوية نعرض شواهدها في الفصل الأول، ثم ننظر فيما يلائم خبر المسيح منها.

ويقرأ هذا الكتاب رفع عيسى في سياق حفظ مقامه وحقيقة رسالته، واحتجاب معرفته عن الناس حين غلبت الصورة المركبة. فالرفع في قراءتنا معنوي ومعرفي، والعودة انكشاف لما حُجب. وسيأخذ هذا المعنى مداه في الفصل الرابع والعشرين، بعد أن نتتبع مصير الاسم والقصة والتعليم.

وعلى هذا نقرأ قوله تعالى: ﴿وإنه لعلم للساعة﴾. إن استعادة المعرفة بالمسيح تدخل، في تأويلنا، في اتساع وعي الإنسان وانكشاف ما خفي عليه. وتبقى هذه الصلة بين المعرفة والساعة من المعاني التي يبسطها الكتاب في خاتمته، حيث تجتمع قراءة التاريخ بسؤال ما تصنعه المعرفة بالإنسان.

ويتصل بهذا كله فهمنا لحديث «المسيح الدجال». فنحن نبحث احتمال أن يكون الحديث واصفاً للصورة المؤلهة للمسيح التي استقرت في مجامع القرن الرابع، وانتشرت في معابد الإمبراطورية. وعندئذ تتسع الفتنة في قراءتنا لتشمل ظاهرة عقدية وسياسية وبصرية قامت على تأليه مخلوق. وسيأتي تفصيل هذه الصلة في أبوابها؛ وحسبنا هنا أن نبين كيف يلتقي معنى المسيخ في العنوان بمعنى الدجال في أطروحتنا، وكيف يعين البحث في أحدهما على فهم الآخر.


كيف تقرأ هذا الكتاب

أكتب هذا البحث من موقعي مسلماً، ومن انشغالي بما حفظته النصوص عن المسيح. وأدعو القارئ، أياً كانت عقيدته، إلى أن يصحبني في النظر إلى الأخبار ومواضع اختلافها؛ ففي هذه المصاحبة يتبين له وجه السؤال الذي أقيم عليه الكتاب.

حَفرٌ في طَبقات النَصّ

إذا عثر عالم الآثار على لوح مسماري في أنقاض نينوى، سأل عن كاتبه وزمنه ومن كُتب له، ثم قابله بالألواح الأخرى التي خرجت من الموقع نفسه. وقد يجد بين خبرين اختلافاً يحتاج إلى تفسير. وموقفه من الإله آشور لا يغنيه عن هذه الأسئلة؛ فالتحقيق يقوم على ترتيب الشواهد في الزمن، والمقارنة بينها، والعناية بتفاصيل اتفاقها واختلافها.

وبهذه العناية نقرأ القرآن والأناجيل والتوراة وكنزا ربا المندائي ووثائق قمران والنقوش البابلية. فكأننا في موقع أثري تكشف كل طبقة فيه عن شيء مما سبقها. يحمل النص ذاكرة الجماعة التي حفظته، وتحمل هذه الذاكرة أخباراً أقدم، بقي بعضها واضحاً وتغير بعضها خلال النقل والتعديل. ومن ثم نسأل عن زمن النص، وعن قائله ومخاطَبيه، وعن المواضع التي يختلف فيها مع نفسه أو مع سائر الشهود. ونبدأ بالفهم والفحص، لنعرف ما يصلح أن نبني عليه.

وتفيدنا مواضع الاختلاف خاصةً؛ فهي تشبه شقاً في جدار جُدد بناؤه، يكشف عن طبقة أقدم تحت سطحه. وقد تبدو الرواية متصلة في صورتها الأخيرة، ثم يدلنا تفصيل صغير فيها على المراحل التي مرت بها حتى اتصلت.

حين يتناقض النص مع تقليده الخاص

ولنأخذ الأناجيل الأربعة مثالاً. يجمعها خبر يسوع الناصري، ثم يختلف نسبه في متى ولوقا، وتتعدد الصيغ التي تروي كلماته الأخيرة على الصليب، وتتباين أسماء شهود القيامة وأماكنها وأوقاتها، ويختلف ترتيب بعض الأحداث. وقد شغلت هذه الفروق شراح الكنيسة قروناً، فاقترحوا لها وجوهاً من التوفيق والتأويل، أو تركوا بعضها دون معالجة. ونرى أن عدداً من تلك المحاولات يحمل النص ما لا يظهر فيه؛ لذلك نعود إلى الفروق نفسها ونجعلها مادة للفهم.

ويترتب على ذلك سؤال عن منشأ التباين: أي أخبار أقدم كانت بين أيدي أصحاب الأناجيل؟ وكيف اختار كل منهم ما يرويه، ورتبه في سياق قصته؟ وما الذي حفظته هذه الصياغة من الموروث السابق، وما الذي غاب فيها، عن قصد أو من غير قصد؟

ومن هذا الباب يتتبع الكتاب ما سماه خطوط الصدع. فاختلاف الروايات يعيننا على رؤية تاريخ تكوّنها، وعلى البحث فيما قد يكون وراء صورتها الأخيرة من أخبار متفرقة.

تَفرُّدُ القرآن: مَحتوًى وسِلسلةُ نَقل

وللقرآن في هذا البحث موضع خاص، من جهة الملامح التي يحفظها عن المسيح، ومن جهة الطريق التي وصل بها نصه. ويتصل الأمران مباشرة بالمقارنة التي سنجريها.

يحفظ القرآن ملامح تستحق أن تُقرأ مجتمعة: مريم «أخت هارون»، وزكريا كافلها في المحراب، وعيسى «ابن مريم»، ومشهد الولادة عند النخلة والسري، ونفي قتل المسيح وصلبه مع قوله ﴿ولكن شُبّه لهم﴾. تقف هذه الملامح في مواضع مختلفة من الصورة الإنجيلية المتداولة؛ ومنها يبدأ سؤال الكتاب عن هوية صاحب الخبر وبيئته. ونفي الصلب عن عيسى، في قراءتنا، لا يمنع وقوعه على رجل آخر.

نقرأ هذه الفروق قرائن على أن تعيين الشخصية وزمانها يحتاج إلى إعادة بحث. ونقترح أن عيسى القرآني ينتمي إلى أفق نبونيد في القرن السادس قبل الميلاد. يفتح ذلك صلات بين الأم والملك وتيماء وأخبار زكريا؛ لكنه لا يحل الترتيب الزمني كله بمجرد طرحه، وخصوصاً الفجوة مع تأريخ سفر زكريا. سنعرض هذه الصلات وما بقي فيها من أسئلة في مواضعها.

وأما طريق النقل، فقد وصل القرآن بسلسلة مستقلة عن سلسلة نقل الأناجيل. فلم يصدر نصه عن المجامع الكنسية أو الرقابة الإمبراطورية الرومانية، ولم يصلنا ترجمة عن اليونانية، أو ثمرة لمحاولات التوفيق بين روايات العهد الجديد. ولهذا الاستقلال قيمته في المقارنة التاريخية، مهما يكن موقف القارئ العقدي منه. ونبحث فيما يحفظه من أخبار تتلاقى مع شواهد نرى أنه لم ينقل عنها مباشرة، ثم نعرض وجوه هذه الصلة في القسم التالي، «حين تتقاطع الشهادات».

ونطلب لذلك من القارئ أن ينظر في المعلومات التي يحفظها القرآن بالعناية التي يمنحها لأي وثيقة قديمة، كأخبار هيرودوت أو ألواح ماري: كيف وصل النص؟ وإلى أي زمن ترجع مادته؟ وماذا يعرف مما غاب عن المصادر الأخرى؟ ومن هذه المقارنة نقرأ فيه مصدراً سامياً يحفظ طبقات قديمة من الذاكرة، أبعد مما افترضه بعض نقاده وبعض المدافعين عنه. فالبحث يتجه إلى ما يتيحه النص من معرفة، ومنها تتكون الحجة.

حين تتقاطع الشهادات

تستحق الشهادات المتباعدة أن تُقرأ معاً حين تحفظ ملامح تتلاقى حول سؤال واحد. ونحن نرى في هذه المواد أبواباً إلى ذاكرة أوسع من الرواية التي استقرت لاحقاً. لكل باب موضوعه: صورة المسيح، أو بقاء الشريعة، أو صلة الشفاء بالمغفرة، أو أخبار الجماعات التي حملت التعليم. ومن أهمها:

  • القرآن الكريم: هوية عيسى وأمه، والتوحيد، وقراءة ما وقع من تشبيه ورفع.
  • الموروث المندائي: مركزية يحيى والجدل حول صورة المسيح وصلتها بتعليمه.
  • الأبيونيون: الذاكرة المسيحية الحافظة للشريعة والرافضة لسلطة بولس، كما تنقلها المصادر عن فرقهم.
  • صلاة نبونيد، 4Q242: مرض الملك في تيماء، وحضور رجل من بني إسرائيل، واتصال المغفرة والشفاء.
  • التقليد الإثيوبي: حفظ أسفار وشعائر وذاكرة سامية واسعة داخل مسيحية تؤمن بألوهية المسيح.

يجمع الكتاب هذه الشهادات لأن اختلاف مواضعها يتيح رؤية ما تفرّق من الصورة: هنا اسم، وهناك شعيرة، وفي موضع ثالث خصومة أو خبر شفاء. وحين تتصل الخيوط، نسأل عن التاريخ الذي يفسّر اجتماعها. وسيأتي تفصيل كل شاهد في فصله، بما يحمله هو قبل ما نضيفه نحن إليه.

وقد تكون الصلة بين بعض هذه الجماعات جزءاً من الجواب نفسه: تعليم قديم حمله أتباع، ثم تفرّق في ألسنة وبلدان. نبحث لذلك عن مواضع الاتفاق وطرق انتقالها معاً. فالخبر الذي تناقلته جماعات كثيرة يساعدنا على تتبع الذاكرة، كما تساعدنا الشهادة المختلفة عنها على اختبار ما بقي من الأصل.

مسار هذا البحث

هذا بحث في هوية المسيح ومصير رسالته. مركزه مطابقة عيسى بنبونيد، وفصل سيرته عن سيرة يسوع الناصري، ثم تتبع انتقال الأخبار وتحول المعاني. يسير القارئ مع الحجة من ألفاظ النصوص إلى الوقائع والروايات، ثم إلى صورة الإنسان التي تحملها الرسالة.

ترد النصوص في مواضع الاستدلال عليها، وتجمع الملاحق الوثائق والجداول والمراجع لمن أراد التوسع. وحيث نقترح قراءة للاسم أو الحدث نبيّن وجهها في سياقها، ليبقى الفرق واضحاً بين ما تقوله الوثيقة وما نفهمه منها.

قوة هذا الإطار في قدرته على جمع أسئلة كانت متباعدة: أخبار الميلاد قرب الفرات، ونسب مريم، وإقامة نبونيد في تيماء، ورواية محنته، واختلاف الجماعات في فهم المسيح، والصورة التي صنعتها التقاليد اللاحقة. لا تحمل هذه الشواهد جواباً واحداً جاهزاً؛ ومن المقارنة بينها يبدأ مسار الكتاب.

وقد سبقتنا هذه الأسئلة وستبقى مفتوحة للبحث بعدنا. والذي نحاول إظهاره هنا هو الصلة الجامعة بينها: أن اختلاف موضوعاتها لا يمنع أن تنتظم أجوبتها في فرضية واحدة، تفسر ما بقي متفرقاً في الدراسات والروايات.

ينتمي هذا البحث إلى حوار واسع حول تاريخ النصوص وجغرافية الأخبار وأسماء الشخصيات. ونستفيد فيه من المقارنات السامية عند فهمي خشيم، ومن الأسئلة التي أثارها كمال الصليبي وغيره، ومن الأخبار والقراءات التي جمعها محمد مصطفى منصور في «توراة مكة والنبي المنتظر». نعود من هذه الدراسات إلى النصوص التي تدلنا عليها، ثم نقرأها في ضوء سؤال الكتاب؛ فلا يستلزم الأخذ بخبر أو قراءة اعتماد تصور صاحبها كله.

ولنبدأ من مواضع الاختلاف، ففيها ما يعيننا على معرفة الطريق الذي قطعه الخبر حتى وصل إلينا.


الحجة إجمالًا


نقدم هنا خلاصة السؤال الذي تتناوله الفصول الخمسة والعشرون والملاحق التابعة لها. يعرف القارئ منها الدعوى الرئيسية، والشواهد التي تتجه إليها، والمسائل التي يبقى تفصيلها للفصول. وتصحبه هذه الخلاصة وهو يقرأ، فيرى صلة كل بحث بمقصد الكتاب.

الدَعوى في ثَلاث دَرَجات

أول الدعوى أن عيسى ابن مريم ويسوع الناصري شخصيتان اختلطت أخبارهما. تبدأ الحجة من اختلاف صورة الأسرة والبيئة والرسالة، وتستعين بدلالة الأسماء والقراءة المقارنة للنصوص. ونفهم يسوع رجلاً صالحاً من تيار ورث تعليم المسيح؛ ثم حملت سيرته أخباراً أقدم منه.

وثانيها أن عيسى هو نبونيد، الملك الذي تحفظ الوثائق البابلية خبره في القرن السادس قبل الميلاد. نجمع هنا أخبار أمه وتدينها، وإقامته في تيماء، ومرضه وشفائه كما تروي صلاة نبونيد، واسترجاعه آثار السابقين. اختيار الابن للملك والتكليف في نقش أمه هو وجه المقارنة مع الاصطفاء؛ ولا نحمّل النقش رواية ولادة لا يذكرها.

وثالثها أن سير بوذا ولاو تسي وزرادشت قد تكون روايات أخرى للشخصية الأصلية، حملتها الرحلات والجماعات وأعيد تشكيلها في ثقافات مختلفة. نفحص هذه الإمكانية من خلال بنية السيرة والتعليم وانتقالهما، ويظل لكل مقارنة نصها وتاريخها.

الأسماء والأزمنة التي نعيد جمعها

تضعنا المقارنة أمام ثلاثة ملفات ينبغي وصلها: الوثائق الملكية لنبونيد، وأخبار زكريا، وصورة الأسرة الكهنوتية في القرآن. تجمعها بيئة شرقية وتراث ديني، وتفصل بين تواريخها المعتمدة فجوة يعرضها الفصل الخامس.

  • حكم نبونيد بين ٥٥٦ و٥٣٩ ق.م، وأقام نحو عشر سنوات في تيماء.
  • تؤرخ افتتاحية سفر زكريا رؤاه بعهد داريوس الأول، بدءاً من سنة ٥٢٠ ق.م.
  • يربط القرآن مريم بهارون ويجعل زكريا كافلها؛ وعلى هذا يبني الكتاب قراءة النسب الهاروني.

نقترح وصل زكريا القرآني بصاحب السفر، لكن تاريخ الرؤى وحده لا يحدد بداية حياته ولا يثبت معاصرته لطفولة نبونيد. ولهذا نبحث ترتيب الأخبار وهوية أصحابها داخل الفرضية، بدلاً من تحويل التقارب بين القرون إلى تطابق جاهز.

وتتضح صورة البحث أكثر إذا جمعنا إلى دعاواه الرئيسية هذه المعاني التي يقوم عليها:

  • نبونيد ملك ونبي في أطروحتنا، ويحيى معلّمه في السلوك، ومريم أمه.
  • المحاكمة والصلب من أخبار يسوع الناصري في قراءتنا؛ أما موته أو نجاته فمسألة لا نحسمها هنا.
  • الرفع والعودة يُقرآن من جهة احتجاب المعرفة بحقيقة المسيح ثم ظهورها.
  • تبدأ الجغرافيا من بابل وحران وتيماء والمواضع التي تتصل بوثائق نبونيد؛ وتُبحث سائر المواضع بأخبارها.
  • تتسع المقارنات اللغوية والروحية مع تقدم الفصول، من غير أن يُطلب من شاهد واحد حمل الكتاب كله.

وتبسط الفصول التالية هذه المسائل على التوالي: نبدأ باللسان وطريقة القراءة، ثم ندرس الوثائق في الفصلين الخامس والسادس، ونتتبع الجماعات التي حفظت جوانب من الميراث، وننظر أخيراً في تكوّن الصورة التي نراها محوّرة عن الأصل. وهكذا يعرف القارئ موضع كل حجة، ويستطيع الرجوع إلى ما يريد مناقشته منها.


خطوطُ الصدع: الأناجيلُ الأربعة في ميزان النقد الأكاديميّ

نَبدأ مِن الأناجيل، كما يَقرأ المُؤرِّخُ أيَّ مَصدر

نبدأ بالأناجيل الأربعة كما يبدأ المؤرخ بدراسة وثيقة قديمة. نقرأ رواياتها ونقابل بينها، ثم نسأل عن أسباب تباعدها. فهذا الفصل مخصص لما تكشفه النصوص نفسها ولما درسه الباحثون في تاريخها، تمهيداً لفهم الصورة التي وصلتنا عن يسوع الناصري.

يقرأ كثيرون الأناجيل الأربعة كأنها سجل متصل، ألّفه شهود عيان يكمل بعضهم بعضاً. وقد يشبهونها بأربع صور لمشهد واحد. غير أن وضع النصوص جنباً إلى جنب يكشف فروقاً تستدعي النظر في هذا التصور. وسنعرض هنا ما تناوله النقد الأكاديمي لهذه الفروق، لنرى مقدار ما يمكن أن تنسبه الروايات إلى خبر واحد، ثم ننتقل إلى القراءة التي يقترحها الكتاب.

سِلسِلتا النَسَب: شَجَرتان لا تَلتقيان

يَفتتِح إنجيلُ متّى نصَّه بسِلسِلة نَسَبٍ ليسوع (متّى ١:١-١٧)، ويُورِد لوقا سِلسِلةً أُخرى (لوقا ٣:٢٣-٣٨). والقارئُ الذي يَتوقّع أن تَتطابَق السِلسِلتان، أو أن تُكمِّل إحداهما الأُخرى، يُفاجَأ بأنّهما تَختَلِفان في أدقّ التَفاصيل. فأبو يوسُف عند متّى هو «يعقوب» (متّى ١:١٦)، وأبوه عند لوقا هو «هالي» (لوقا ٣:٢٣). والخطُّ الداوديّ نفسُه مُختلِف: يَمُرّ متّى بالمَلِك سليمان، بينما يَمُرّ لوقا بابنٍ آخَر لداود اسمُه «ناثان». بل إنّ عددَ الأجيال بين داود ويسوع يَختلِف بين النَصّين اختِلافاً لا يُمكِن رَدُّه إلى مُجرَّد سَهوٍ في النَسخ.

وقد تناول هذا الاختلاف ريموند براون (Raymond E. Brown)، الباحث الكاثوليكي في العهد الجديد، في كتابه «The Birth of the Messiah» (١٩٧٧). وانتهى إلى أن السلسلتين لا تصحان تاريخياً معاً كما وردتا؛ إذ يختلف فيهما الأب والجد وطريق الانتساب. ومن وجوه التوفيق التقليدي أن تكون إحدى السلسلتين لمريم والأخرى ليوسف، ولكن النص نفسه لا يصرح بهذا التوزيع. ولذلك يبقى تفسيراً اقترحه الشراح لحل التعارض، ويظل علينا أن نفحص مدى ملاءمته للألفاظ التي بين أيدينا.

تاريخُ الميلاد: عَشرُ سنواتٍ داخِل الكِتاب الواحد

ثَمَّةَ صَدعٌ آخَر يَتعلّق بزَمَن المِيلاد. يَضَعُ متّى وِلادةَ يسوع في أيّام هيرودُس الكبير (متّى ٢:١)، وهيرودُس تُوفِّي سنة ٤ قبل الميلاد بحساب المُؤرِّخين. أمّا لوقا فيَربِط الوِلادةَ بإحصاءٍ جَرى «حين كان كيرينيوس والياً على سوريّة» (لوقا ٢:٢)، وهذا الإحصاءُ الرُومانيّ مُؤرَّخٌ بسنة ٦ للميلاد.

وبين التاريخين نحو عشر سنوات. فالاختلاف هنا بين روايتين داخل مجموعة الأناجيل المعتمدة نفسها، وتظهر آثاره حين نقابل الرواية بالتأريخ المعروف لهيرودس وكيرينيوس. ويهمنا منه في هذا الموضع أن زمن الميلاد لم يُرو على وجه واحد؛ وسنعود إلى مسألة ترتيب الأخبار في الزمن حين ندرس انتقال صورة المسيح.

يومُ الصَلب: فِصحٌ قبله أم فِصحٌ بعده

ويظهر اختلاف آخر في ترتيب العشاء الأخير والصلب. ففي الأناجيل الإزائية، مرقس ومتى ولوقا، يأتي العشاء وجبةً للفصح، في مساء الرابع عشر من نيسان الداخل على الخامس عشر، ويقع الصلب في اليوم التالي، الخامس عشر من نيسان (مرقس ١٤-١٥). وهكذا يكون يسوع، بحسب هذه الرواية، قد تناول الفصح قبل صلبه.

ويعرض يوحنا ترتيباً آخر. ففي وصف المحاكمة يقول إن رؤساء اليهود تجنبوا دخول دار الولاية «لئلا يتنجسوا، بل ليأكلوا الفصح» (يوحنا ١٨:٢٨)، فيفهم القارئ أن الوجبة لم تكن قد أُكلت بعد. ثم يسمي ذلك الوقت «استعداد الفصح» (يوحنا ١٩:١٤)، ويقع الصلب في روايته في الرابع عشر من نيسان. فبين الروايتين يوم كامل، تتغير به صلة الصلب بالفصح، في الموضع الذي تقوم عليه خاتمة السيرة.

رِواياتُ القيامة: مَن ذَهَب، ومَن لاقَوا

وتختلف روايات القبر الفارغ في عدد القاصدين إليه وأسمائهم، وفيمن وجدوه عنده. ففي مرقس تجد النسوة «شاباً» جالساً (مرقس ١٦:٥)، وفي لوقا يقف بهن «رجلان» (لوقا ٢٤:٤)، وفي متى ينزل «ملاك الرب»، وتقع الزلزلة ويُدحرج الحجر (متى ٢٨:٢). ومن المفيد إبقاء كل رواية بملامحها، لنفهم كيف صوّر كل إنجيل ذلك المشهد.

ولنهاية مرقس في أقدم نسخه دلالة خاصة. فبعد أن أُمرت النسوة بحمل البشارة، تقول الرواية: «خرجن وهربن من القبر، وقد أخذتهن الرعدة والحيرة، ولم يقلن لأحد شيئاً، لأنهن كن خائفات» (مرقس ١٦:٨). ويقف النص عند هذه الآية، فينتهي إلى خوف النسوة وصمتهن، من غير أن يروي ظهور يسوع نفسه لأحد. أما الظهورات التي تليها في النهاية الأطول فسنعود إليها عند النظر في طبقات النص.

الكلماتُ الأخيرة على الصَليب: ثلاثُ كلماتٍ عَبر أربعة أناجيل

ونجد اختلافاً ذا دلالة في الكلمات التي يرويها كل إنجيل في ختام حياة يسوع على الصليب. ففي مرقس ومتى ترد صرخة «إلهي إلهي، لماذا تركتني؟» (مرقس ١٥:٣٤، ومتى ٢٧:٤٦). ويختار لوقا أن ينهي المشهد بكلمات التسليم: «يا أبت، في يديك أستودع روحي» (لوقا ٢٣:٤٦).

أما يوحنا فيروي قوله «قد أكمل» (يوحنا ١٩:٣٠). وبهذا نجد في المشهد الواحد ثلاث نبرات: ألم الهجر، وتسليم الروح، وإتمام المهمة. ويهمنا ما يمنحه هذا الاختيار من معنى للموت في كل إنجيل، وكيف تصبح الكلمات التي يضعها الراوي في خاتمة السيرة مفتاحاً لفهم تصوره كله.

الطَبقةُ النَصّيّة: ما لم يَكُن في أقدَم المَخطوطات

وبعد اختلاف الأخبار تأتي مسألة انتقال النص نفسه. فقد اشتهرت مقاطع صارت مألوفة للقارئ، مع أنها تغيب عن أقدم الشواهد اليونانية ذات الصلة، ويعدها النقد النصي إضافات لاحقة. ومن أبرزها النهاية الطويلة لمرقس (مرقس ١٦:٩-٢٠)، وقصة المرأة الزانية (يوحنا ٧:٥٣-٨:١١)، والفاصلة اليوحناوية في رسالة يوحنا الأولى (٥:٧-٨).

وتعرض المراجع المتخصصة أدلة هذا الحكم. فقد ناقش بروس متزغر (Bruce M. Metzger) في «A Textual Commentary on the Greek New Testament» غياب تلك المقاطع عن الشهود القدماء وموقعها في تاريخ انتقال النص. وشرح بارت إيرمان (Bart D. Ehrman) في «Misquoting Jesus» (٢٠٠٥) كيف تدخل الزيادات إلى النسخ، ثم يألفها القراء حتى تصبح في وعيهم جزءاً من النص منذ نشأته. ومن هنا تأتي أهمية مقابلة المخطوطات، ومعرفة ما تحفظه كل طبقة منها.

أقدم بردية: ماذا يحتمل تأريخ الخط؟

وفي الطرف الآخر من تاريخ المخطوطات نجد سؤال أقدم الشواهد الباقية. فكثيراً ما تُذكر بردية رايلاندز اليونانية ٤٥٧، المعروفة بالرمز P52، باعتبارها أقدم قطعة من أسفار العهد الجديد. وهي قصاصة من يوحنا تحمل على أحد وجهيها ١٨:٣١-٣٣، وعلى الآخر ١٨:٣٧-٣٨، ويشيع تأريخها بنحو سنة ١٢٥ للميلاد. ويُبنى على هذا التقدير أن الإنجيل الرابع كان متداولاً في مصر بعد جيل من التاريخ المقترح لتأليفه، نحو ٩٠-١٠٠م، وبعد قرابة قرن من الأحداث التي يرويها. ولهذا يستحق أساس التأريخ أن نتوقف عنده.

نشر كولين روبرتس القصاصة سنة ١٩٣٥، ورجّح النصف الأول من القرن الثاني بالمقارنة الخطية. ولا تحمل القطعة تاريخ نسخ مكتوباً؛ فتأريخها تقدير مبني على خصائص الخط ومقارناته. وقد أعاد باحثون بعده مناقشة هذه المقارنات وحدودها، ولذلك ينبغي قراءة سنة ١٢٥ الشائعة بوصفها تقريباً، لا تاريخاً مسجلاً على البردية.

وقد وَضَعَ Brent Nongbri هذا الحُكمَ في مُقابَلة المَجموعة الأوسَع من البَرديّات المُؤرَّخة تَأريخاً مَوثوقاً ممّا ظَهَرَ بعد سنة ١٩٣٥، في بَحثِه «The Use and Abuse of P52: Papyrological Pitfalls in the Dating of the Fourth Gospel» المَنشور في مَجلّة Harvard Theological Review، المُجلَّد ٩٨ (٢٠٠٥)، الصَفَحات ٢٣-٤٨. وخُلاصةُ ما وَجَدَه أنّ خُطوطاً قَريبةَ الشَبَه بخَطّ قُصاصة رايلاندز مَشهودةٌ في أواخِر القرن الثاني وفي أوائل القرن الثالث، فالمَدى الذي يَحتَمِله الخَطُّ وحدَه يَمتَدّ عَبر القرن الثاني وإلى ما بعده، لا نُقطةً ضَيّقةً قُربَ مُفتَتَحِه. أمّا Pasquale Orsini مع Willy Clarysse فقد أبقَيا القُصاصةَ في القرن الثاني، في بَحثِهما «Early New Testament Manuscripts and Their Dates: A Critique of Theological Palaeography» المَنشور في مَجلّة Ephemerides Theologicae Lovanienses، المُجلَّد ٨٨ (٢٠١٢)، الصَفَحات ٤٤٣-٤٧٤، لكنّهما جَعَلا مَداها بين سنة ١٢٥ وسنة ١٧٥ للميلاد.

وهذه الدراسات تبين كيف يتسع مجال التأريخ أو يضيق تبعاً للمقارنات الخطية المعتمدة. فالقصاصة شاهد مادي مهم، ولكن خطها يعطينا تقديراً زمنياً، لا سنة نسخ مكتوبة. ونقرأ هذا التقدير مع سائر الشهود عند بحث زمن تأليف الإنجيل، ونحتفظ بما تسمح به المقارنة من مجال، سواء رجح الباحث طرفه المبكر أو المتأخر.

تَطهيرُ الهَيكل: في المُستَهَلّ أم في الخِتام

ويختلف ترتيب بعض الأحداث الكبرى أيضاً. فمشهد طرد الباعة والصيارفة من الهيكل يرد في الإصحاح الثاني من يوحنا (٢:١٣-٢٢)، عند بداية الرسالة العلنية، فيصبح من الأعمال التي يفتتح بها يسوع ظهوره للناس.

وتضع الأناجيل الإزائية مشهد تطهير الهيكل في الأسبوع الأخير قبل الصلب (مرقس ١١:١٥-١٧). ويتغير بذلك موضعه في فهم السيرة: أهو عمل افتتحت به الرسالة، أم مواجهة جاءت عند نهايتها وأسهمت في التعجيل بها؟ تفصل سنون بين الموقعين اللذين تمنحهما الروايات لهذا الخبر.

جمع الأناجيل في رواية واحدة: دياتسارون تاتيان

وقد ظهرت منذ وقت مبكر محاولة لجمع هذه المواد في قصة متصلة. فحوالي سنة ١٧٠ للميلاد ألّف تاتيان السرياني «الدياتسارون»، أي الإنجيل الرباعي المنسوج، فضم روايات الأناجيل الأربعة ورتبها في سرد واحد. ويتيح لنا عمله أن ننظر في طريقة التعامل مع الأخبار المتعددة قبل أن تستقر شروحها المتأخرة.

يكشف هذا الجمع أن القارئ القديم احتاج إلى ترتيب المواد المتوزعة بين الأناجيل في سرد واحد. ونرى في طريقة تاتيان مدخلاً لدراسة ما قدّمه وأخّره وجمعه: كيف تتكون السيرة المتصلة من روايات متعددة؟ هذا السؤال يخدم بحثنا في تركيب الذاكرة، من غير أن ننسب إلى تاتيان اعترافاً لم ينقله عنه النص.

ثمانية مواضع بين السيرة وتاريخ العقيدة

وبعد النظر في اختلاف الأناجيل بعضها عن بعض، ننتقل إلى سؤال العلاقة بين أقوال صاحب السيرة وما نُسب إليه في مراحل لاحقة. وقد جمع الدكتور محمد مصطفى منصور ثمانية مواضع متصلة بهذا السؤال. نعرضها هنا بمراجعها، ونضبط وجه الاستدلال في موضعين منها، حتى يتضح ما يدل عليه كل خبر وما يحتاج إلى بحث آخر.

  1. بنوة داود: يسأل مرقس ١٢: ٣٥–٣٧ عن علاقة المسيح بداود. يفتح السؤال نقاشاً في اللقب، وإن قرأه شراح كثيرون رفعاً لمكانة المسيح لا نفياً لنسبه.
  2. خبر الملك: يروي يوحنا ٦: ١٥ انسحاب يسوع من جماعة أرادت جعله ملكاً. ينتمي الخبر إلى السيرة الإنجيلية، ولا ننقل حكمه إلى نبونيد الملك الذي نطابقه بعيسى.
  3. الشريعة: يصرح متى ٥: ١٧ بقصد الإكمال لا النقض؛ وتتيح مقارنته برسائل بولس بحث ما تغير في موقع الشريعة.
  4. النبوة بعد يسوع: تذكر الرسائل وسفر الأعمال أنبياء داخل الجماعات. ينبغي التمييز بين هذه الموهبة ومفهوم اكتمال الوحي في اللاهوت المسيحي؛ وجودها ليس وحده نقضاً لكل تصور مسيحي عن الاكتمال.
  5. صمت بولس: لا تسرد رسائله معجزات حياة يسوع كما تسردها الأناجيل. هذا اختلاف في المادة والوظيفة يستحق النظر، لكنه لا يثبت أنه جهل كل خبر لم يذكره.
  6. الميلاد: ترد روايتا الحبل العذري في متى ولوقا، ولا يرويهما مرقس ويوحنا؛ الصمت مختلف عن الإنكار الصريح.
  7. أخبار الطفولة: تختلف مادتها بين متى ولوقا، ثم تتسع في مؤلفات لاحقة مثل إنجيل يعقوب الأولي وإنجيل توما في الطفولة. تُقرأ كل مجموعة بتاريخها ومصادرها.
  8. يوسيفوس: الشهادة الفلافية في العاديات ١٨: ٦٣–٦٤ موضع جدل حول مقدار التدخل المسيحي فيها. وتتيح أخبار الإسيين في الحرب ٢: ١٥٢–١٥٣ مقارنة موقفهم من العذاب، دون أن تجعلهم والمصلوب شخصاً واحداً.

تفتح هذه المواضع سؤالاً عن المسافة بين الرواية المبكرة والصياغات التي استقرت بعدها. وبعضها اختلاف نصوص، وبعضها سكوت عن خبر، وبعضها خلاف في التأويل؛ ومن اجتماعها ينشأ مجال التحقيق في تاريخ الصورة. وسنختبر ضمنه اقتراح الكتاب: أن أخبار رجلين وتراثين زمنيين قد اجتمعت في سيرة واحدة.

النقد التاريخي داخل الدراسات الإنجيلية

وتنتمي هذه المسائل إلى تاريخ طويل من الدراسات الإنجيلية التي نشأت في المجال الغربي والمسيحي. ففي القرن الثامن عشر ميّز هرمان صموئيل رايماروس (Hermann Samuel Reimarus) بين يسوع التاريخ ويسوع الإيمان. ثم درس دافيد فريدريش شتراوس (David Friedrich Strauss) الروايات بأدوات النقد التاريخي في «The Life of Jesus Critically Examined» (١٨٣٥). ومن هذه البدايات اتسعت الأسئلة وتنوعت طرائق الإجابة عنها.

ومن الباحثين المحدثين إي. بي. ساندرز (E.P. Sanders)، الذي درس يسوع في سياقه اليهودي، وريموند براون (Raymond E. Brown)، الذي بحث روايات الميلاد، وبروس متزغر (Bruce M. Metzger) في النقد النصي. وخصص بارت إيرمان (Bart D. Ehrman) كتاب «Jesus, Interrupted» (٢٠٠٩) لعرض اختلافات الروايات وما يترتب عليها. فنحن نرجع هنا إلى مباحث قائمة في الدراسات المتخصصة بالعهد الجديد، مع ما بين أصحابها من اختلاف في المواقف والنتائج.

حُدودُ هذا الفصل بأمانة

والذي انتهينا إليه في هذا الفصل هو أن الأناجيل تحفظ روايات متعددة، وأن صورتها المتصلة ثمرة قراءة وجمع وتأويل. أما تعيين زمن يسوع ومكانه، أو إثبات البديل الذي يقترحه هذا الكتاب، فيحتاج إلى ما سيأتي من الشواهد. ويفيدنا هذا الفصل في تحرير نقطة البداية: أن نقرأ كل خبر بملامحه وطريق نقله، ثم ننظر في صلته ببقية الأخبار.

ومن هذه البداية ننتقل إلى لسان القرآن. فقبل أن نقابل الشخصيات والأزمنة، ينبغي أن نفهم الألفاظ التي تصفها، وأن نعرف مقدار ما تحفظه الكلمة من معنى يتسع لما اعتدنا قراءته فيها.


الفصل ١ ـ لِسان القرآن: مِن الاختِزال الحَرفيّ إلى الشُموليّة الأَصليّة

إشكالية الاختزال

يغلب في قراءة الكلمة القرآنية أن نصلها بأشهر صورة تاريخية عرفناها عنها. فعيسى يُقرأ في ضوء سيرة يسوع الناصري، وموسى في ضوء الرواية التوراتية، والشجرة تستحضر النبتة، والصلب الخشبة، والرفع حركة الجسد إلى أعلى. وقد أقر علماء اللغة بتعدد وجوه الكلمة، لكن التطبيق في كثير من التفسير، من الطبري إلى اليوم، يظل أقرب إلى الصورة المشهورة. وهذا ما نريد إعادة النظر فيه. فعند قوله تعالى «وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ» نبحث، إلى جانب الصورة الحسية، عن معنى إبطال الرسالة ومحو صاحبها من الوعي، وعن صلة الصلب بالتشهير والإهانة وإسقاط الحقيقة أمام الناس. ففي لغة القرآن من الاتساع ما يدعونا إلى فحص هذه الوجوه في سياقها.

مَنهَج الجِذر والمَصاديق

ولنبدأ بكلمة الرفع. أول ما قد يتبادر منها انتقال الجسم إلى مكان أعلى، ثم نقرأ ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، فنفهم ارتفاع ذكر النبي ﷺ وقدره. ونقرأ كذلك ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، فيأتي الرفع في منزلة الإيمان والعلم، كما يفسره المفسرون. فالكلمة الواحدة تجمع استعمالاً حسياً وآخر معنوياً، ويعين السياق على معرفة الوجه المراد منها.

وعلى هذا يسير عملنا في ثلاث خطوات: ننظر في الجذر السامي في العربية وأخواتها، ونتتبع المعنى الجامع لاستعمالاته، ثم نرجع إلى السياق لنعين ما ينطبق عليه في الآية. وبذلك تتصل دراسة اللفظ بفهم الخبر الذي ورد فيه.

من صاحب القول، وعن مَن يتحدث؟

ولنقرأ آيات النساء في اتصالها. يبدأ موضع القتل بقوله ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾؛ فالمعروض دعوى قوم يعيّنون المقتول، ثم يأتي الجواب ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾. ويمضي السياق إلى اختلافهم فيه، وإلى الشك واتباع الظن، قبل أن يقول ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (النساء ١٥٧–١٥٨). فإذا وقفنا عند صورة الصلب وحدها فاتنا هذا الحضور المتكرر للقول والعلم والظن والاختلاف.

ومن هنا نقرأ الشبهة في هوية صاحب الخبر: نُسب إلى عيسى ما رُوي عن رجل آخر. يجمع أصحاب الدعوى الاسم والحدث، ويفصل جواب القرآن بينهما. هذه هي القراءة التي يصلها كتابنا بما بقي من سيرة نبونيد وما ألحق بيسوع الناصري. وتُستمد مادتها التاريخية من الفصول الآتية؛ أما السياق هنا فيكشف لنا موضع السؤال: كيف استقر عند الناس أنهم يعرفون من قُتل، وبأي علم جزموا؟ وعلى هذا يتصل الرفع عندنا بحفظ حقيقة المسيح وعلو مقامه، وتصبح عودته انكشاف ما حجب من خبره.

ونرى مثل هذا الاتساع في لفظ الشجرة. ففي قوله تعالى ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ صورة لعقيدة ثابتة الأصل، ممتدة الفروع إلى آفاق المعرفة. وكذلك نفهم الإنزال في ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ من جهة إتاحة المعرفة بالحديد والقدرة على استخراجه. فهذه وجوه نبحثها في الدلالة، ونرى أن الاقتصار على الصورة الحسية للكلمة يحجبها عن القارئ.

ومن أهم أمثلة الكتاب جذر م-س-ح. ففي العربية يتصل بمسح الملوك والأنبياء بالزيت والتكريس للوظيفة المقدسة، ويتصل أيضاً بإمرار اليد للشفاء، ومنه ما أورده ابن منظور: «مَسَحَه المَلَكُ مَسحَةً فأَذهَب عَنه الأَذى». وفي العبرية تأتي מָשִׁיחַ، ماشيح، بمعنى الممسوح المكرس، ومن أفعال الجذر נִמְשַׁח (نِمشَح). وتقابلها في الآرامية مشيحا (māshīḥā). وهكذا تتجاور משיח (ماشيَح) وmšīḥā والمسيح في الألسنة الثلاثة، وتحفظ صلتها بجذر سامي مشترك.

وتجتمع هذه المعاني في صورة الرجل المكرس بالبركة الإلهية، الشافي بإذن الله. وفي ضوئها نقرأ وصف عيسى ابن مريم عليه السلام: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. وقد وصل مفسرون قدماء لقب المسيح بالسياحة في الأرض والدعوة فيها. ولهذا التفسير مكانه في صورة النبي، مع بقاء الفرق المعجمي بين جذر المسح، م-س-ح، وجذر السياحة، س-ي-ح.

واتساع الوصف يساعدنا على فهم الشخصية التاريخية التي يحيل إليها. فعيسى في القرآن نبي بعينه، عاش في زمن معين، وتحمل أوصافه معاني تتصل بميراث النبوة السامي الأوسع. نجمع لذلك بين تعيين الرجل ودرس المعاني التي ظهرت في حياته؛ فالصفة قد تتجاوز صاحبها، مع أنها تجلت فيه تجلياً خاصاً. وهذا الجمع يهيئنا للنظر في صورة المسيح الأصل والصورة المحورة التي نسميها المسيخ.

الآراميّة والعَرَبيّة: قَرابةٌ أَعمَق ممّا يَتَخَيَّل القارئ

تعد اللسانيات السامية العربية والآرامية والعبرية لغات شقيقة ترجع إلى أصل سامي مشترك (Proto-Semitic). وقد يعرف القارئ هذه العبارة دون أن يدرك مقدار ما وراءها من قرابة. فهذه الألسنة تتشارك نظام الجذور، وكثيراً من أبنية الصرف، وعدداً كبيراً من الكلمات الأساسية المتقاربة في الصوت والمعنى. ومن تعلم الآرامية بعد العربية لمس ذلك في ألفاظ مألوفة له، كأنما يعود إلى وجوه أخرى من لسان يعرف أصوله.

وتوضح أبحاث الدكتور أحمد الجلاد في النقوش الصفائية والثمودية أن العربية القديمة كانت منطوقة ومكتوبة في شمال الجزيرة قبل الإسلام بقرون. وقد كُتبت أحياناً بأبجديات أخرى، كالآرامية النبطية واليونانية، مع احتفاظها بخصائصها الصوتية والصرفية. ومن هنا نفهم كتابة النبط بالأبجدية الآرامية وصلتها بالعربية التي تحدثوا بها. وتدخل في هذا الباب نقوش أم الجمال، ورقش المؤرخ بسنة ٢٦٧م في مدائن صالح، والنمارة المؤرخ بسنة ٣٢٨م، حيث يتيح لنا النظر في اللغة تمييزها من شكل الحروف التي كُتبت بها.

ونبني على هذه المقارنات رأياً خاصاً بهذا الكتاب: أن العربية أحفظ أخواتها لمنطق اللسان الأم، وأدقها احتفاظاً بطائفة من الأصوات الحلقية والمطبقة، ومنها العين والغين والحاء والخاء والظاء والضاد. فقد ضاق الرسم العبري والآرامي عن بعض الفروق التي بقيت ظاهرة فيها. ونرى في ذلك أن الأخوات انزاحت عن الأصل في هذه الوجوه، ونرجع إلى العربية لاستبانة ما اندمج فيها. وسنعرض القرائن الصوتية والمعجمية لهذا الرأي في مواضعها، مميزين إياه من القدر المشترك في الدرس الأكاديمي. ومنه أيضاً نفهم نزول الوحي الخاتم بلسان عربي مبين، أقدر في نظرنا على حمل هذه الفروق والاحتفاظ بمعاني الأصل.

ولنأخذ اسماً يعرفه كل قارئ: غزة. تُكتب في العبرية עזה (عَزّاه)، بحرف يعبّر به الرسم العبري أيضاً عن العين، وتُنقل في اليونانية القديمة Γάζα (گازا). أما العربية فتحفظ الغين في «غزة»، وتميزها كتابةً ونطقاً من العين. يورد غيزينيوس هذا المثال عند بحث الحروف الحلقية ونقلها إلى اليونانية. فالمقارنة بين الألسن تعيد إلينا فرقاً صوتياً لا يظهر في الرسم العبري وحده؛ ومن هذه الفروق نبدأ حين نبحث الأسماء القديمة ونحاول سماعها من جديد. (قواعد غيزينيوس، الفقرة ٦، في نطق الحروف وتقسيمها.)

وبذلك تصبح العودة إلى الآرامية والعبرية القديمة جزءاً من البحث في القرابة العميقة للسان القرآن. نرجع إليهما كما نرجع إلى المعاجم لنستبين تاريخ الكلمة ووجوه معناها. وتتيح هذه المقارنة قراءة أسماء الأنبياء قراءة يتصل فيها الاسم بوصف صاحبه، وبالخبر الذي حفظته النصوص عنه.

تَأصيلُ المَنهَج في التُراث

ولهذه الطريقة أصول في التراث اللغوي العربي. فقد أقام الخليل بن أحمد الفراهيدي معجم «العين» على ترتيب صوتي يرد الحروف إلى مخارجها. وجاء ابن فارس بعده بأكثر من قرن، فبحث في «مقاييس اللغة» عن المعاني المركزية للجذور وما تتفرع إليه. ثم اعتنى الراغب الأصفهاني في «المفردات» بوجوه الكلمة القرآنية وصلتها بمعناها، حتى تجاوز عمله جمع الألفاظ إلى تفسيرها في سياق الوحي. وإلى جانب هذه الأعمال نشأ علم الوجوه والنظائر، الذي يتتبع تعدد دلالة اللفظ الواحد في القرآن.

ومن امتدادات هذا الاهتمام في العصر الحديث مقارنات فهمي خشيم بين العربية وأخواتها السامية. ونجد في الفكر الغربي عند غادامر عناية بتاريخ الفهم وسياق النص، وعند ريكور بحثاً في تعدد طبقات الدلالة. ونقابل ذلك بما سبق إليه التراث الإسلامي من وجوه النظر في المعنى. فالعمل الذي نقترحه يستفيد من هذا الميراث الممتد من الخليل وابن فارس والراغب إلى خشيم، ويعود بأدواته إلى أسئلة الأسماء والأخبار التي تشغلنا هنا.

وبهذا نصل إلى الأسماء: ما الذي تحفظه من وصف صاحبها، وما الذي يضيع حين تُنقل من لسان إلى آخر؟ سنقرأ عيسى ويحيى ومريم في هذا الأفق، ثم نقابل دلالاتها بالقصص التي حملتها.


الفصل ٢ ـ أسماء الأنبياء في القرآن: أوصافٌ لا أعلام

«الاسم» في استِعمال القُرآن نفسِه

للأسماء في القرآن حياة تتجاوز مجرد التعريف بأصحابها. ففي قوله ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ تتصل التسمية بالرحمة والحكمة والعزة والقداسة. ومن هذا الباب نقرأ أسماء الأنبياء: أوصافاً تستحضر رسالتهم، وتجمع في اللفظ القصير معنى حياتهم. فإذا صارت التسمية في أذهاننا صوتاً نميز به رجلاً من رجل، غاب عنا ما اختيرت لتدل عليه. وإلى استرجاع هذه الدلالة يتجه هذا الفصل.

وقد اختلف النحويون قديماً في اشتقاق «اسم». فردّه البصريون إلى السمو، أي العلو، وقالوا إن الاسم يعلو على المسمى. وردّه الكوفيون إلى الوسم، أي العلامة التي يُعرف بها الشيء. وتُبسط المسألة في «الإنصاف في مسائل الخلاف» لابن الأنباري. ونأخذ هنا بوجه الكوفيين في القراءة، فننظر إلى الاسم باعتباره سمة؛ ومن ثم نفهم «اسمه أحمد»، في هذا الوجه، بمعنى أن سمته أحمد.

ويظل الخلاف بين المدرستين قائماً، فلا نحمله وحده حجة الفصل. وإنما نجمع بينه وبين استعمال القرآن الأسماء في الدلالة على الصفات؛ فيكون لقراءتنا شاهد من النص وأصل معروف في النظر اللغوي.

عيسى: قراءةُ الاسم من حروفه

ونقرأ أسماء الأنبياء على هذا الأساس: يدل الاسم على صاحبه بما يحمله من صفته أو مهمته، ثم تأتي السيرة فتوضح ما فيه من معنى. ونرى في أسماء القرآن أوصافاً مكثفة تستحضر جوهر الرسالة، ونبدأ باسم عيسى لأنه أقرب الأمثلة إلى سؤال هذا الكتاب.

حروف «عيسى» هي العين والياء والسين. وإذا رجعنا إلى هذا الجذر في العربية وجدنا العيس، وهي كرائم الإبل البيض، وما يتصل بالعيسة من البياض والصفاء. ومن هذا الحقل نقرأ في الاسم معنى الطهر والاصطفاء. وهذه هي الخطوة الأولى: أن ننظر فيما تقوله حروفه في العربية، قبل أن نقابلها بصور الاسم في الألسنة الأخرى.

ثم نقارن هذا الحقل بحقل العيش، من ع-ي-ش: عاش ويعيش وعيش ومعاش. وتتيح المقارنات بين الصفيريات السامية أن نسأل عن الصلة بين الصيغتين، فنقرأ الاسم في ضوء الطهر والحياة معاً. هذه قراءة نقترحها من اجتماع الصوت والدلالة، ولا يلزمها افتراض أن كل سين وشين كانتا صوتاً واحداً في لهجة بعينها.

ويتكون من هذه المقارنة معنى الحي الطاهر المصطفى. وهو المعنى الذي نجده متصلاً بوصف صاحب الاسم؛ فعيسى يحيي الموتى بإذن الله: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وهو المسيح الممسوح المطهر المكرس، وكلمة الله وروح منه، الذي ولدته مريم الطاهرة بنفخة الروح. فدلالة الاسم التي نقترحها تتلاقى مع هذه الصفات، ونقرأ كلّاً منهما في ضوء الأخرى.

السين والشين: قاعدةُ التَبادُل الساميّ

تُظهر المقارنة السامية مقابلات منتظمة بين بعض السينات والشينات، وتُظهر الكتابة العبرية أيضاً أن الرسم الواحد ש (شين / سين) استُعمل لصوتين ميزتهما نقاط القراءة لاحقاً. لكن تقارب الرسم لا يجعل جميع الأصوات متبادلة بلا قيد. لذلك نقرأ أمثلة المقابلة مع الكلمة وسياقها، ثم نعرض اقتراحنا للاسم على هذا الأساس.

من الأمثلة الواضحة: سنة وשנה (شاناه)، وسبت وשבת (شَبّات)، وسلام وשלום (شالوم)، وسن وשן (شين). وهي تشهد لاختلاف الصوت المقابل بين ألسنة قريبة مع بقاء المعنى. ونستعين بهذا الباب في قراءة عيسى والحياة؛ أما تعيين مسار الاسم نفسه فيحتاج إلى صِيَغه وشواهده، وهو ما يدفعنا إلى النقش والأسماء القريبة في الفقرات التالية.

وتمنح النقوش هذه المناقشة شاهداً مهماً: نشر أحمد الجلاد وعلي المناصر نقشاً صفائطياً يرد فيه الاسم ʿsy في سياق دعاء، ورجحا أنه يقابل اسم عيسى القرآني، وأنه يعود إلى القرن الرابع الميلادي. على هذه القراءة، تكون صيغة الاسم معروفة في شمال الجزيرة قبل الإسلام؛ فلا يصح افتراض أن القرآن أنشأها من تصحيف متأخر. أما صلتها بحقل العيش والحياة فقراءة هذا الكتاب، وليست نتيجة أثبتها النقش أو تبناها ناشراه. لهذا نأخذ من النقش ما يضيفه فعلاً: قِدم الصيغة العربية، ثم نتابع بحث معناها في اللسان. (الجلاد والمناصر، «الاسم الإلهي السابق للإسلام ʿsy وخلفية عيسى القرآني»، ٢٠٢١.)

الاسمُ الذي لم يَستَعمِله القُرآن

ويستوقفنا بعد الاشتقاق اختيار الاسم في النص القرآني. فقد عرف نصارى العرب في الشام والحيرة ونجران اسم «يسوع» المتصل بالصورة السريانية، واستعملوه قبل الإسلام وبعده. أما القرآن، وهو يخاطب أهل الكتاب في صاحب هذه الأخبار، فيذكر «عيسى» خمسة وعشرين مرة، ولقب «المسيح» إحدى عشرة مرة، ويخلو من لفظ «يسوع». وهذه أعداد للألفاظ، وبعضها يجتمع في الآية نفسها. ونقرأ هذا الاختيار مع اختلاف أخبار الأم والبيئة والمصير؛ فهناك تتكون حجة التمييز بين الشخصيتين التي يتبناها الكتاب.

شَواهِدُ إضافيّة: العَيص والإيسيّون

ونضيف إلى مادة الجذر والنقش الصفائي اسمين قريبين، نرى أن المقارنة بهما تعين على تتبع قدم هذه الصيغة وصلتها باللسان السامي.

أولهما العيص، أو عيسو (עֵשָׂו) (عيساو)، ابن إسحاق وتوأم يعقوب في الرواية التوراتية. وقد سجل ابن حزم الأندلسي تقارب «عيسى» و«العيص» في ملاحظاته على الأسماء. ويهمنا من هذه المقارنة وجود الصيغة الصوتية القريبة في الذاكرة السامية القديمة؛ فهي تتيح البحث عن أصل الاسم قبل الإسلام.

وثانيهما الإيسيون (Essaioi)، الجماعة اليهودية الزاهدة الموحدة التي وصف فيلون الإسكندري حياتها المشتركة في «Hypothetica»، وربط اسمها بالقداسة (ὁσιότης) (هوسيوتيس) في «كل فاضل حر» (Quod Omnis Probus Liber Sit, 75). ووصف يوسيفوس فلافيوس في «الحرب اليهودية» (٢: ٨) حياتها المنظمة وعنايتها بالشفاء. وقد بحث ماثيو بلاك (١٩٦١م) وجيزا فيرمس أصل التسمية، وردّاها إلى الآرامية ʾāsyāʾ، أي الشافين المعالجين. ونقترح إلى جانب ذلك قراءة لصدر الاسم اليوناني: أن الصائت E قد يحفظ أثر العين والياء، «عي»، بعد أن سقطت العين التي لا مقابل لها في اليونانية أو تحولت إلى صائت. فيكون وراء Essaioi، بحسب اقتراحنا، «العيسيون» (al-ʿĪsiyyūn)، المنسوبون إلى عيسى: عي-سيون ← إسايوي. ومن هنا ننظر في صلته بالصيغتين العربيتين الإيسيين والعيسيين.

وتبقى لنا خطوة في تفسير الدلالة تتجاوز ما صرح به بلاك وفيرمس. فالشفاء الذي تدل عليه ʾāsyāʾ والحياة التي نقرؤها في ع-ي-ش يلتقيان في وظيفة إحياء الإنسان واسترداد عافيته. ويجمع القرآن الفعلين في وصف عيسى: «أبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله». وعلى هذه الصلة نبني المقارنة بين المعنى العربي والوسيط الآرامي والصيغة اليونانية؛ كأن الاسم يحفظ صورة المعلّم الحي المحيي الشافي.

وهكذا تجتمع أمامنا أربعة أبواب للبحث: الجذر السامي، والنقش الصفائي، واسم العيص، واسم الإيسيين. وننظر إلى ما يضيفه كل باب إلى الآخر في تفسير الاسم وقدم مادته. أما الإطار التاريخي الأوسع، ومنه صلاة نبونيد 4Q242، فسنعود إليه في الفصلين الخامس والسادس.

يحيى وعيسى: الثنائيّ النبويّ المتكامل

ولننتقل من الاسم المفرد إلى اقتران يحيى بعيسى في القرآن. فكلاهما سُمّي قبل مولده في سياق بشارة من الله؛ قيل لزكريا «إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى»، وقيل لمريم «إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم». ونرى في هذا التوازي بين التسمية والبشارة مدخلاً إلى فهم اتصال الرسالتين، وما يجمع النبيين من قصد إلهي واحد.

يدور الاسمان، في قراءتنا، حول الحياة وإحيائها. ونرى يحيى معلّماً لعيسى في طريقه إلى الله، والمختار قد يصحبه معلّم ويُربّى بالابتلاء قبل اكتمال ظهوره. فالتطهير والشفاء عندهما متصلان، وتلك الصلة هي التي سنبحثها في خبر نبونيد. ولا نحصر نصيب أحدهما في القلب ونصيب الآخر في الجسد؛ فالرسالة تجمع الإنسان كله.

ويضاف إلى ذلك اتصال البيت الذي جاء منه النبيان. فزكريا كاهن مكرس للعبادة، ويذكر لوقا ١:٥ أن زوجته إليصابات «من بنات هارون». والقرآن يخاطب مريم بقوله «يا أخت هارون». ونقرأ في هذا الوصف انتسابها إلى البيت الكهنوتي نفسه، فيكون يحيى وعيسى ابني امرأتين هارونيتين، يحملان ميراثاً يرجع إلى موسى وهارون والمسحة المقدسة. وهذه الصلة في النسب تعيننا على فهم التقليد الروحي الذي نشآ فيه.

وتحفظ الذاكرة المندائية ليحيى مقاماً مركزياً في التعليم والتعميد، وتحمل رواياتها عن يسوع آثار خصومة دينية سنقرأها في الفصل الرابع عشر. وتفيدنا هذه المادة في تتبع ما بقي من سلطة يحيى وتعليمه، ثم نسأل كيف توزعت أخبار هذه العلاقة بين الأناجيل والتقاليد الأخرى.

وتظهر صلة أخرى في طريقة ذكر مصيرهما. ففي يحيى يقول القرآن ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ (مريم: ١٥)، فيذكر مولده وموته وبعثه، ويترك كيفية الموت دون تفصيل. أما خبر قطع رأسه بأمر هيرودس فيرد في متى ١٤ ومرقس ٦، ولا يفصل القرآن القول فيه إثباتاً أو نفياً. وفي عيسى يرد ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ ثم ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (النساء: ١٥٧-١٥٨). فمع اجتماع النبيين في الرسالة، يختلف مقدار ما يُروى عن مصير كل منهما، وهو فرق نضعه في حساب المقارنة.

«حَصوراً»: قِراءةٌ جامِعة

ومن صفات يحيى قوله تعالى ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران: ٣٩). وقد فُسر «حصوراً» بمن لا يأتي النساء، ويورد ابن منظور في مادة ح-ص-ر من «لسان العرب»: «الحصور: الكثير الإمساك، المتمسك المتقبض في كل شيء، والذي لا يأتي النساء». فالجذر يتسع للإمساك والإحاطة والحفظ. ونقرأ الوصف من هذا المعنى الجامع: رجل يحفظ ميراثه الهاروني ويضبط نفسه، فتدخل العفة في صفته مع سائر وجوه الحفظ والإمساك.

يَحيى أَوَّلاً ـ التَتابُعُ الزَمَنيّ الذي يَحفَظُه القُرآن

ويظهر في ترتيب الأخبار تقديم زكريا ويحيى، ثم الانتقال إلى مريم وعيسى. ونجد هذا التتابع، كاملاً أو في بعض حلقاته، في مواضع متعددة:

  • سورة آل عمران (٣٧-٤٥): زَكَرِيّا يَدعو، يَحيى يُبَشَّر، ثُمَّ مَريم تُبَشَّر بِعيسى.
  • سورة مَريم (١-٣٤): زَكَرِيّا أَوَّلاً، يَحيى ثانياً، مَريم ثالثاً، عيسى رابِعاً.
  • سورة الأَنبياء (٨٩-٩١): زَكَرِيّا، ثُمَّ مَريم وعيسى.
  • سورة الأَنعام (٨٥): ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ﴾ ـ تَجتَمِعُ أَسماؤُهم في آيَةٍ واحِدة.

تقديم يحيى في هذه المواضع ينسجم مع قراءتنا له معلّماً سابقاً لعيسى. ونقابل ذلك بالرجل من بني إسرائيل الذي يحضر في صلاة نبونيد: نقترح أنه يحيى، وأن الشفاء والتعميد وظهور الروح في الروايات اللاحقة تحفظ وجوهاً من تجربة السلوك نفسها. فالمرض امتحان وترقّ للمختار، على نحو ما تروي الآية ابتلاء إبراهيم وإتمامه الكلمات، وليس انتقالاً من ملك كافر إلى نبي مؤمن. وترتيب الذكر في القرآن يضيء هذه القراءة؛ أما تعيين الرجل في الوثيقة فاجتهاد نبسطه مع نصها.

ويتصل بهذا الترتيب وصف الاسم في قوله تعالى ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (مريم ٧). فنقرأ في تفرد التسمية إشارة إلى جدة ما أُعد له يحيى، وإلى بداية تتصل بها رسالة عيسى بعده. وهكذا تجتمع التسمية وترتيب الخبر في الصورة التي نبحثها لعلاقة النبيين.

«وحَنَاناً مِن لَدُنّا»: القُرآنُ يَقرَأُ الاسمَ التَوراتيّ

ويحفظ التقليد المسيحي لهذا النبي اسم يوحنا المعمدان. وصورته اليونانية Ἰωάννης (يوآنّيس)، يوآنس، والسريانية ܝܘܚܢܢ، يوحنان، ووراءهما العبرية יוֹחָנָן، يوحانان، وصورتها التامة יְהוֹחָנָן، يهوحانان. ويتألف الاسم الكامل من יְהוֹ، يهو، العنصر الدال على اسم الرب، وחָנָן، حانان، من جذر ح-ن-ن بمعنى تحنن وأنعم. فيصير معنى الاسم «الله تحنن». وتقابل ח (حيت) العبرية الحاء العربية، وتظهر القرابة في الحاء والنون ومعنى الحنان، فتعيننا اللغة على وصل الاسم بالوصف.

ثم نعود إلى القرآن، فنجده يسمي الغلام يحيى، ويذكر تفرد هذه التسمية، ثم يصفه بعد آيات بقوله ﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا﴾ (مريم: ١٣). ولفظ الحنان لا يرد في القرآن إلا في هذا الموضع. ويلفتنا أن يقع في وصف النبي الذي يقوم اسمه المعروف عند أهل الكتاب على الجذر نفسه. ونقرأ هذا الالتقاء دليلاً على حضور معنى الاسم الآخر في الآيات، وإن استعمل القرآن ليعرف صاحبه اسم يحيى.

ويلتقي معنى «يوحانان»، أي تحنّن الرب، مع قوله ﴿وحناناً من لدنا﴾: هبة الحنان صادرة عن الله. فالعنصر الإلهي في الاسم يقابل جهة العطاء في الآية، والجذر ح-ن-ن حاضر في كليهما. وهذه مقارنة في بناء المعنى، لا ترجمة حرفية تجعل «يهو» وحدها بمعنى «من لدنا».

وهنا تتضح الطريقة التي نقترحها في قراءة الأسماء. فـ«يحيى» يبرز معنى الحياة المتصل برسالة النبي، و«حناناً» يعيد معنى الاسم القديم إلى عطية من الله. وعلى هذا نفهم ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾: تفرد لفظ يحيى في التسمية، مع أن يوحانان كان من الأسماء الشائعة، يحمله كبار الكهنة وملوك حشمونيون. ويعيننا الفرق بين الصيغتين على إبقاء معنى كل منهما في موضعه.

ويفتح انتشار «يوحانان» في أخبار الكهنة والملوك باباً زمنياً آخر. فآية ﴿لم نجعل له من قبل سمياً﴾ تتحدث باسم يحيى الذي اختاره القرآن، ويمكن أن تُقرأ معها جدة المنزلة والوظيفة. أما تحويلها إلى تاريخ لأول حامل لاسم يوحانان في جميع السجلات فخطوة لا يمنحنا النص وحده إياها. لذا نتتبع حَمَلة الاسم وشبكة أسرهم، لعلها تحفظ صلة بالبيت الذي نبحث عنه.

وفي لوقا يعترض الأقرباء: «ليس أحد في عشيرتك تسمّى بهذا الاسم» (١:٦١). الاعتراض يخص العشيرة، فلا ينفي شيوع الاسم خارجها. وما يستوقفنا هو صورة التسمية المقصودة التي تقطع عادة الأسرة؛ وهي تلتقي مع اهتمام القرآن بالاسم الموهوب، وتدخل في مقارنة القصتين قبل تعيين العصر الذي نشأ فيه هذا الخبر.

ولاسم يوحانان حضور أيضاً في أخبار الكهنوت الذي نبحث صلته بزكريا ويحيى. ففي عزرا ١٠: ٦ يدخل عزرا «مخدع يهوحانان بن إلياشيب»، ويرد الاسم بصورته التامة יְהוֹחָנָן (يِهوحانان). وفي نحميا ١٢: ٢٢ـ٢٣ تأتي سلسلة الكهنة الكبار: إلياشيب، ويوياداع، ويوحانان، ويدوع. وتذكر برديات إلفانتين سنة ٤٠٧ ق.م «يهوحانان الكاهن الأكبر» في أورشليم، كما تحمل عملة «يوحانان الكاهن»، التي نعرضها في الملحق التاسع، الاسم نقشاً في المعدن. فهذه الشواهد تتيح تتبع الاسم في البيت الكهنوتي، ولا سيما في القرنين الخامس والرابع ق.م. ونقابلها بصورة يحيى في القرآن: أبوه صاحب المحراب، وفي دعائه ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ (مريم: ٦)، وتُخاطب مريم بـ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ (مريم: ٢٨).

ومن الشواهد المؤرخة عريضة إلفانتين TAD A4.7، المعروفة أيضاً بكاولي ٣٠، من سنة ٤٠٧ ق.م؛ تذكر يهوحانان الكاهن الأكبر في أورشليم. قيمتها أنها تثبت حضور الاسم في الوسط الكهنوتي في ذلك التاريخ. وهي متأخرة عن حكم نبونيد بأكثر من قرن، ولذلك نستعملها لتتبع الاسم والبيت الكهنوتي، لا بوصفها وثيقة معاصرة لنبونيد.

ويجمع المندائيون الاسمين في «كتاب يحيى» بصيغة «يهيا يوهانا» (Iahia Iuhana، في تحقيق لدزبارسكي ١٩١٥). ولهذه الشهادة أهميتها، إذ تأتي من جماعة تحفظ ليحيى مقاماً خاصاً، ولم تدخل في قانون الكنيسة. ونفهم اجتماع الاسمين عندها على أنه حفظ لوصفين للرجل نفسه: صيغة توافق الاسم القرآني، وصيغة تتصل بالاسم التوراتي. ومن ثم نقرأ تسمية يحيى وورود الحنان في آياته بوصفهما معرفة بالمعنيين؛ وهي قراءة تختلف عن تفسير يحيى بأنه تصحيف ليوحانان.

ويقوم هذا الاستدلال على مستويين. فالمقابلة بين ح وח (حيت) معروفة، كما يبين السطر الثاني من جدول الفصل السابع، وورود «حناناً» مرة واحدة أمر يُعرف بالإحصاء. أما القصد من اجتماع اللفظ بالاسم في هذا الموضع فهو ما نقترحه في التأويل. ونقف بالمقارنة عنده؛ فجذر «زكاة» ز-ك-و يختلف عن جذر زكريا العبري ז-כ-ר، ز-خ-ر، المتصل بالذكر، ولا تسوغ المشابهة إغفال الحرف الثالث. ويضاف إلى ذلك ما ينقله السيوطي في «الإتقان» عن ابن عباس: كل القرآن أعلمه إلا أربعاً: غسلين، وحناناً، وأواه، والرقيم. ونستأنس بهذا التوقف عند الحنان في فهم ما قد يخفى من صلته بالاسم المعروف لدى أهل الكتاب؛ فكأن انقطاع الذاكرة بين الاسمين أبعد أحد مفاتيح اللفظة عن قارئها.

المَسيحانِ في زَكَرِيّا ـ يَهوشَع وَ زَرُبّابِل

وسنحتاج هنا إلى تعريف موجز بسفر زكريا. فهو من كتب الأنبياء في العهد القديم، أو التناخ العبري، ومن مجموعة الأنبياء الاثني عشر الصغار. وتختلف هذه المجموعة عن أسفار موسى الخمسة: التكوين والخروج واللاويين والعدد والتثنية. وينسب السفر إلى زكريا بن برخيا، الذي يؤرخ بدء نبوته بنحو سنة ٥٢٠ قبل الميلاد، في جيل الرجوع من بابل وإعادة بناء الهيكل، معاصراً لحجي. وتكثر في سفره الرؤى ومعاني انتظار المسيح. وينبغي تمييزه في الرواية التقليدية من زكريا والد يحيى، كما ينبغي تمييز يهوشع الكاهن الذي يرد فيه من يوشع بن نون. أما كتابنا فيبحث الصلات بين هذه الأسماء ضمن الأفق الأقدم الذي يقترحه لعيسى ومريم، وسنرى ما تتيحه الأخبار من تقارب وما يبقى في ترتيبها من أسئلة.

وترد في السفر رؤيا تصل الوظيفة الدينية بالملك، هي رؤيا المنارة الذهبية والزيتونتين. يرى زكريا منارة ذات سبع سرج، وعن يمينها وشمالها زيتونتان تمدانها بالزيت. ولما يسأل عن معناهما يأتي الجواب:

«هَذانِ هُما ابنا الزَيت، الواقِفانِ عِندَ سَيّدِ الأَرض كُلِّها» (אלה שני בני־היצהר העמדים על־אדון כל־הארץ) (إيلّه شِني بْني هَيِّتسهار هاعومديم عَل أَدون كول هاآرِتس)زَكَرِيّا ٤:١٤

فهنا صورتان تقفان عند الرب، يصفهما النص بابني الزيت، أو «بنو اليصهار» بالعبرية. ومن صلة الزيت بالمسحة المقدسة نفهم وصفهما بالممسوحين. ولتعيينهما نعود إلى الشخصيتين البارزتين في الإصحاحين الثالث والسادس:

  • يَهوشَع بنُ يَهوصادَق ـ أَوّلُ كاهِنٍ أَكبَر بَعدَ الرُجوع مِن بابِل، وابنُ يَهوصادَق الكاهِن الذي سيقَ إلى السَبي. في الإصحاح الثالِث يَقِف بِثيابٍ قَذِرة (رَمزِ الإثم)، فَتُنزَع عَنه وتُلبَسُ له «ثيابٌ نَظيفة» و«عِمامةٌ طاهِرة» (٣:٤-٥)، ثُمَّ يُتَوَّجُ بِتاجٍ في (٦:١١). هذا هو المَمسوحُ الكَهَنوتيّ: يُطَهِّر ويَرفَع الإثم. (وهو غَيرُ يوشَع بن نون خَليفةِ موسى؛ وتَشابُهُ الاسمَين هو بِعَينِه مَصدَرُ الالتِباس الذي سَنَقِف عِندَه).
  • زَرُبّابِل بنُ شَأَلْتيئيل ـ والي يَهوذا تَحتَ الحُكم الفارسيّ، الذي قادَ العَودةَ ووَضَعَ أَساسَ الهَيكَل الثاني. في الرُؤيا «الجَبَلُ أَمامَه يَصيرُ سَهلاً» (٤:٧)، و«يَداه تَضَعانِ أَساسَ البَيت» (٤:٩). هذا هو المَمسوحُ المُلوكيّ: يَبني ويُؤَسِّس.

ويحمل اسم «زربابل» نفسه ذاكرة بابل؛ فقراءته الأكدية الشائعة zēr-Bābili، أي «بذرة بابل». ويروي النص نسبه إلى شألتيئيل، ويربطه بالميراث الداودي. لا يثبت الاسم وحده أن هذا النسب أضيف لاحقاً، لكنه يضع أمامنا شخصية تجمع الاسم البابلي والدور في بناء الهيكل والانتظار الملوكي. ثم تبلغ الصورة ذروتها في زكريا ٦:١٢–١٣، حيث يظهر «الغصن» وبناء الهيكل والعرش والكهنوت، وتختتم الرؤيا بذكر مشورة السلام بين الاثنين. وهي مادة أساسية لسؤالنا عن اجتماع الملك والوظيفة الدينية، مع بقاء تعيين الشخصيات والعلاقة بينهما موضع البحث.

ويستوقفنا في النص العبري جمع الأكاليل ووضعها على رأس يهوشع، ثم مشورة السلام «بينهما» في زكريا ٦: ١٣. وفي الآية التالية تتلو «الأكاليل» صيغة فعل مفرد: וְהָעֲטָרֹת תִּהְיֶה (وِهاعَطاروت تِهيِه). يعرف اللسان العبري إسناد المفرد المؤنث إلى جمع الأشياء، كما يشرح غيزينيوس في الفقرة ١٤٥؛ ولذلك تتجه عنايتنا إلى صورة المشهد ومَن يجمعهما السلام، أكثر من اختلاف العدد النحوي وحده. الأكاليل، والرأس المتوج، وبناء الهيكل، والعرش، والكاهن، عناصر يضعها النص متجاورة ويصل بينها.

وتزيد الترجمة اليونانية القديمة السؤال وضوحاً؛ ففي زكريا ٦: ١٣ تجعل كاهناً عن يمين صاحب العرش، ثم تذكر مشورة السلام بين الاثنين. أما العبري فيضع الكاهن «على عرشه»، وهو تركيب تباينت قراءته. فنحن أمام شاهدين قديمين على كيفية تصور العلاقة: شخصيتان متجاورتان بوضوح أكبر في اليونانية، وصياغة عبرية يتداخل فيها العرش والكهنوت. بهذه المقابلة يدخل سؤال المسيحين في مادة النص نفسه. (زكريا ٦: ١١–١٤، النص العبري؛ مقابلة ٦: ١٣ وقراءة السبعينية؛ غيزينيوس، الفقرة ١٤٥.)

وقد ناقش المحققون تعدد الأكاليل ووحدة الرأس والضمير المثنى في هذا المقطع، ومن مقترحاتهم وجود دور لزربابل في صورة أقدم للرواية. يهمنا أن النص يجمع مسحاً وتطهيراً وتاجاً وبناءً وسلاماً بين اثنين. ومن هذه العناصر نفتح المقارنة مع انتظار المسيحين في قمران، ثم نبحث مدى اتصال الصورتين؛ فالانتظار نفسه جزء من تاريخ انتقال هذا التراث.

ويتصل زكريا نفسه بالبيت الكهنوتي العائد من بابل. فنحميا يذكر «عدّو» بين الكهنة الذين صعدوا مع زربابل بن شألتيئيل ويشوع (١٢:١، ٤)، ثم يقول «ولعدّو زكريا» (١٢:١٦). فصاحب الرؤيا، الذي يتكلم في التتويج وفي العلاقة بين الاثنين، ينتمي بحسب هذا الخبر إلى الوسط نفسه الذي يصفه.

وإذا رتبنا الأخبار بحسب تواريخها، رأينا تعاقباً يمتد نحو أربعين سنة. وفي كل مرحلة يرتبط الخبر باسم ملك وزمن معروف في النقش أو في السفر الذي يرويه:

  • نَحوَ ٥٥٣ـ٥٤٣ ق.م ـ نبونيد مُقيمٌ بتَيماء، بشَهادة نُصُبِه هو في حرّان.
  • ٥٣٩ ق.م ـ قورشُ يَدخُل بابِل، بشَهادة حَوليّة نبونيد.
  • ٥٢٠ ق.م ـ أوّلُ وَحيِ زَكَرِيّا، مُؤَرَّخاً بالشَهر وبالسَنة الثانية لداريوس (زَكَرِيّا ١:١).
  • ٥١٥ ق.م ـ تَمامُ البَيت، في السَنة السادِسة لداريوس (عَزرا ٦:١٥)؛ وقَد صَرَّح السِفرُ أنّ البِناءَ إنّما أَفلَحَ «بنُبُوّةِ حَجّيَ وزَكَرِيّا» (عَزرا ٥:١ـ٢، ٦:١٤).

تتعاقب هذه الأخبار في فضاء تتصل فيه بابل وبلاد الشام وشمال الجزيرة، لكن تعاقبها ليس معاصرة لجميع أصحابها. وتقترح قراءتنا أن وراءها تراثاً انتقل بين ملوك وكهنة وجماعات؛ وتبقى هوية زكريا وعمره وترتيب أخباره من مفاتيح المطابقة التي نبحثها.

نضع هذا الزوج في المقارنة مع يحيى وعيسى: معلّم وطالب مختار، وتطهير وملك، وميراث يجري إلى الجيل التالي. ونقرأ معه انتظار «مسيحي هارون وإسرائيل» في قمران. وقد يحفظ الانتظار زوجاً متعاصراً، أو يمتد إلى شخصيتين في زمنين؛ فلا نحسم هنا تعيينه بعيسى ومحمد أو بيحيى وعيسى. والثابت في بناء كتابنا أن عيسى نفسه ملك، وأن نسبه الهاروني لا يحصر رسالته في وظيفة كهنوتية مجردة من الحكم.

وتقارب يهوشع ويسوع، مع تكرار الألقاب والوظائف، يوضح كيف يمكن أن تلتقي أخبار رجال مختلفين تحت اسم متداول. نبحث هذا الاحتمال في تركيب الذاكرة، ونقابله بتفاصيل كل رواية. فالجمع بين اسمين مرحلة لغوية، وتعيين صاحبيهما مرحلة تاريخية؛ ومن اتصالهما تنشأ حجة المطابقة.

وتدعونا هذه الصلات إلى سؤال موقع بابل في ذاكرة بني إسرائيل. فاسم زربابل، «بذرة بابل»، يردنا إلى البلد الذي تصفه الرواية أرضاً للسبي. غير أن الأسفار تحفظ له صلات أقدم وأوسع: يخرج إبراهيم من أور الكلدانيين في جنوب الرافدين، وتأتي رفقة وراحيل وليئة من حران في أعاليه، ويتلقى حزقيال الوحي عند نهر خابور ودانيال في البلاط البابلي. ثم يصعد عزرا من بابل ومعه الشريعة، ويقود زربابل ويهوشع العودة لبناء الهيكل الثاني، ويهوشع الكاهن نفسه مولود في بابل. فاجتماع الأصول العائلية والوحي والكهنوت والشريعة في هذا الفضاء يجعلنا نسأل عن مكانه قبل مرحلة المنفى وبعدها.

نقترح أن صورة بابل بوصفها منفى حجبت صلات أقدم تجعل الرافدين منبتاً ومركزاً في تاريخ بني إسرائيل. وهذا يتيح قراءة السبي والعودة ضمن حركة أوسع من التهجير والخروج والرجوع بين المركز والأطراف. فالتهجير واقع نبحث اتجاهاته ومراحله، ثم نسأل كيف اختُصر تاريخ طويل في حكاية واحدة عن الغربة. وفي هذا الأفق نضع محور بابل وحران وتيماء الذي يتحرك فيه بحث نبونيد.

وإذا صح هذا التصور للمركز الرافداني، اتسعت منه أسئلة الجغرافيا القديمة. فمنها موقع «مصر»، أو مصرايم، في رواية الخروج: هل تتعين في مصر النيل، أم يمكن بحث موضع لها في فضاء الرافدين والجزيرة، كما اقترح بعض المراجعين لجغرافية الكتاب المقدس؟ ونترك استيفاء ذلك لدراسة خاصة. أما الذي يبقى في موضوعنا هنا فهو دلالة الاسم البابلي والصلات التي تجمع أصحاب هذه الأخبار ببابل.

مريم: المرّ والمسحة والمسيح

اسمُ «مريم» (מִרְיָם) (مِريام) من أقدم الأسماء الساميّة وأكثرها غموضاً في أصله الاشتقاقيّ. وتَقتَرِح الدِراساتُ اللُغَويّة ثَلاثةَ احتِمالاتٍ رَئيسيّة لم يُحسَم الخِيارُ بَينها قَطعيّاً.

أول هذه الاحتمالات، وأقربها إلى المعنى الديني الذي نتتبعه، صلة الاسم بجذر المر، م-ر-ر، بما يدل عليه من المرارة ومن العطر الراتنجي المقدس. فالمر الخالص يدخل في زيت المسحة الذي يُكرس به الملوك والأنبياء والكهنة، كما يرد في خروج ٣٠: ٢٣-٢٥: «خذ لك أيضاً أفخر الأطياب: مراً سائلاً وعطراً معروفاً». ومن هنا تتصل في قراءتنا مريم بالمر، ويتصل المر بالمسحة، والمسحة بالمسيح. وهذه صلة رمزية تجمع الأم والابن ومادة التكريس، وتساعد على فهم المعنى الذي نبحثه، وإن بقي الاشتقاق المعجمي للاسم مسألة أوسع.

والاحتمال الثاني صلته بالجذر الآرامي م-ر-أ (ܡܪܐ) (مارا)، الدال على السيادة والرفعة. ومنه ܡܪܝܐ (ماريا) (māryā)، الرب في المذكر، وܡܪܬܐ (مارتا) (mārtā)، السيدة. وعلى هذا الوجه نقرأ في الاسم معنى الرفعة والاختيار، ونقابله بقوله تعالى «إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين». ويبقى احتمال ثالث يرده إلى التمرد من «مري» (mᵊrî). وهو أضعف هذه الوجوه صرفياً ودلالياً في ميزان هذا البحث، فلا نعتمد عليه في فهم شخصية مريم.

وتعيننا أخبار مريم في القرآن على وضع الاسم في بيئته. فقد نذرتها أمها للعبادة قبل مولدها بقولها «إني نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبل مني»، وكفلها زكريا، وكان لها محراب يأتيها فيه الرزق: «كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً». ففي هذه الأخبار صورة امرأة مكرسة للطهارة والعبادة، نشأت في كنف البيت الكهنوتي. ونقرأ هذه الصورة مع صلتها بهارون ومعنى المسحة التي نتتبعها في نسب ابنها.

ونفهم «يا أخت هارون» وصفاً لانتساب مريم إلى السلالة الهارونية. فتأتي البشارة بالابن في بيت حمل الوظيفة الدينية جيلاً بعد جيل، ويرث عيسى من جهة أمه هذا المقام المتصل بالمسحة المقدسة. وهكذا تصل قراءتنا نسب الأم بوظيفة الابن، وبالتقليد الذي اقترن فيه التكريس بالزيت والمر منذ عهد موسى وهارون.

وتحفظ رواية المغيرة بن شعبة في صحيح مسلم (٢١٣٥) سؤال أهل نجران عن «أخت هارون»، وجواباً يصل التسمية بالأنبياء والصالحين السابقين. وهي تبيّن أن صلة الأسماء بالذاكرة الدينية كانت حاضرة في الحوار. ويقرأ هذا الكتاب وصف مريم أيضاً على جهة الانتساب إلى البيت الهاروني؛ وهو المعنى الذي ينسجم عندنا مع نذرها للمحراب وكفالة زكريا لها.

ما قاله اللغويون العرب عن كلمة «المسيح»

وبعد النظر في اسم مريم، نعود إلى لفظ المسيح كما شرحه اللغويون والمفسرون العرب. فقد جمعوا فيه وجوهاً متعددة، تعيننا على فهم ما كان يسمعه القارئ العربي في هذا اللقب، وما يتصل به من عمل صاحبه وصفته.

الإمامُ ابن مَنظور في «لِسان العَرَب» يُسَجِّل ثَلاثة مَعانٍ مُتَشابِكة في الجِذر ذاته: المَمسوحَ المُبارَك مِن جِهة، والشافيَ مِن جِهةٍ ثانية، والسائحَ الذي لا يَستَقِرّ مِن جِهةٍ ثالثة، إذ يَقول: «مَسَحَ في الأَرضِ يَمْسَحُ مُسُوحاً: ذَهَبَ. والمَسِيحُ: الذي يَذْهَبُ في الأَرضِ ولا يَستَقِرُّ في مَكانٍ». والإمامُ القُرطُبيّ في «الجامع لأَحكام القُرآن» يُؤَكِّد هذا الوَجه الحَرَكيَّ بوَصفه ليس شاذّاً بل راسِخاً في اللُغة الأَقدَم، قائلاً: «سُمِّيَ المَسيحُ لأنّه مَسَحَ الأَرضَ أي ذَهَبَ فيها فلم يَستَقِرَّ بمَكانٍ».

وقد جمع فخر الدين الرازي في «مفاتيح الغيب» أكثر من عشرة أوجه للتسمية: الممسوح بالبركة، والمطهر من الذنوب، والشافي بلمس المريض، والسائح الذي مسح الأرض، والممسوح بدهن القدس على عادة الملوك والكهنة، والصادق الوجه، والمحمي بجناح جبريل عند مولده، والمبارك، والملك المتوج بالمسح، والكريم، وغيرها. وعرض هذه الوجوه دون أن يحصر الاسم في أحدها. ونستفيد من جمعها في معرفة سعة الدلالة التي رآها المفسرون، والصور التي ربطوها بصاحب اللقب.

وتجمع كتب التفسير واللغة بين وجوه متعددة للقب: المسح بالبركة، ومسح المرضى، والسياحة في الأرض، وتذكر صلته بلفظ «مشيحا». ويورد القرطبي هذه الوجوه عند تفسير آل عمران: ٤٥، ناقلاً القول بالأصل العبري عن أبي عبيد. وفي قراءة هذا الكتاب تتجاور هذه المعاني: المختار الممسوح، والمعلّم السائح، وصاحب الشفاء. ومن هنا تأتي أيضاً المقارنة الرمزية بالمرّ وزيت المسحة عند تأمل اسم مريم. فالمسح يربط في ذاكرتنا بين التكريس والأثر الذي يتركه المعلّم في الناس، من غير أن ننسب هذا الربط كله إلى مفسر واحد أو نجعله اشتقاقاً اتفق عليه أهل اللغة.

الرابط الصوتي: م-س-ح ↔ س-ي-ح

ويشترك م-س-ح وس-ي-ح في السين والحاء، مع اختلاف بنائهما الصرفي. ونبحث الصلة بينهما في تقارب المعنى الذي حفظته شروح اللقب. فالسياحة في العربية القديمة تتصل بالذهاب في الأرض للعلم والعبادة والدعوة، وهو المعنى الذي نريده هنا. وفي قوله تعالى ﴿السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ (التوبة: ١١٢) ذكر المفسرون الصيام، والرحلة للعبادة والعلم، والجهاد والرباط. ونختار للبحث في «المسيح السواح» وجه الذهاب في الأرض، من الوجوه التي عرضها الطبري ومن جاء بعده. وبذلك نقرأ الحركة والسفر مع المسحة والشفاء، مستعينين بما حفظته كتب اللغة والتفسير، مع بقاء الجذرين مختلفين.

ثَلاثة أَسماء تَخدُم الحُجَّة: زَكَرِيّا، موسى، يوشع بن نون

وتظهر صلة الاسم بوظيفة صاحبه في أسماء أخرى. ونقتصر هنا على زكريا وموسى ويوشع بن نون، لاتصالها المباشر بالأنساب والأخبار التي نبحثها؛ ثم يجد القارئ في الملحق المعجمي مادة أوسع.

زكريا عليه السلام: تحفظ العبرية זְכַרְיָה (زِخَرياه)، زخريا، تركيباً من الذكر والعنصر الإلهي «يه»، فيكون معناه «الله يذكر». والذكر في العربية استحضار بالقلب واللسان، وقد وصف الله به كتابه: ﴿إنَّا نَحنُ نَزَّلنا الذِّكرَ﴾. ونجد «يه» في أسماء سامية أخرى، مثل إيليا وإشعيا ويرميا. ويلتقي معنى اسم زكريا بخبر دعائه في القرآن: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ۝ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾. ويهمنا هذا الالتقاء لأن سفر زكريا يصل صاحب الاسم بالأفق البابلي بعد السبي، في القرن السادس قبل الميلاد، وهو الأفق الذي نعيد إليه عيسى في أطروحتنا. فنضم هذا الشاهد الكتابي إلى الآثار، ونبحث صلته بها دون أن نجعله وحده أساس التأريخ.

موسى عليه السلام: اشتهر البحث في أصل اسمه بين المصرية والعبرية. ويعطينا خبر القرآن مدخلاً من جهة الحدث: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾، أي التقاط الطفل من الماء. ونقابل هذا الخبر بالمعنى السامي للانتشال والاستخراج، الذي تحفظه العبرية في מָשָׁה (ماشاه)، مشه، بمعنى انتشل. ففي قراءتنا يحفظ الاسم وصفاً لحدث في حياة صاحبه، ويعين الخبر على استبانة دلالته.

يوشع بن نون عليه السلام: يتصل اسمه بالمقارنة التي ردّ فيها بعض المستشرقين «عيسى» إلى تعريب «يهوشع». فالصورة العبرية יְהוֹשֻׁעַ (يِهوشوع) مركبة من «يه»، العنصر الإلهي، و«شوع» من ي-ش-ع، بمعنى الخلاص والنجاة؛ فيكون معنى الاسم «الله يخلّص». ونميز هذا الجذر من ع-ي-ش المتصل بالحياة، الذي نقترحه في قراءة عيسى. ولهذا الفرق الدلالي مكان في حجتنا للفصل بين عيسى ويسوع الناصري ويوشع بن نون.

وهكذا يحفظ الاسم في الأمثلة الثلاثة وصفاً نقرؤه مع الخبر: زكريا والذكر، وموسى والانتشال من الماء، ويوشع والخلاص الذي يجريه الله. ومن أراد توسيع المقارنة في أسماء آدم ونوح وإبراهيم وإسحاق وإسماعيل ويعقوب ويوسف وداود وسليمان ويونس وإلياس واليسع وغيرهم، وجدها في الملحق المعجمي. وحسبنا هنا أن تتضح الطريقة التي نصل بها الاسم بوظيفته ومعناه.

هادوا واليهود: حين يَتحجّر الفعلُ اسماً

ونختم بتطبيق هذه القراءة على اسم جماعة. فالقرآن يستعمل «الذين هادوا»، وهي صيغة فعل، ويستعمل «اليهود»، وهو اسم الجماعة. والهود في العربية الرجوع والتوبة، كما في قول بني إسرائيل ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ (الأعراف: ١٥٦). وقد وصل المفسرون التسمية بهذا المعنى؛ ومن ذلك ما ينقله ابن كثير عن الطبري: «إنما سميت اليهود لأنهم قالوا: إنا هدنا إليك». ونبدأ من هذا الأصل العربي في فهم التسمية، فنبحث أثر الرجوع إلى الله في دلالتها قبل ردها إلى اسم يهوذا.

ثم ننظر في مواضع الصيغتين. فتأتي ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ في آيتي البقرة ٦٢ والمائدة ٦٩، ويُربط الأجر بالإيمان والعمل الصالح. أما «اليهود» فترد في مواضع الجدل، مثل ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٣٠)، و﴿قَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ (المائدة: ٦٤)، و﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ (المائدة: ٨٢). وتجمع سورة المائدة نفسها بين الوعد في الآية ٦٩ ووصف العداوة في الآية ٨٢. ويرد «هادوا» أيضاً في العتاب، كما في النساء ٤٦، فلا نجعل الفعل مدحاً مطلقاً؛ وإنما يلفتنا أن آيات النجاة تختار الصيغة الفعلية، وأن الاسم يرد في هذه السياقات الجدلية. وهذا التوزيع هو الذي نحاول تفسيره.

ونفهم الصلة بين الصيغتين في ضوء الفرق بين الفعل الحي واللقب المستقر. فـ«هادوا» يستحضر الرجوع والتوبة، وما يفتحه الإيمان والعمل الصالح للإنسان. وقد يستقر لقب الرجوع لجماعة ثم تبتعد ممارستها عن المعنى الذي حمله. وتلتقي هذه القراءة مع تمييزنا بين بني إسرائيل وتراث الشريعة الموحاة، وبين اليهودية بوصفها حركة تاريخية، كما يفصل الملحقان التاسع والعاشر. وهي تعيدنا إلى سؤال الكتاب: كيف يبقى الاسم، ويتحول المعنى الذي عُرف به صاحبه؟

الفصل ٣ ـ تطبيق المنهج على مفاتيح السرديّة القرآنيّة

الأداة الصوتية السامية المقارنة

نطبق في هذا الفصل ما سبق بيانه على الألفاظ المركزية في قصة المسيح. ونبدأ بتذكير موجز بأدوات المقارنة: معاجم العربية، ومنها لسان العرب ومقاييس اللغة وتاج العروس؛ ومعاجم أخواتها، مثل Brown-Driver-Briggs للعبرية وPayne Smith للسريانية؛ ثم دراسات المقارنة الصوتية، ومنها أعمال الباحث الليبي فهمي خشيم. وتعين هذه المراجع مجتمعة على معرفة ما يقابل الصوت في لسان قريب، وعلى التمييز بين المشابهة العارضة والعلاقة التي تتكرر في الكلمات.

ينبغي عند المقارنة أن نميز بين عدد الحروف المكتوبة وعدد الأصوات المنطوقة. فالأبجدية العبرية ذات اثنين وعشرين حرفاً جمعت تحت بعض رموزها أصواتاً متمايزة في مراحل من تاريخ اللسان؛ ومن أوضح ذلك الحاء والخاء، والعين والغين. وتحفظ نقول السبعينية أثراً للغين في أسماء مثل غزة وعمورة. ونرى في بقاء هذه الفروق في العربية أداة ثمينة لاستعادة احتمالات القراءة، على أن تُقابل الكلمة بنظائرها ولا يستخرج نطقها من عدد الحروف وحده.

العربيّةالعبريّةالآراميّةاليونانيّةتطبيق
ع (ayn)ע (عين) (عاين) ← أ أو ∅ע (عين) (عاين)∅ (يسقط)عيسى → Essa → Essaioi
ح (ḥāʾ)ח (حيت)ח (حيت)h أو ∅مسيح → Masīḥ
خ (khāʾ)ח (حيت ـ لا تمييزَ بينها وبين الحاء)ח (حيت ـ ولا تمييزَ كذلك)χ (خي)مسيخ → Masīkh
غ (ghayn)ע (عين) (عاين ـ لا تمييزَ بينها وبين العين)ע (عين) (عاين ـ ولا تمييزَ كذلك)γ (گاما) أحياناًغزّة → Γάζα (گازا) (غازا)
ض (ḍād)צ (تسادي) (صادي)ע (عين) (عاين)sالأرض → ארץ (إيرِتْس) / ארע (أَرَع) (أرعا)
ظ (ẓāʾ)צ (تسادي) (صادي)ט (طيت)s أو tالظِلّ → צל (تسيل) (تْسِل) / טלל (طْلَل) (طلال)
ث (thāʾ)ש (شين / سين) (شين)ת (تاو)th أو sثلاث → שלוש (شالوش) / תלת (تْلاث) (تلات)
ذ (dhāl)ז (زاين)ד (دالت)z أو dذَهَب → זהב (زاهاڤ) / דהב (دهَب)

يعرض الجدول أبواباً للمقارنة بين صيغ الكلمات ونقلها. والتقاء الحاء والخاء في رسم قديم واحد مثال على ما قد يحجبه الخط من فروق. وقد اتخذنا قرب «المسيح» و«المسيخ» صورة أدبية لتحول الذاكرة؛ أما وقوع الخلط بين عيسى ويسوع فنبحثه في الأخبار والأسماء والأزمنة.

المسيح ↔ المسيخ: تَطبيقُ الجَدول على الزَوج المَركزيّ

في العربية فرق واضح بين م-س-ح، بما يحمله من مسح وتكريس، وم-س-خ، بما يحمله من تبديل الهيئة. ويتيح تقارب اللفظين أن نقول في عنواننا ما نراه في القصة: أصل حفظت الرواية بعضه وغيّرت بعضه حتى ظهرت له صورة أخرى.

فالمسيح هنا هو الشخصية والرسالة اللتان نطلب استعادتهما، والمسيخ الصورة العقدية التي تشكلت من خلط الأخبار وتحويل المعاني. وهذه تسمية نستعملها في الكتاب، وليست دعوى أن كاتباً أخطأ في نقطة فأنشأ التاريخ المسيحي كله.

المفاتيح الخمسة التي تنير القراءة

وبعد النظر في الاسم، نقرأ خمسة أفعال تتصل بخبر عيسى: الرفع، والنزول، والتوفي، والقتل، والتشبيه. نبدأ في كل منها بما يدل عليه الجذر، ثم ننظر في استعماله القرآني، حتى يتضح المعنى الذي نأخذ به وصلته بسائر الأفعال في الرواية.

الرفع: الإخفاء والحماية

ورد في سورة النساء «بل رفعه الله إليه» (النساء: ١٥٨). وللرفع في العربية معاني الإعلاء والتنقية والإبعاد عن المتناول والحفظ من الضياع. ويقرب ذلك قول القرآن «ورفعنا لك ذكرك»، حيث يرتفع الذكر ويعظم الشأن، وقوله «يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات»، حيث تكون المنزلة للإيمان والعلم. فهذه الاستعمالات تعيننا على قراءة الرفع من جهة المقام والمعنى.

وعلى هذا نفهم أن الله حفظ حقيقة عيسى ورسالته، وأعلى مقامه، وأبقى من ذكره ما يصل الناس به وإن احتجبت تفاصيل حياته. فقد نالت القوى الدنيوية من المعرفة به، لكن خيط رسالته بقي في الذاكرة، يعود إليه من يطلبه. وفي هذا الحفظ مع الاحتجاب نقرأ معنى الرفع الذي يسير عليه الكتاب.

النزول: الإتاحة والظهور

ويتسع الإنزال في الاستعمال القرآني لمعنى وصول العطاء إلى الناس وإتاحته لهم، كما في إنزال الكتاب والحديد. نقرأ من هذا الباب نزول المعرفة: ما كان محجوباً يصبح معروفاً ومؤثراً في حياة الإنسان. وعلى هذا نحمل عودة المسيح في قراءتنا؛ ظهور حقيقته وتعليمه بعد طول احتجاب.

التوفّي: الاستيفاء والأخذ الكامل

وفي قوله لعيسى «إني متوفيك ورافعك إلي» (آل عمران: ٥٥) يجتمع التوفي والرفع. ويدور جذر و-ف-ي على الأخذ التام والاستيفاء، فنقرأ فيه موت عيسى بعد استكمال مهمته، كما يموت البشر، وفي القرآن ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ (الأنبياء: ٣٤). ثم نفهم الرفع الذي تلاه حفظاً للحقيقة وعلواً للمكانة وبقاءً للذكر، على نحو «ورفعنا لك ذكرك» و«يرفع الله الذين آمنوا... درجات». فالموقف الذي يقوم عليه الكتاب هو وفاة عيسى، ورفع مقامه ورسالة بقيت فوق أن يمحوها التحريف كله. ومن هذا الوجه أيضاً نقرأ عودته، ونبسط ذلك في الفصل الرابع والعشرين.

القتل: نفيُ الإعدام الجسديّ، وامتدادُ المعنى

أما قوله تعالى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ (النساء: ١٥٧)، فأول ما نأخذ منه نفي وقوع القتل والصلب على عيسى. ويقوم على هذا النفي سؤال الهوية في الكتاب: إذا كانت رواية فلسطين الرومانية في القرن الأول الميلادي تتحدث عن رجل صُلب، فمن هو ذلك الرجل؟ وكيف نُقل ما وقع له إلى النبي الذي ينفي القرآن عنه الصلب؟ ومن هنا تبدأ قراءتنا لاختلاط الشخصيتين.

ونضيف إلى هذا المعنى المباشر وجهاً يتصل ببقاء الرسالة والذكر. فالقتل يتسع في استعمال العربية لغير إزهاق الروح، كما في «قتله علماً» لبلوغ غاية المعرفة به، و«قتل البحث» لاستيفائه واستنفاده. ونقرأ نفي القتل، من هذا الجانب، نفياً لقدرة الخصوم على إبطال رسالة عيسى ومحو أثره من الذاكرة. فيبقى نفي الصلب الجسدي أساساً، وتضاف إليه دلالة الحفظ المعنوي، ويتساند الوجهان في قراءتنا للآية.

الشبه: التباس هوية صاحب الخبر

نقرأ ﴿ولكن شُبّه لهم﴾ على جهة التباس صاحب الخبر: نُسب ما وقع ليسوع الناصري إلى عيسى ابن مريم. وقد يبدأ هذا الالتباس في جماعات تروي أخبار المعلّم الأول على رجل صالح من ورثته، ثم يستقر الاسم والصورة في الذاكرة. ويعرض تود لوسون في «الصلب والقرآن» (٢٠٠٩) تنوع التأويلات التي أثارتها الآية؛ أما حملها على هذا التداخل التاريخي بعينه فهو اقتراح الكتاب الذي نتتبعه في الفصول التالية.

البناء المنطقيّ: خمسُ حركاتٍ مُتضافرة

تجتمع هذه المعاني في مسار واحد: عاش عيسى وأتم رسالته وتوفي؛ وحُفظ مقامه عند الله، بينما احتجبت تفاصيل من سيرته عن الناس. ثم اختلط خبره بخبر يسوع الناصري، فنُسب إليه صلب الرجل الآخر. وعودة المعرفة تفتح ما أغلقته هذه الصورة المركبة. هذا هو ترتيب الحجة الذي سنمضي به إلى الوثائق، ثم إلى الجماعات التي حملت الأخبار.

وتصلنا هذه المعاني بقوله تعالى «وإنه لعلم للساعة» (الزخرف: ٦١). فنرى أن المعرفة بحقيقة عيسى، وزمنه، وما أصاب رسالته من الفتنة التي نسميها الدجال، قد تكون من علم الساعة وعلاماتها الكبرى. وبهذا المقصد نكتب: محاولةً لاتباع ما تتيحه الشواهد من معرفة، ولتقريب ما بقي محجوباً من صورة صاحب الرسالة.

ننتقل الآن من دلالة الاسم والفعل إلى حياة صاحب الرسالة: كيف تحفظه الذاكرة معلّماً وسائحاً وشافياً، وأين نجد آثار الملك الذي نقترح أنه هو؟ ثم نتتبع مصير تعليمه وأخباره في الجماعات التي جاءت بعده.

الفصل ٤ ـ المسيح السوّاح: ما حفظته اللغة وما نسيه التاريخ

الإنجيلُ الإسلاميّ: ثَلاثُمِئةِ قَولٍ لعيسى حَفِظَتها العَرَبيّةُ وَحدَها

تحفظ كتب العربية الإسلامية مادة واسعة من أقوال عيسى وأخباره، خارج المجموعة التي اعتمدتها الكنيسة في أناجيلها. وقد جمع المؤرخ طريف الخالدي هذه المادة ورتبها ووثق مصادرها في «المسيح المسلم» (The Muslim Jesus، مطبعة جامعة هارفارد، ٢٠٠١)، فبلغت ثلاثمئة وثلاثة نصوص. وتنتشر أصولها في كتب الزهد والحديث والأدب والتاريخ، من القرن الثاني إلى القرن الثاني عشر للهجرة. ونبدأ بها لأنها تصور المسيح في الجانب الذي يعنينا هنا: معلماً يسير في الأرض.

ولننظر أولاً في الكتب التي حملت هذه الأقوال. فإذا رتبنا النصوص بحسب المصدر الأول الذي يسند إليه الخالدي كلّاً منها، ظهرت هذه الأعداد:

المَصدَرُ الأَوّلسَنةُ الوَفاةعَدَدُ النُصوص
أحمدُ بنُ حَنبَل، «الزُهد»٢٤١هـ٥٠
أبو حامِدٍ الغَزاليّ، «إحياء علوم الدين»٥٠٥هـ٥٠
ابنُ أبي الدُنيا٢٨١هـ٢٥
عبدُ اللهِ بنُ المُبارَك، «الزُهد»١٨١هـ١٦
الطُرطوشيّ، «سِراج المُلوك»٥٢٠هـ١١
ابنُ قُتَيبة، «عُيون الأَخبار»٢٧١هـ٩
أبو اللَيثِ السَمَرقَنديّ٣٧٣هـ٩
ابنُ عَساكِر، «تاريخ مَدينةِ دِمَشق»٥٧١هـ٧

ويظهر من هذه المصادر حضور كتب الزهد والتربية، مثل «الزهد» و«إحياء علوم الدين» و«ذم الدنيا». فهذا موضع يتلقى فيه القارئ أقوال عيسى ليتأدب بها ويعمل بمعناها. وتفيدنا هذه الوظيفة في فهم ما حفظته الذاكرة الإسلامية عنه، وتمييزه من المادة التي جُمعت للمناظرة في كتب الملل والنحل والردود على النصارى.

ويبلغ بعض هذه المادة الطبقة الأولى من تدوين الحديث. ففي صحيفة همام بن منبه (ت ١٣١هـ)، ص٣٤، رقم ٤١، خبر الرجل الذي رآه عيسى يسرق، فسأله «أسرقت؟» فقال «كلا، والذي لا إله إلا هو»، فقال عيسى «آمنت بالله، وكذبت عيني». والخبر نفسه في صحيح مسلم. فحضور هذه الصورة للمسيح يرجع إلى أقدم ما بقي من صحف الحديث، وهو ما ينبغي اعتباره عند البحث في تاريخ مادتها.

ثمّ إنّ الصُورةَ التي تَستَقِرُّ عليها المُدَوَّنةُ واحِدةٌ لا تَتَبَدَّل: رَجُلٌ لا بَيتَ له ولا مالَ ولا وَلَد، يَضرِبُ في الأَرضِ ويَأكُلُ ممّا تُنبِتُ. من ذلك قَولُه المَشهورُ الذي رَواه ابنُ قُتَيبةَ في «عُيون الأَخبار» (٢: ٣٢٨) والغَزاليُّ في «الإحياء» (٤: ٢١٨): «الدُنيا قَنطَرةٌ، فاعبُروها ولا تَعمُروها». ومنه ما رَواه ابنُ حَنبَلٍ في «الزُهد» (ص١٤٣، رقم ٤٧١): أنّه قال «قَلَبتُ الدُنيا ظَهراً لبَطنٍ وجَلَستُ على ظَهرِها، فلا وَلَدٌ لي يَموت، ولا بَيتٌ لي يَخرَب»؛ فقيلَ له: «أفلا تَتَّخِذُ بَيتاً؟» فقال: «ابنُوا لي بَيتاً في مَجرى السَيل». ومنه ما رَواه أيضاً (ص١٢٤، رقم ٤٠٢) في «الغُرَباء» ـ الذينَ يَفِرّونَ بدينِهم ـ أنّهم «يُحشَرونَ مع عيسى يَومَ القِيامة».

وهذا القَولُ بعَينِه لَيسَ في الكُتُبِ وَحدَها؛ إنّه مَحفورٌ في الحَجَر. فعلى البَوّابةِ العُظمى (بُلَند دروازه) لِمَسجِدِ فَتحبور سيكري الّذي بَناه الإمبراطورُ أَكبَر، نَقشٌ فارِسيٌّ مُؤَرَّخٌ سَنةَ ١٦٠١م يُفتَتَحُ بقَولِه: «قالَ عيسى عَليه السَلام: الدُنيا قَنطَرة، فاعبُروها ولا تَبنوا عليها بَيتاً؛ مَن أَمَّلَ ساعةً أَمَّلَ الأَبَد، والدُنيا ساعةٌ فاجعَلوها عِبادة». فالقَولُ الّذي حَمَلَه أَهلُ الزُهدِ في كُتُبِهم حَمَلَه إمبراطورٌ على بابِ مَسجِدِه، وكَتَبَ فَوقَه اسمَ صاحِبِه كما يُسَمّيه القُرآن: عيسى. وسَنَرى في الفَصلِ العاشِرِ مَوضِعَ هذا القَولِ مِن العَلاقةِ بَينَ المُعَلِّمِ وتِلميذِه.

تحفظ هذه المدونة صورة المسيح المعلّم السائح، وهي تفتح لنا وجهاً من حياته أغفله التركيز على المحاكمة والصلب. ونقرأ الزهد هنا موقفاً من التملك والتعلق، لا نفياً آلياً لكون صاحبه ملكاً في مرحلة من حياته؛ فترك القصر والسير في الأرض هما من وجوه المقارنة التي نبحثها مع نبونيد.

وللخالدي تفسير لنشأة هذه المدونة يختلف عن تفسيرنا. فهو يراها ثمرة أوساط الزهد الإسلامي، جمعت مادة إنجيلية وحكمة شرقية وتقوى إسلامية. ونستفيد من عمله في معرفة النصوص ومصادرها، ثم نقرأ الصورة التي تحفظها ذاكرةً خارج القانون الكنسي. أما وصلها بمنبع يرجع إلى القرن السادس قبل الميلاد فهو اقتراح هذا الكتاب. وقد أوردنا هنا المعاني عن ترجمة الخالدي الإنجليزية، وأثبتنا مواضعها في الأصول العربية لتيسير مراجعة ألفاظها.

خمسة أصوات في قرن واحد

يضعنا ما سمّاه كارل ياسبرس «العصر المحوري» أمام تحول واسع في طرائق فهم الإنسان والعالم. وداخل هذا الأفق نقرأ سير بوذا ولاو تسي وزرادشت إلى جانب سجل نبونيد وصورة عيسى. تأريخ هذه السير متفاوت، وفي بعضها خلاف واسع، ولذلك تتناول مقارنتنا زمن الشخصية وزمن تشكل روايتها وانتقالها معاً. هذه الأزمنة قد تتباعد حين تسافر السيرة بين الثقافات.

ويثير اجتماع هذه السير في الأفق القديم سؤالاً عن الصلة بينها. فقد ننظر إليها موجة روحية ظهرت في بيئات مختلفة، أو إجابات متقاربة عن حاجة إنسانية مشتركة. أما الاحتمال الذي يتتبعه كتابنا فهو أن بعض هذه الصور يعود إلى رجل واحد، انتقلت قصته بين الشعوب، وحفظ كل لسان اسمه ووصفه على طريقته. ومن أجل بحث هذا الاحتمال ننتقل من التقارب العام إلى تفاصيل الاسم والسيرة.


بوذا، أم قُثَم؟ ـ قِراءةٌ سامِيّة للاسم والسيرة

يُعرف بوذا في سيرته باسم سيدهارتا غوتاما، ويحمل لقب «المستيقظ». ويضع التقليد البوذي حياته نحو ٥٦٣-٤٨٣ ق.م، ويجعل مولده في لومبيني عند أقدام الهيمالايا. نبدأ بعرض هذا الإطار كما حفظته الرواية المتوارثة، ثم ننظر في القراءات الأخرى للتاريخ وفي طريقة تكون السيرة.

وينزل عدد من الباحثين بوفاة بوذا إلى نحو سنة ٤٠٠ ق.م، خلافاً للتأريخ التقليدي الأقدم، كما يظهر في أعمال ندوة «تأريخ بوذا التاريخي» التي نشرها هاينتس بشرت. يهمنا هذا الخلاف لأن فرضيتنا تتناول انتقال السيرة أيضاً. فإذا تأخرت طبقة من الرواية، بحثنا هل تؤرخ لصاحبها أم للوسط الذي أعاد تشكيلها؛ ولا يكفي اختلاف التاريخ وحده للإجابة في أي من الاتجاهين.

وأول ما نتوقف عنده اسم غوتاما (Gautama / गौतम) (گَوْتَما). فإلى جانب تفسيره في لغته الهندوآرية، نقترح مقارنته بصيغة سامية قريبة منه.

إذا فصلنا حركات الاسم عن حروفه الأصلية في هذا الرسم، ظهرت لنا غ-ت-م. ونضعها إلى جانب ق-ث-م في العربية، لننظر في أوجه التقارب السمعي بين الحروف الثلاثة:

فالصوت السنسكريتي (G) يقابل القاف العربيّة (ق) تَقابُلاً سَمعيّاً، والتاءُ السنسكريتيّة (T) تُقابِل الثاءَ العَرَبيّة (ث) كَذلك ـ ولا نَعرِضُهما قانوناً صَوتيّاً مَوروثاً، فلا قانونَ من هذا النَوع بَين الهِندوآريّة والعَرَبيّة كما نُنَبِّه بَعد صَفَحات ـ أمّا الميم (M) فتُطابق الميم (م) مُطابقةً تامّة.

و«قُثَم» اسمٌ عربيٌّ مَعروف. حَمله بعض العَرب قَبل الإسلام وبَعده، وأَشهرُ مَن حَمله في الذاكرة الإسلاميّة قُثَم بن العَبّاس بن عَبد المُطّلب (ابن عمّ النبيّ ﷺ، المَدفون في سَمَرقَند بأَرض ما وراء النَهر). والجِذرُ ق-ث-م في معاجم العَرب يَدور حول معاني الجَمع والاجتماع والاكتمال؛ يُقال «قَثَم له العَطاء» إذا أَكثَره، و«رجلٌ قَثوم» للجامع للخَير. وعند المُقارَنة الدلاليّة، الجِذرُ السنسكريتيّ √gau- يَحمل دلالات النور والفَضل والإشراق («الأَفضل من البَقر»، كما في التَفسير التَقليديّ، أو «المُشرق»). وكلا الجِذرَين يَدوران، في مَجال دلاليّ مُتقارب، على معاني الفَضل والوَفرة والاكتمال.

نقترح أن نقارن غوتاما بقثم، وأن نبحث هل وراء التقارب انتقال اسم أو وصف سامي. تحفظ «قثم» معاني الجمع والعطاء التي تلائم صورة المعلّم الفائض بالحكمة. أما الأصل الهندوآري للاسم فله تحليله داخل لغته، وتحتاج القراءة البديلة إلى ما يصل المقارنة الصوتية بتاريخ انتقال السيرة. ولذلك نتابع ملامح الحياة والتعليم، حيث يمكن أن يصبح التقارب أكثر من تشابه في السمع.

ثم ننتقل إلى السيرة، حيث تكتسب مقارنة الاسم معناها الأوسع. ونجد فيها ملامح نقابلها بخبر المسيح وبيئته السامية:

  • الميلاد: تحكي تقاليد بوذية رؤيا مايا والحمل الاستثنائي، ثم ولادتها قرب شجرة في لومبيني. نقارن الصورة بميلاد عيسى عند النخلة، مع اختلاف الرؤيا والشجرة وتفاصيل الحضور حول الأم.
  • الخروج من القصر: يترك غوتاما حياة الامتياز ويطلب المعرفة. وفي سيرة نبونيد خروج من العاصمة إلى تيماء، مع بقاء سلطانه الملكي؛ التشابه يفتح سؤالاً عن معنى الانتقال، ولا يجعل كل تفاصيل الحياتين واحدة.
  • التزكية: يواجه التعليم البوذي التعلق والرغبة، وتضع الرسالة القرآنية تزكية النفس في صميم الفلاح. نبحث قرابة المقصد مع تمييز مفاهيم النفس والخلاص بين النصوص.
  • صورة المعلم: تتسع في بعض مدارس البوذية صورة بوذا إلى أبعاد كونية وتعبدية. لكن ذلك لا يساوي ببساطة اعتقاد الماهايانا بإله خالق؛ نمنح لغتها فرصة الفهم نفسها التي نمنحها للكلمة والنور في غيرها.

ونرى في اجتماع هذه التوازيات، مع المقارنة بين غ-ت-م وق-ث-م، ما يرجح عندنا انتقال ذاكرة أقدم إلى البيئة الهندية. وهذا هو الاقتراح الأبعد في الكتاب: أن صورة بوذا، في بعض طبقاتها العميقة، تحفظ خبر عيسى ابن مريم نفسه، النبي السامي الموحد، بعد أن حملته الجماعات وصاغته بلسانها. ونقارن كذلك اتساع صورة بوذا إلى أبعاد كونية وتعبدية في الماهايانا بتحول صورة المسيح في التقليد البولسي، مع مراعاة معاني كل مدرسة. وفي ضوء ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ نبحث احتمال أن تكون ذكرى النذير التي بلغت الهند قبل نحو ألفين ونصف من السنين قد حفظت هذا الأصل. فموضوع المقارنة هو انتقال اسم الرجل ومعناه وسيرته، ثم ما أضافه كل تقليد إليها.

بوذاسَف ويوذاسَف: نُقطَةٌ صَنَعَت قِدّيساً

وتقدم قصة «بلوهر وبوذاسف» مثالاً معروفاً لانتقال السيرة وتغير الاسم. فقد عرفت العربية هذا الكتاب الهندي الأصل في القرن الثاني للهجرة، وذكره ابن النديم في «الفهرست» مع كتب الهند، إلى جانب «كتاب البد». وبوذاسف متصل ببوديساتفا السنسكريتية، أي من هو في طريقه إلى اليقظة، عبر الفارسية الوسطى «بوذيسف». ثم تغيرت الباء إلى ياء في النسخ، فصارت الصيغة يوذاسف. وقد أورد الشيخ الصدوق ابن بابويه (ت ٣٨١هـ) القصة في «كمال الدين» بعنوان «قصة بلوهر ويوذاسف»، وجاء في حاشية الطبعة المحققة: «كذا بالياء في جميع النسخ، والمظنون أنه تصحيف، والصواب بوذاسف». وانتقل الاسم إلى الجرجية «يوداسف»، ثم إلى اليونانية «يوآساف» واللاتينية «يوسافات». وفي تنقيح بارونيوس لـ«كتاب الشهداء الروماني» سنة ١٥٨٣م دخل برلعام ويوسافات التقويم بعيد في السابع والعشرين من نوفمبر، بوصفهما قديسين في الهند المتاخمة لفارس. ولم يتعرف الدرس الأوروبي إلى سيرة بوذا وراء هذه القصة إلا سنة ١٨٥٩، مع لابولاي وليبرشت، ثم حقق دايفيد مارشال لانغ سلسلة انتقالها سنة ١٩٥٧. فنرى هنا كيف تبدلت هوية صاحب السيرة في تلقي القراء، مع بقاء مادة واسعة من خبره.

ولنفتح القصة نفسها لنرى ماذا بقي تحت الاسم المتغير. في النشيد الثالث من «بودّها تشاريتا» لأشفاغوشا، يخرج الأمير من عالم القصر المصون، فيرى الشيخوخة، ثم المرض، ثم جنازة ميت. ويسأل سائق عربته عما يرى: أهذا مصير بعض الناس أم مصير الإنسان؟ تتسع أمامه الحقيقة التي حُجبت عنه، ويصير طلب الخلاص أشد عليه من نعيم القصر. (النشيد الثالث، ترجمة كاول.)

ثم نقرأ «برلعام ويوآساف». في الفصل الثالث يحجب الأب عن ابنه المرض والهرم والموت، ويحيطه بالشبان وبما يسره. وفي الفصل الخامس يخرج الأمير فيرى رجلاً مقعداً وآخر أعمى، ثم شيخاً واهناً، ويسأل عن عاقبة الشيخ فيُخبر بالموت. يتبدل ترتيب المشاهد وبعض أشخاصها، وتبقى حركة القصة: حجاب القصر، ثم انكشاف الألم، ثم السؤال الذي لا يجيب عنه الترف. ويأتي برلعام ليملأ هذا الفراغ بتعليم مسيحي، وتنتهي الرحلة إلى الإيمان والتعميد والزهد. («برلعام ويوآساف»، الفصول ٣ و٥–٨.)

هذا ما يجعل المثال مهماً: لم ينتقل اسم منفرد، ولا حكمة يمكن أن تخطر لأناس متباعدين، بل انتقلت عقدة القصة وحركة بطلها وأسئلته، ثم تغير الإطار الذي يجيب عنها. يدخل القارئ إلى حياة قديس مسيحي فيجد مراحل من السيرة التي يعرفها قارئ بوذا. وبعد أن نرى هذا الانتقال عياناً في النصوص، نستطيع أن نسأل عن الطبقات الأقدم من غير أن تبدو فكرة انتقال السيرة أمراً مستحيلاً في ذاتها. ونحن نتتبع تلك الطبقات إلى المنبع العيسوي الذي قامت عليه فرضية الكتاب.

ويذكر لانغ سنة ١٩٦٠ تغيراً آخر في طبعة عربية صدرت في بومباي: ورد «كشمير» موضع موت يوذاسف بدلاً من «كوشينر»، أي كوشيناغارا، موضع وفاة بوذا في التقليد البوذي. وقد اتصل هذا التغير بالدعوى الحديثة أن ضريح «يوز آصف» في سرينجار ليسوع الناصري، وهي من الدعاوى التي اعتمد عليها كرستن. ومع ذلك يحفظ النص العربي هيئة موت بوذا: يوصي تلميذه، ثم يضطجع ورأسه إلى المغرب ورجلاه إلى المشرق. وتضاف إلى هذا التداخل رواية «كمال الدين»، إذ تضع على لسان يوذاسف مثل الزارع الإنجيلي، بما فيه البذر الذي تأكله الطير، والذي يقع على الصخر، والذي ينبت في الأرض الطيبة. فداخل كتاب شيعي من القرن الرابع الهجري تتلاقى سيرة بوذا وأمثال عيسى. ونستفيد من هذه الوقائع في فهم طرق انتقال الذاكرة، ونقرأها مع ما سبق من مادة الخالدي، وفي ضوء فرضيتنا عن اتصال الأصل الذي تفرقت صوره.


زرادشت ـ نَجمُ الشَرق

زرادشت من أكثر شخصيات هذا الباب اختلافاً في التأريخ. تقرّبه بعض التقاليد من القرن السادس قبل الميلاد، بينما تجعله قراءات لغوية وتاريخية أقدم بكثير. ويتصل الخلاف أيضاً بفهم اسمه Zaraθ (ثيتا)uštra وطبقات النصوص المنسوبة إليه. نفتح هنا قراءة سامية للاسم والسيرة، ونجعلها في حوار مع القراءة الإيرانية التي تربط الجزء الأخير من الاسم بالجمل.

يلفتنا في المقارنة حقل الإشراق: زهر العربية، وزرح العبرية والسريانية، والمشرق والنجم. ومنه نقترح قراءة «نجم الشرق» وصفاً يساعد على تتبع صورة زرادشت في الأخبار المتصلة بالمجوس. هذه قراءة دلالية نقارن بها الاسم الموروث؛ ولا تتحول مشابهة جزء منه إلى ترجمة لغوية محسومة لبقية أجزائه.

ونقرأ في تعاليم زرادشت مركزية «أهورا مزدا» (Ahura Mazdā)، الرب الحكيم، مصدر الخير والنور، وفي مقابل الخير حضور «أنغرا ماينيو» بوصفه قوة فساد. والوجه الذي نأخذ به هنا يجعل هذه المقابلة اختياراً أخلاقياً بين الصدق (asha) والكذب (druj)، والنور والظلام في قلب الإنسان. ونقابلها من هذه الجهة بقوله تعالى ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس ٧-٨). فقراءتنا تتجه إلى التوحيد والمعنى الأخلاقي في التعليم، وتفهم قوة الفساد في هذا السياق دون جعلها إلهاً نداً للرب الحكيم.

وتصلنا أخبار زرادشت بموضوع المسيح من طريق المجوس (Magi)، الكهنة الذين حملوا هذا التقليد. ففي متى ٢: ١-١٢ يأتي المجوس من المشرق، يتبعون «نجمه في المشرق» ويطلبون المولود المنتظر. وهذا الخبر يثير سؤال المعرفة التي حملتهم على الرحلة. ومن أبواب مقارنته انتظار الساوشيانت (Saoshyant)، المنقذ الذي ينتصر بالحق ويجدد العالم في آخر الزمان. ففي هذا الانتظار نبحث ما قد يفسر فهمهم ظهور النجم، أياً كانت طبيعته، بشارةً بالمولد الذي يطلبونه.

ويعود بنا ذلك إلى احتمال أصل سامي أقدم حملت البيئة الإيرانية تعليمه في صورتها المحلية، وإلى صلة انتظار الساوشيانت بذاكرة المسيح الموعود. ونقرأ معه ذكر المجوس في القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (الحج ١٧). ففي الآية تسمية مستقلة لهم ضمن الجماعات الدينية، ونفهم منها في هذا البحث صلتهم بتقليد توحيدي قديم دخلته التحولات كما دخلت غيره. ومن هنا نبحث «نجم الشرق» في اتصاله بذلك الميراث، ونترك لسائر الشواهد تفصيل الطريق التي بلغ بها خبرُه الجماعات.


خَطُّ المَجوس ـ سَحَرة فِرعَون ومَجوس المَشرق

ولخبر المجوس نظير أقدم في قصة السحرة الذين آمنوا بموسى. ففي القصتين جماعة صاحبة معرفة دينية وحكمية، من خارج بني إسرائيل، تتعرف إلى النبي وتستجيب له. وهذه الصلة في بنية الخبر هي أول ما نقف عنده.

فالسحرة الذين جمعهم فرعون لمواجهة موسى كانوا من أهل المعرفة والطقوس في البيئة المصرية ومن نخبة القصر. ولما ألقى موسى عصاه أدركوا ما شاهدوه وسجدوا: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ (الشعراء ٤٦-٤٨). ويلفتنا في الخبر أن الاعتراف جاء من أهل الفن الذي استُدعوا للمباراة فيه، قبل أن يستجيب فرعون أو حاشيته.

ونفهم ذلك من صلة المعرفة بالتمييز. فمن عرف أدوات السحر وحدودها كان أقدر على إدراك ما يتجاوزها، ولذلك جاءت استجابة السحرة على الرغم من مخالفة الملك وما يترتب عليها. وقد هددهم فرعون بقوله ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الشعراء ٤٩). وفي موقفهم نقرأ أن صدق العالم قد يقوده إلى التعرف إلى الحق عند ظهوره، ولو جاءه على يد رجل من غير قومه، ولو عرضته الاستجابة للأذى.

وتروي الأناجيل مجيء المجوس من المشرق إلى الطفل وهدايا الذهب واللبان والمر. نقرأ هذا الخبر ضمن المواد التي قد تكون انتقلت من سيرة عيسى الأصلية إلى سيرة يسوع؛ ولذلك لا نجعل موضعه الحالي في إنجيل متى حاسماً في تعيين زمن نشأته. ما نبحث عنه أولاً هو الجماعة التي كانت تعرف البشارة، والميراث الذي حملها على الرحلة.

وقد رُبط نجم متى في دراسات مختلفة بظواهر فلكية قريبة من مطلع العصر الميلادي، ومنها اقتران المشتري وزحل سنة ٧ ق.م. هذه محاولات لتفسير زمن الرواية الإنجيلية بصورتها المتداولة. أما في مسارنا فالسؤال السابق لذلك: هل بقيت في الخبر معرفة شرقية بظهور المعلّم، ثم أعيد وصلها بتقويم لاحق؟ المقارنة الفلكية تفتح هذا السؤال، لكنها لا تعيّن وحدها هوية الطفل أو الجماعة.

ونسمي هذه الصلة في كتابنا «خط المجوس»: جماعات من الحكماء والكهنة تحفظ معرفة وانتظاراً، وتتعرف إلى النبوة عند ظهورها. نبدأ في تتبعها بالسحرة الذين آمنوا بموسى، ونقابلهم بمجوس المشرق الذين قصدوا الطفل، وبحفظة النار المقدسة في التقليد الزرادشتي بين العهدين. فنقترح وراء اختلاف الصور ميراثاً غير إسرائيلي في نسب جماعاته، متصلاً بالتوحيد والانحياز إليه.

انتقل لفظ maguš إلى اليونانية μάγος (ماگوس)، ثم إلى ألفاظ أوروبية اتصلت بالسحر. واتسعت دلالته بين جماعة دينية وممارس معرفة وطقوس في سياقات مختلفة. نرى في هذا التاريخ اللفظي مدخلاً للمقارنة مع السحرة الذين آمنوا بموسى؛ أما القول بأن جماعة المجوس ورثتهم فعلاً فبحث في سلسلة الانتقال، يتجاوز تشابه ترجمة اللقب.

وفي قراءتنا، يمكن أن تكون وراء المجوس أخوية مؤمنة قديمة ورثت علماً وانتظاراً من زمن موسى. وهذه الصلة، إن تكشفت حلقاتها، تساعد على تفسير حضورهم عند المسيح. ونميز بين هذا الميراث السابق عليه وبين الحركة التي نقترح اتساعها بتعليمه، ومنها طرائق السير والحكمة التي نتتبعها لاحقاً.

ومن هذا الباب نقترح قراءة رمزية للنار التي حفظها المجوس في معابدهم نحو ألفي سنة. فقد تكون في أصل معناها تذكاراً للوحي الذي يتلقاه الأنبياء، ثم يحفظ أهل الحكمة عهده في زمن الانتظار. ونقابلها بالنار في خبر موسى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ * إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ (طه ٩-١٠). فتبدو لنا، على هذا الوجه، صلة بين نار الطور ورعاية المجوس للنار المقدسة، حتى ظهور النبي الخاتم ﷺ في القرن السابع. وهذا تأويل نفتح به سؤال الاستمرار: معرفة يتلقاها النبي، ويحفظها أتباعه، ثم تتجدد ببعثة تالية. وفي هذه الصورة نفهم المجوس حفظةً لميراث الوحي بين البعثات.

ما حفظته روايات الطفولة عن المجوس

في «إنجيل الطفولة العربي» يأتي المجوس استجابة لتنبؤ منسوب إلى زرادشت، ويهتدون بالنجم ويحملون هداياهم. ثم تعطيهم مريم قماطاً من قماط الطفل، فيعودون به إلى قومهم. وهنا تستمر القصة بعد الموضع الذي ينتهي عنده خبرهم في متى: يجتمع بهم ملوكهم ورؤساؤهم، ويوضع القماط في النار، ثم يخرج سليماً فيحفظونه في خزائنهم. فالرواية تصل معرفة المجوس القديمة بالطفل من خلال بشارة وعلامة يحملونها معهم إلى بلادهم. (الفصلان ٧–٨.)

النجم والمولود والهدايا حاضرة في متى ٢؛ أما اسم زرادشت والقماط واختبار النار فتمنح الخبر في رواية الطفولة امتداداً شرقياً أوضح. ومن هذا الامتداد نستعيد سؤال الجماعة التي حفظته: ماذا كانت تنتظر، وكيف ربطت خبر المسيح بميراثها؟ تجعل الرواية زرادشت مبشراً سابقاً، بينما تقترح قراءتنا أنه والمسيح صورتان من قصة واحدة. لذلك يهمنا هنا كيف وزعت الذاكرة أدوارها بين المبشر والمبشَّر به، وكيف وصل الخبر إلى قوم يحفظون للنار مكانتها.

وفي «رؤيا المجوس» السريانية جماعة تنتظر النجم وتحفظ ميراثاً منسوباً إلى شيث عن آدم. تختلف سلسلة النسب هنا عن الصلة الموسوية التي نقترحها، لكن صورة التعليم المحفوظ جيلاً بعد جيل تعيننا على بحث حامل الذاكرة. فلا يبقى المجوس زائرين عابرين في مشهد الميلاد؛ يصير السؤال عن ماضيهم جزءاً من السؤال عن المسيح نفسه. (رؤيا المجوس: النص ومخطوطه ودراساته.)

لاوتزو ـ الطاو الذي لا يُسَمَّى

ونصل في الصين إلى لاوتزو (Laozi)، ومعنى لقبه المعلم القديم أو الشيخ الكبير. تختلف الأخبار في عصره، فتضعه في القرن السادس قبل الميلاد أو بعد ذلك، وتحيط حياته روايات يصعب الفصل فيها بين الشخص وصورته اللاحقة. أما النص الذي نُسب إليه وبقي مشهوراً فهو «تاو تي تشينغ» (道德經)، في نحو خمسة آلاف كلمة صينية. وقد حمل هذا النص القصير مادة واسعة من الحكمة، وصار أصلاً لتقليد طويل في فهم الوجود والسلوك.

وتستوقفنا فاتحته التي يرجع تاريخها إلى نحو أربعة وعشرين قرناً: «الطاو الذي ينطق ليس الطاو الأزلي، والاسم الذي يسمى ليس الاسم الأبدي». فهي تثير مسألة حدود العبارة أمام الحقيقة التي يراد التعبير عنها. ونقرأها من جهة التنزيه: أن التعريف البشري لا يستوفي الأصل الأعلى الذي يتحدث عنه النص. ثم نقابل هذا المعنى بقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى ١١)، و﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (الأنعام ١٠٣). والمقارنة هنا في اتساع الحقيقة عن وصف الإنسان وإحاطته.

فَرضيّةٌ سامِيّة: «طاو» من «ضَوء»؟

ومن الوجوه التي تستوقف الأذن العربية لفظ «طاو» أو «داو» (Dao / 道 (داو)) وقربه السمعي من «ضوء». نستثمر هذا التجاور في المقارنة بين الطريق والنور والهداية، وهي معانٍ حاضرة بقوة في هذا البحث. أما جعله لفظاً سامياً هاجر إلى الصين فيحتاج تتبعاً تاريخياً وصوتياً؛ فالنطق الصيني القديم يُعاد بناؤه بالمقارنة، ولا يطابق بالضرورة النطق المتداول اليوم.

ولتصور إمكان هذا الانتقال نقارن الضاد العربية، بما فيها من الإطباق، بصوت /d/ في لسان لا يعرف صورتها نفسها، ثم ننظر في احتمال سقوط الهمزة الأخيرة من ض-و-ء، فتقترب الصورة من dao. وقد عُرفت العربية بتمييز الضاد حتى لقبت بلغة الضاد، وتغيرت نظائرها في أخواتها السامية. كذلك يقع حذف بعض الأصوات الحلقية عند نقل الألفاظ إلى ألسنة أخرى. وهذه هي وجوه التقريب الصوتي التي يقوم عليها الاقتراح؛ أما إثبات مسار اللفظ في الصينية فيرجع إلى شواهده وتاريخه كما تقدم.

أما الصلة الدلالية بين النور والطريق فتفتح أفقاً للمقارنة: بالنور يهتدي الإنسان، والطريق في تعليم لاو تسي يتجاوز الدرب المحسوس إلى انتظام الوجود والسلوك. نقرأ هذا بجوار لغة النور والهداية في تراثنا. وتشابه المجالين يساعد على فهم التقارب الروحي الذي يقصده الكتاب؛ ويظل اشتقاق اللفظ الصيني من أصل سامي سؤالاً لغوياً مستقلاً.

ونضع احتمال الصلة بين «طاو» و«ضوء» في هذا الأفق. إن صح انتقال اللفظ، فسيفتح طريقاً لغوياً إلى انتقال المعنى؛ وإن تبين مسار آخر للاسم، بقيت مقارنة التعليم والسيرة قائمة. فالذاكرة قد تنتقل بترجمة المعنى أيضاً، ولا يتوقف انتقالها كله على بقاء صوت الكلمة.

وتروي الأخبار عن نهاية لاوتزو أنه خرج من البوابة الغربية راكباً ثوراً أخضر، وأعطى حارسها مخطوطه، ثم مضى نحو الغرب وانقطع خبره. ويمنح هذا الرحيل السيرة خاتمة مفتوحة. ومن الوجوه التي نتأملها أن تكون وراء اتجاهه غرباً ذكرى العودة إلى المنبع السامي المقترح للمعنى واللفظ؛ ويبقى ذلك قراءة رمزية للخبر.


نبونيد في الوثائق البابلية

وبعد هذه السير نعود إلى نبونيد، آخر ملوك بابل، الذي حكم بين ٥٥٦ و٥٣٩ ق.م. وله في أطروحتنا منزلة الأصل الذي نطلب تعيينه، بينما نقرأ صور زرادشت ولاوتزو وغوتاما وجوهاً لما انتقل من خبره إلى ثقافات أخرى. وتتيح لنا النقوش المسمارية والحجرية أن ندرس شخصيته في سجل ملكي، ثم نصل هذا السجل بالرواية الآرامية المحفوظة في صلاة نبونيد 4Q242. ففي هذه المواد إقامة نحو عشر سنوات في تيماء، ومحنة وشفاء وحضور رجل من بني إسرائيل. ومن اجتماعها نبحث الصلة بعيسى ابن مريم الذي يحفظ القرآن صورته النبوية.

ولهذا نفرد لنبونيد الفصل التالي: ندرس سيرته، وأخبار أمه أدد-غوبي وتعلقها بسين، وإقامته في تيماء، والصلاة القمرانية الباقية باسمه. ثم نجمع ثمانية أوجه للمقارنة بين خبره وصورة عيسى، ونبين كيف يصبح القرن السادس قبل الميلاد أساس التأريخ المقترح في الكتاب. فبعد أن عرضنا انتشار الصور في الثقافات، نعود إلى الوثائق التي نرى فيها خبر صاحبها.


بُنىً مُتَكَرِّرة في السِيَر النَبَوِيّة

وعندما نضع هذه السير جنباً إلى جنب، تظهر عناصر تتكرر في أخبار الميلاد والتعليم والرحيل وموقف الجماعات الدينية. ونرى أن اجتماعها يستحق تفسيراً يجمعها، وهو ما نحاول تفصيله في المقارنة التالية.

في روايتي مايا ومريم يتصل الميلاد بالشجرة: شجرة السال في سيرة بوذا، والنخلة في القرآن. يستوقفنا اجتماع الأم والميلاد والبركة النباتية، فنقرأه ضمن المقارنة بين السير. ونحافظ على اختلاف تفاصيل كل رواية، لأن التفاصيل هي التي قد تكشف طريق النقل أو إعادة التشكيل.

تتكرر صور الانسحاب والخلوة وطلب المعرفة في الروايات التي نقارنها. نقرأ خروج غوتاما، ورحيل لاوتسو، وإقامة نبونيد في تيماء، وأخبار زرادشت في ضوء هذا المعنى. لكنها تختلف في زمن تدوينها ووظيفة الانسحاب فيها؛ ولا نجعل الخلوة شرطاً يوجب أن كل وحي وقع بعيداً عن الناس.

ومن العناصر المشتركة خصومة أصحاب النفوذ الديني. ففي أخبار بوذا اعتراض البراهمة على تعليمه، وفي أخبار نبونيد عداء كهنة بابل. وتصفه «الرواية الشعرية» (Verse Account of Nabonidus)، التي أُلّفت بعد سقوط بابل، باضطراب العقل؛ فنقرأ الوصف في سياق الهجاء السياسي والديني، لا تشخيصاً لمرضه. وفي السيرة المسيحية خصومة كهنة الهيكل، وفي أخبار زرادشت مقاومة من مجوس البلاط قبل اتباعه. فهذه الروايات تحفظ، مع اختلاف تفاصيلها، صدام التعليم الجديد بمن استقرت لهم سلطة التفسير والطقوس.

وتتباين أخبار النهايات: لبوذا رواية مفصلة للموت، وللاو تسي خبر الرحيل غرباً، ولنبونيد أخبار مختلفة بعد سقوط بابل. أما القرآن فينفي قتل عيسى وصلبه ويثبت رفعه. نبحث هنا كيفية حفظ الرحيل وتفسيره، ولا نحول اختلاف هذه النهايات إلى مشهد اختفاء واحد لم تقله جميع الروايات.


الفَرضيّة القُصوى ـ صَوتٌ واحد بأَلسِنةٍ مُتعدّدة

ونصل من هذه المقارنات إلى الرأي الذي يتبناه الكتاب: أن وراء بعض صور «العصر المحوري» أصلاً سامياً عربياً واحداً، انتقلت سيرته وتعاليمه في الجهات المختلفة، فأعادت كل بيئة روايته بلغتها. حفظه الفرس باسم زرادشت، والهنود في صورة غوتاما التي نقارنها بقثم، والصينيون في أخبار لاوتزو، وحفظت الوثائق البابلية خبره باسم نبونيد. وفي الذاكرة العربية بقي الاسم الذي يثبته القرآن: عيسى ابن مريم. فهذه قراءتنا لاتصال الصور، ومنها نبحث كيف نشأت الفروق بينها.

هذا هو الاقتراح الذي تتجمع عنده قراءتنا للتشابهات: شخصية واحدة تروى بأسماء وصور متعددة. وما نبحثه بعد طرحه هو التفاصيل التي تقوّي هذه الصلة، والتواريخ وطرق النقل التي يمكن أن تفسر اختلاف الروايات.

  • تداخل الأزمنة التي تنسب إليها الشخصيات والروايات، مع اختلاف تأريخها.
  • تكرر ملامح من الميلاد والاعتزال والتعليم ومواجهة المؤسسة الدينية.
  • الأسماء والألقاب التي تحمل معاني الحكمة والنور والاصطفاء.
  • طرق السفر واللغات والجماعات التي يمكن أن تحمل السيرة.
  • وحدة الهداية التي يقرأ بها الكتاب هذه المواد على ضوء القرآن.

ويمكن للقارئ أن يوازن هذا الاقتراح بوجهين آخرين في تفسير التقارب. فلدينا ثلاث قراءات تتدرج من الاشتراك في مصدر الهداية إلى وحدة الشخصية التي رويت أخبارها:

أولها أن تكون الشخصيات مستقلة، تلقت هداية من مصدر إلهي واحد، فظهرت في تعاليمها معان متقاربة. ويحفظ هذا الوجه استقلال الأشخاص، مع تفسير ما يجتمعون عليه من قصد روحي.

وثانيها أن تكون رسالة سامية قد انتقلت عبر التجارة والهجرات وطرق الثقافة، كطريق الحرير وطريق البخور، فتأثر بها معلمون حملوا تعليمها إلى بيئاتهم بأسمائهم. وتتيح طرق الاتصال المعروفة بين الحضارات بحث هذا الاحتمال ومراحله.

وثالثها، وهو الذي نأخذ به، أن تكون الشخصية الأصلية نفسها قد رويت بأسماء متعددة: عيسى ابن مريم في المجال الممتد بين الجزيرة وشمالها، بحسب التأريخ المقترح هنا. ثم انتقلت ذاكرته شرقاً وغرباً، وصاغتها الألسنة في صورها المحلية، وبقي اسمه محفوظاً في القرآن.

أتاحت الإمبراطورية الأخمينية، التي اتسعت على مراحل، اتصال الرافدين والأناضول وأجزاء من الشام بأقاليم إلى الشرق، ووصل نفوذ داريوس إلى مجال السند. تفسر الطرق والإدارة إمكان انتقال الناس والأخبار، لكنها لا توثق تلقائياً وصول رواية بعينها إلى الهند أو الصين في حياة نبونيد. لهذا نميز بين وجود مجال للانتقال والعثور على حلقة تثبت انتقال القصة التي نبحثها.

وقد ساعد انتشار الآرامية على هذا الاتصال. فمن منتصف القرن الثامن إلى أواخر القرن الرابع قبل الميلاد اتسع استعمالها في الإدارة والحياة العامة، عبر الإمبراطوريات الآشورية الحديثة والبابلية الحديثة والأخمينية. ثم أصبحت في عهد داريوس لسان الدواوين في أكثر من عشرين ولاية بين مصر والسند. وبذلك كانت القوافل والرسائل تعبر فضاء واسعاً يجمع كتّابه لسان واحد، يستطيع به كاتب في طيبة أن يتصل بكاتب عند تخوم الهند.

تثبت الطرق والإدارة واللسان إمكان انتقال الأخبار في هذا العالم المتصل. ومن هنا يصير بحثنا عن المسافر والمعلّم والجماعة أكثر تحديداً. أما تأخر ظهور رواية في بلد عن آخر فيفتح باباً لتتبع انتقالها، ولا يحدد وحده مقدار الزمن الذي استغرقه ذلك الانتقال.

وتحفظ ألواح حصن برسبوليس تفاصيل من هذه الحركة. فقد نشرها ريتشارد هالوك سنة ١٩٦٩، وهي متاحة عن معهد شيكاغو، وفيها أرزاق سفر تُصرف بوثائق مختومة بين سوسة والهند في السنتين الثانية والعشرين والثالثة والعشرين لداريوس الأول، نحو ٥٠٠ ق.م. يذكر اللوح ١٥١١ «ساكساكا الهندي ... يحمل وثيقة مختومة من برناكا؛ ذهبوا إلى سوسة»، ويذكر خبر آخر حامل ختم الملك الذي «ذهب إلى الهند» مع خمسة سادة وخمسة عشر خادماً، كما يرد صرف الشراب لهنود في طريقهم إلى سوسة. ويصف هالوك محطات تموين تفصل بينها مسيرة يوم، وعلى الألواح حواش آرامية لكتّاب الدواوين. ونجد في تكسيلا نقشاً آرامياً على عمود رخامي؛ أرخه مارشال سنة ١٩١٨ بالقرن الرابع ق.م اعتماداً على هيئة الخط، ثم قُرئ مرسوماً لأشوكا نحو ٢٦٠ ق.م لورود لقب «بريادرشي» فيه. ورأى دوبون-سومير في دراسته سنة ١٩٧٠ أنه يخاطب جماعات بقيت الآرامية لغتها بعد سقوط الإمبراطورية القديمة بجيلين. ومن الأبجدية الآرامية الإمبراطورية نشأ أيضاً الخط الخروشتي الذي كُتبت به مخطوطات غاندهارا البوذية، ومنها شواهد من القرن الأول ق.م. فهذه المواد توثق الطريق واللسان والكتابة، وتذكر رسلاً وموظفين، لكنها لا تعين مسافراً إسرائيلياً حمل القصة التي نبحثها. ولهذا نفرق بين إثبات إمكان الانتقال وتعيين حامله. ويلفتنا، للمقارنة، أن دعوى كرستن عن يسوع في كشمير تحتاج بدورها إلى افتراض وجود إسرائيليين في الشرق في القرن السادس ق.م؛ فتلتقي مع بحثنا في الحاجة إلى تفسير هذا الحضور القديم، وإن اختلفت عنه في الشخصية والسيرة.

نستعمل تقارب الأسماء مثل غوتاما وقثم، أو داو والضوء، أسئلة في ترجمة المعنى والصوت، لا قوانين وراثية بين عائلات لغوية متباعدة. ويزيدها وزناً أن تقترن بتفاصيل في السيرة وبطريق نقل يمكن تتبعه. أما «العصر المحوري» فإطار للمقارنة بين تحولات واسعة، لا برهان جاهز على تزامن جميع الشخصيات في سنة أو قرن بعينه.

وتتيح هذه القراءة جمع مسائل يعالجها تصور العصر المحوري عادةً متفرقة:

تجمع الفكرة بين ثلاثة أسئلة: لماذا تتشابه بعض تفاصيل السير؟ وكيف تتبدل الأسماء والمعاني حين تنتقل؟ وأي طرق أو جماعات حملت الرواية؟ جوابنا المقترح هو وحدة صاحب القصة، لكن قوة هذا الجواب تتحدد بما يفسره من التفاصيل، لا بمجرد وضع الأسماء في قائمة متقاربة.

تقرر الآيات وحدة مصدر الرسالات وتعدد الأمم التي بلغتها الهداية. ومن هذا الأفق ننطلق في المقارنة، من غير أن نجعلها تقول إن جميع الأنبياء شخص واحد. اقتراحنا أضيق: أن بعض الأسماء التي ندرسها قد تكون صوراً ثقافية للمسيح نفسه، ضمن تاريخ أوسع من الأنبياء والرسالات.

والمعلم الذي نبحث عنه حاضر أيضاً في روايات تمنحه معرفة تتسع للجسد والعقل والكون. ففي الفصلين ٥١–٥٢ من «إنجيل الطفولة العربي» يناقش مسائل الفلك والطب والنفس، ويطلب فيلسوف أن يتتلمذ له. قيمة هذه الصورة أنها تصل الشفاء بالتعليم، وتمنح المقارنة بالحكمة والفلسفة مادة نصية محددة. (النص، ٥١–٥٢.)

نقرأ المسيح على هذا الوجه معلّماً يفتح للإنسان أبواب المعرفة ويهذّب استعمالها. ومن هنا تتصل معجزات شفائه، في فهمنا، بما فُتح له من علم ورحمة. أما تحديد وسيلة طبية بعينها أو أسبقيته التاريخية فيها فيحتاج خبراً يصفها؛ وتبقى الروايات التي بأيدينا أساساً لفهم هذه الصورة الجامعة للمعلم.

وفي قراءة إحياء الموتى، يقترح الكتاب أن بعض الأخبار قد يصف إنقاذ إنسان توقف قلبه ثم عاد إلى الحياة بما فُتح للمسيح من علم. فهذا مثال يقرّب وقوع الشفاء في الجسد من غير أن يفصله عن الإذن الإلهي. ويميز الطب اليوم بين توقف القلب الذي قد تنجح معه محاولات الإنعاش وبين الموت الذي لا رجعة فيه؛ ولا تسمي الروايات الإنجيلية وسيلة الإنعاش ولا تثبت أسبقية تاريخية فيها. ولذلك نحتفظ بهذه الصورة تفسيراً ممكناً للخبر، مع بقاء عطية الشفاء أوسع من وسيلة نعرفها اليوم. (للتفريق الطبي: جمعية القلب الأمريكية، إسعاف توقف القلب.)

فالاختيار الذي انتهينا إليه في هذا الفصل واضح: نقرأ بوذا ولاوتزو وزرادشت صوراً ثقافية محتملة لشخصية واحدة، هي عيسى ابن مريم، الذي نبحث في الفصل التالي مطابقته بنبونيد. وقد تتغير الأسماء، وتدخل البيئة المحلية في تفاصيل السيرة ورموزها، بينما يبقى أصل التعليم والخبر متصلاً. وهذه وحدة الشخصية التي نقصدها، وسنختبرها بما نملكه من وثائق عن الرجل في المجال البابلي والعربي.

الفصل ٥ ـ نبونيد هو عيسى ـ ذاكِرَتانِ لِشَخصِيّةٍ واحِدة

أطروحة هذا الفصل أن نبونيد وعيسى ابن مريم ذاكرتان لشخصية واحدة. نقرأ الملك الذي تحفظه النقوش، ونقابل خبره بالأسرة والرسالة اللتين يحفظهما القرآن، وبالروايات التي دارت حول المرض والشفاء. في هذا الفهم كان عيسى مختاراً، ومرّ بتجربة سلوك وابتلاء ازداد بها معرفة بمولاه. ونقترح أن الرجل من بني إسرائيل الذي يحضر في صلاة نبونيد هو يحيى، معلّمه في هذا الطريق. فالمريض في الوثيقة هو نبونيد؛ ولا نخلطه بالرجل الذي حضر شفاءه.

حكم نبونيد بابل بين ٥٥٦ و٥٣٩ ق.م، وكان آخر ملوكها قبل انتقالها إلى الحكم الفارسي. ولم تمنحه الإشارات التي وصلتنا عند هيرودوت ومن جاء بعده من الإغريق والرومان صورة تناسب سعة أخباره في الوثائق. ثم كشفت الاكتشافات الحديثة، ولا سيما في القرن العشرين، نصوصاً مسمارية ورسائل ملكية وسيرة أمه المنقوشة. وأظهرت هذه المادة رجلاً اتخذ مواقف دينية مستمرة، ودخل في صراع مع سلطة كهنوتية راسخة. ومنها نبدأ إعادة قراءة شخصيته.

صلاة نبونيد: وثيقة 4Q242

تحفظ «صلاة نبونيد» (4Q242) شذرات آرامية من خبر ملك أصابه مرض سبع سنين في تيماء، وحضر في خبره رجل من بني إسرائيل من جماعة المنفيين. وتجتمع في القراءة المرممة للنص المغفرة والشفاء والأمر بكتابة التسبيح. هذا الاجتماع يذكّرنا بربط المغفرة والشفاء في مرقس ٢؛ ومنه نفتح بحث العلاقة بين تجربة الملك والصورة النبوية. والنص أدبي متأخر عن عصر نبونيد، محفوظ في قمران، فتاريخه غير تاريخ الحدث الذي يرويه. وفي الملحق الأول نعرض الباقي والترميم والقراءة الأدبية كلّاً في موضعه.

ولضبط الأزمنة: عاش الملك في القرن السادس ق.م؛ وصيغت رواية الصلاة في زمن لاحق مختلف في تعيينه؛ ونُسخت الشذرات الباقية في القرن الأول ق.م بحسب تأريخ الخط؛ ووصلت من الكهف الرابع إلى البحث الحديث في اكتشافات قمران، ونشرها ميليك سنة ١٩٥٦. فكل تاريخ هنا يخص مرحلة من حياة الخبر.

خبر الملك بين اسمين

وتضعنا مقارنة الصلاة بدانيال ٤ أمام انتقال أقرب إلى قلب بحثنا. في الصلاة ملك بابل نبونيد، ومرض جلدي في تيماء، وسبع سنين، ورجل من بني إسرائيل، ثم مغفرة واسترداد للعافية وتسبيح. وفي دانيال نبوخذنصر، وحلم يفسره دانيال، ثم محنة يخرج فيها الملك من بين الناس ويأكل العشب كالثيران، وتمضي عليه «سبعة أزمنة»، ثم يرجع إليه عقله وملكه ويمجد العلي. يتغير اسم الملك وصورة العلة، وتبقى المحنة الطويلة والتحول واسترداد الحال في رواية ملك بابلي.

لهذا قارنت دراسات، منها بحث بوليو، بين الخبرين، وناقشت وجود ذاكرة نبونيد خلف قصة نبوخذنصر. ويضيف تاكوما سوغي تفسيراً لطريق التشعب: يقابل المرض الجلدي والخروج كالحمار الوحشي بصيغ لعن بابلية مرتبطة بسين، ويقترح أن خبر المحنة تفرع إلى مسارين، احتفظ أحدهما بالمرض والآخر بالحياة الوحشية. فالعلاقة التي يبحثها أوسع من نسخ الصلاة حرفياً إلى دانيال. (سوغي، «نبونيد ولعنة إله القمر»، ٢٠١٨، ص ١–١٢.)

هنا نرى كيف يمكن أن يبقى قسم من الخبر ويغيب اسم صاحبه، بل أن تتبدل طريقة الحكم عليه. والصورة التي يرويها خصم الملك، أو يعيد بها واعظ تفسير ماضيه، تدخل هي أيضاً في تاريخ الذاكرة. لذلك نقرأ حكاية المحنة إلى جانب نقوش نبونيد وكلامه عن نفسه؛ ونفهم الابتلاء في مساره إلى الله، كما عرف الأنبياء امتحاناً يعقبه ظهور مهمتهم. وما يهمنا في الانتقال أن تغير الاسم لم يمح كل ما يقود الباحث إلى صاحب السيرة الأقدم.

وقد قارن أندريه دوبون-سومير (Dupont-Sommer) بين صلاة نبونيد 4Q242 ومرقس ٢، حيث تتصل المغفرة بالشفاء. ونفرق هنا بين زمن الشاهد وزمن القصة: فمرقس يروي عن يسوع الناصري في القرن الأول الميلادي، والصلاة تروي عن نبونيد في تيماء، في القرن السادس قبل الميلاد، وإن كُتب نصها بعده. وفي قصة الصلاة رجل من بني إسرائيل غاب اسمه عن الباقي منها. وهذا هو الرجل الذي نسأل عن هويته ودوره في التجربة.

ويتجه سؤالنا إلى يحيى في ضوء الإطار الذي نقترحه لزكريا ومريم وعيسى. فإذا أمكن وصل هذا البيت بالبيئة البابلية التي عاش فيها نبونيد، أصبح من المفيد مقابلة الرجل في الصلاة بيحيى، صاحب التعليم والتطهير في الذاكرة المندائية. ويجمع هذه المقارنة معنى الحياة في اسمه وجذره ح-ي-ي، وصلته بالماء والتعميد، واجتماع المغفرة والشفاء في الخبر. كما نقرأ تفرد التسمية في «لم نجعل له من قبل سمياً» متصلاً بتفرد الوظيفة التي بقيت له في الذاكرة. هذه هي الطريق التي نقترح بها تعيين الرجل بيحيى، وتفصيل النص وشواهده الأرشيفية في الملحق الأول.

التعميد وظهور الروح

ولخبر التعميد تفاصيل تستحق أن تقرأ معاً. يروي مرقس ١: ٩–١١ مجيء يسوع إلى يوحنا، ودخوله الماء، ثم خروجَه وظهور الروح والخطاب السماوي. ويحتفظ متى ٣: ١٣–١٧ بالمشهد ويضيف محاورة يتردد فيها يوحنا في تعميده؛ ويصل لوقا ٣: ٢١–٢٢ نزول الروح بالصلاة؛ وفي يوحنا ١: ٢٩–٣٤ يصير بقاء الروح عليه علامة يعرف بها المعمدان من يعلن أمره للناس. أمامنا لقاء بين رجلين، وفعل تطهير، وانكشاف مقام.

ويحفظ يوستينوس، في «الحوار مع تريفون» ٨٨، صورة أخرى للخبر: ناراً تتقد في الأردن عند دخول الماء، ثم نزول الروح، وكلاماً سماوياً يستعمل عبارة المزمور عن البنوة. ويفسر يوستينوس الواقعة بإظهار أمر المسيح للناس، ويؤكد أنه كان ذا قوة قبلها. هذه الزيادة والتفسير يكشفان أن معنى الواقعة نفسها كان موضع عناية: أهي ابتداء المقام، أم ظهوره لمن يشهد؟ (الحوار، الفصل ٨٨.)

ونحن نقرأها ظهوراً للمختار بعد تجربته في السلوك. فعيسى في تصورنا مختار من أول أمره، وله مع ذلك معلم وامتحان ونمو في المعرفة. ونصل نهاية المحنة في صلاة نبونيد بهذا اللقاء الذي حفظت الأناجيل صورة التعميد فيه. لا يرد مرض سابق ليسوع في مقاطع التعميد المذكورة، ولا يرد ماء التعميد في الباقي من الصلاة؛ فالذي تقترحه مقارنتنا هو اتصال الوجوه المتفرقة لتجربة أقدم: محنة وشفاء في خبر الملك، ومعلم وتطهير وظهور للروح في الخبر الإنجيلي. ومن هنا نبحث عن يحيى في المرشد الذي ضاع اسمه.

ثمانية خيوط يَصعب ردُّها إلى الصدفة

وتسبق المقارنة ملاحظة تتصل بالمصادر غير المسيحية عن يسوع. فمن أشهرها خبر تاكيتوس في Annals 15:44، نحو ١١٦م، الذي يقبل معظم الباحثين أصالته، مع البحث في مصدر معلوماته وصلتها بما كان يعتقده مسيحيو عصره. ومنها إشارتا يوسيفوس فلافيوس، وأشهرهما «Testimonium Flavianum» في Antiquities 18:63-64، التي يرجح كثيرون وجود أصل لها دخلته زيادات مسيحية. وما بقي من الأدب اليهودي والروماني في القرن الأول قليل بالقياس إلى المكانة العالمية التي آلت إليها الشخصية. ونضع هذا التفاوت ضمن الأسئلة التي تدعو إلى البحث عن ماضٍ أوسع للذاكرة المسيحية، مع بقاء الصمت وحده عاجزاً عن تعيين رجل آخر أو زمن آخر.

ونجمع المقارنة بين نبونيد وعيسى في ثمانية أوجه. فقيمة الحجة عندنا في اتصال هذه الأوجه، وما يفسره كل منها في ضوء البقية. وهي:

  1. الملك والسلوك: ملك يجمع الحكم بالعناية بالمعابد، وتقرأ أطروحتنا حركته الدينية في ضوء النبوة.
  2. الابتلاء والشفاء: تحفظ صلاة نبونيد تجربة المرض والتوجه إلى الله وحضور معلّم من بني إسرائيل؛ ونقرأ فيها سلوك المختار إلى تمام ظهوره.
  3. الأم المتعبدة: تحفظ مسلة أدد غوبي تدينها وعنايتها بابنها واختياره للمهمة؛ ونقابل ذلك بصورة مريم والاصطفاء.
  4. تيماء: إقامة طويلة خارج بابل تجعل شمال الجزيرة جزءاً من سيرة الملك الموثقة.
  5. استرجاع التراث: بحثه عن أسس المعابد وآثار السابقين يفتح المقارنة بصورة وارث ميراث الأنبياء.
  6. خصومة المؤسسة: تتطلب أخبار خصومه أن نقرأ وظيفة الهجاء السياسي والديني في صنع صورته.
  7. دلالة الاسم: نستعيد في قراءة اسم نبونيد مجال النداء والتمجيد، ونقابله بألقاب الاختيار والرفع.
  8. تركيب الذاكرة: نقترح أن السجل الملكي والرواية الدينية حفظا جوانب مختلفة من رجل واحد، ونختبر هذا الجمع في تفاصيل الفصل.

أدد-غوبّي وسين

تحتل أدد غوبي، أم نبونيد، مكاناً أساسياً في فهم البيت الذي خرج منه. تروي مسلتها حياة طويلة في خدمة سين والتعلق بمقدساته، وتذكر أنها بلغت مئة وأربع سنين. نقرأ عنايتها الدينية ووصيتها لابنها بوصفهما جزءاً من تكوين مهمته، ونتتبع فيهما صورة الأم التي يسميها القرآن مريم.

وتتصل سيرة أدد-غوبي بحران وبخدمة سين، وتفسر ملك ابنها وإعمار المعبد من جهة الاختيار الإلهي. ومن أخبارها حلم يرتبط فيه نبونيد بمهمة البناء. ونرجع في ذلك إلى نقش أدد-غوبّي المنشور في ORACC. والذي نقرأه هنا اختيار ابن موجود لمهمة، ثم نقابله بلغة الاصطفاء والتكليف في قصة مريم؛ فهذه جهة المقارنة، مع إبقاء تفاصيل البشارة بالمولد في موضعها من النص القرآني.

وصل نبونيد إلى الملك بعد سقوط لاباشي-مردوخ في انتقال سياسي تُبحث ملابساته، وصاغت نقوشه شرعيته بلغة الاختيار الإلهي. هذا التفسير الديني لا ينفي وجود صراع على الحكم، كما أن وقوع الصراع لا يستنفد ما فهمه الرجل من مهمته. وفي قراءتنا كان تعظيم سين تعبيراً عن التوجه إلى العلي، بينما حفظت نصوص خصومه صورة مضادة عنه. نقابل الصورتين، ولا نتخذ الهجاء تشخيصاً طبياً لحال الملك.

تقوم المقارنة بين أدد-غوبّي ومريم على الأمومة والتكريس الديني واختيار الابن لمهمة. تختلف صيغة الخبر البابلي عن قصة البشارة القرآنية؛ فلا يروي النقش ميلاداً عذرياً ولا ينقل كل تفاصيل المحراب. ومع ذلك نقرأ أدد-غوبّي ومريم ذاكرتين لأم واحدة، ونبحث ما تضيئه هذه المطابقة وما يحتاج فيها إلى تفسير، بدلاً من ملء الاختلافات بكلمات لا يقولها المصدر.

فمَن مريم؟

ومن سؤال الابن ننتقل إلى الأم. فإذا كان نبونيد هو عيسى في أطروحتنا، فأين نبحث عن مريم في أخباره؟ نرجع إلى أدد-غوبي، أمه التي حفظت حران اسمها وسيرتها، ونقترح أن القرآن حفظ صورتها باسم مريم. فهذه المطابقة امتداد للقراءة نفسها التي تصل الخبر الملكي بالخبر النبوي، وتحتاج إلى فحص ما يتفق بين الصورتين وما يختلف فيهما.

تنسب السيرة الحجرية إلى أدد-غوبّي عمراً مديداً يقارب مئة وأربع سنين، وتصف إخلاصها الديني ومكانة ابنها. العمر الكلي ليس مدة متصلة موثقة لعملها في معبد واحد، كما أن وصفها المتداول بالكاهنة يحتاج إلى تمييزه من الألقاب التي يصرح بها النقش. في قراءتنا تمثل امرأة مكرسة للمعرفة والعبادة، وهي الصورة التي نقابلها بمريم.

تصف أدد غوبي في مسلتها تعلقها بالمقدسات منذ الطفولة، وزهدها وطلبها حفظ ابنها، ثم تروي اصطفاءه للملك وإعادة بناء المعبد. وتنتمي تسمية الابن وتكليفه هنا إلى سياق رجل موجود اختير للمهمة، لا إلى بشارة صريحة بولادته. وهذا هو وجه المقارنة الذي نعتمده مع لغة الاختيار والتسمية في قصة مريم. (النص Q005471، مسلة أدد غوبي.)

تلتقي الصورتان عند التكريس والعناية الإلهية والابن صاحب المهمة والدعاء له بالحفظ. وفي القرآن تتوزع هذه المعاني بين امرأة عمران ومريم، وفي المسلة تأتي ضمن سيرة أدد غوبي. نقرأ هذا التوزع ضمن احتمال إعادة تشكيل الخبر، ونحفظ لكل نص ترتيب أشخاصه؛ فلا تصبح امرأة عمران ومريم وأم نبونيد امرأة واحدة لمجرد اشتراك الوظيفة.

ومَصدَرُ هذه القِراءة النَصُّ المَنشور: مِسَلّة أَدّا-غوبّي (نبونيد ٢٠٠١، النَصّ Q005471) في مَشروع RIBo التابِع لـ ORACC، تَحقيق Weiershäuser وNovotny ضِمن RINBE 2، عن تَحقيق Schaudig في AOAT 256، بتَرخيصٍ حُرٍّ مَفتوح. ونَذكُر هذا لأنّ ما يُبنى عليه في هذا الفَصل يَنبَغي أن يَكون في مُتَناوَل القارئ يُراجِعه بنَفسِه.

ومريم في أطروحتنا هي الأم. أما صور النذر والمحراب والخدمة المقدسة في بيت نبونيد فتعيننا على فهم البيئة التي نقترحها لحياتها. بعضها يتصل بها مباشرة، وبعضها بامرأة أخرى من البيت، وسيأتي خبر ابنة نبونيد مثالاً على استمرار هذا التقليد في الأسرة.

وتقوم مطابقة الأم على بنية الخبر: امرأة مكرسة للعبادة، وابن تصوّر الرواية اصطفاءه ووعده بالمهمة. أما «أدد-غوبي» و«مريم» فلا نزعم بينهما اشتقاقاً لغوياً. فنفحص هنا الصورتين كما نفحص صورتي نبونيد وعيسى، ونعتمد ما تقوله كل رواية في موضعه.

وفي نسب نبونيد نص يحتاج أن نقرأه بلفظه. ففي النقش Q005448، السطرين ١–٢، يقدم الملك نفسه ثم ينسب إلى «نبو-بلاسّو-إقبي»، وترد علامة DUMU التي يترجمها المحققون «ابن»، ويصف المنسوب إليه بالأمير الكامل. ويتكرر هذا الاسم في نقوش الملك. فالسؤال في المطابقة مع الميلاد القرآني يتعلق بطبيعة هذه النسبة المكتوبة، وبصاحبها، وليس بمجرد صمت الأرشيف عن الأب. لم نجد في المادة التي راجعناها شاهداً يعيّنها تبنياً أو يثبت أنها وظيفة كهنوتية؛ ولذلك يستمر البحث في أخبار البيت وألفاظ النسب فيه.

ويضيف جمع مواضع الاسم تفصيلاً يستحق المتابعة: يحصي فهرس المجموعة الملكية اثنين وعشرين موضعاً، وفي نقشي نبونيد ٧ و٨ ترد علامة IBILA، وقراءتها الأكدية apil، التي يترجمها المحققون «وارث»، في مقابل mār، «ابن»، في مواضع أخرى. فالصلة بالرجل تروى بلغة البنوة وبلغة الوراثة معاً. والوارث قد يكون ابناً أيضاً؛ لكن هذا التنوع يوجه البحث إلى ما ورثه نبونيد، وإلى موقع هذا البيت في السلطة والدين، لعل أخبار الأسرة تفسر طبيعة النسبة تفسيراً أوضح. (نبونيد ٧، السطر ٥؛ نبونيد ٨، السطر ٣.)

ويستطيع القارئ أن يوازن هذا الاقتراح بما تقدّم من الشواهد. فإذا توقف عند تعيين الأم، بقيت أمامه إقامة نبونيد في تيماء، ورواية مرضه سبع سنين وشفائه، وتعظيمه سين، وحضور رجل من بني إسرائيل في 4Q242. ولكل مادة مصدرها الملكي أو الأدبي الذي عرّفناه. أما أدد-غوبي فتضيف إلى المقارنة سيرة أم متعبدة، من أوثق ما وقفنا عليه عن نساء هذا الوسط في ذلك القرن. ولذلك نفتح بها سؤال مريم وبيئتها، ونترك لكل تفصيل وزنه في قبول المطابقة.

إنّيجالدي-نَنّا: البِنتُ المَوهوبةُ للمِحراب

وفي بيت نبونيد امرأة أخرى هي ابنته إنيجالدي ننا، التي تولت منصب الإنتو في أور. نذكرها لفهم بيئة الخدمة الدينية في الأسرة، ولتتبع الألقاب التي يكتسبها صاحب المنصب. فمريم في المطابقة التي نقترحها هي أدد غوبي، أم الملك؛ أما الابنة فشاهد على استمرار التقليد في البيت نفسه.

ويربط سجل تنصيب الابنة اختيارها بخسوف للقمر، فُهم على أنه طلب من سين لكاهنته. وقد كان منصب الإنتو منقطعاً زمناً طويلاً، فبحث نبونيد في الألواح القديمة واستخرج منها ما يبين لباس الكاهنة وتجهيزها ومراسمها. وهكذا جمع دخولها الوظيفة المقدسة بين العلامة السماوية واستعادة تقليد حفظته آثار الماضي.

ويحفظ اسم إنيجالدي-ننا معنى هذه الوظيفة. فرسمه EN.NÍG.AL.DI. d NANNA يتضمن EN، اسم منصب الإنتو، وNÍG.AL.DI بمعنى المطلوبة، وd NANNA، اسم إله القمر في أور. فيُقرأ اللقب «الإنتو التي يطلبها ننا». وقد منحها إياه أبوها عند التنصيب، بينما لا نعرف من هذا السجل اسم مولدها. فهذا مثال يجتمع فيه التعريف بالشخص ووصف المهمة التي اختير لها.

ولهذا المثال صلة مباشرة بما عرضناه في الفصل الثاني. فالسجل البابلي نفسه يبين أن التسمية قد تحفظ منصب صاحبها وما يُعتقد في اختياره. نعرف من لقب هذه المرأة وظيفتها الدينية، وإن غاب اسمها السابق. ومن هذا الباب نقارن الأسماء القرآنية التي نقرأ فيها صفات أصحابها ورسالاتهم.

وتتيح المقارنة بين النذر والمحراب في الروايات النظر في عناصر البيئة الدينية المشتركة:

العنصرفي بيت نبونيدوجه المقارنة
الخدمة الدينيةتدين الأم وتولي الابنة منصباً في أوروجود نساء مكرسات للعبادة في الأسرة
الاختيار للمهمةتفسير العلامة السماوية واستعادة مراسم التنصيبصلة التكريس بفهم الإرادة الإلهية
الاسم والوظيفةلقب إنيجالدي ننا الدينيإمكان اجتماع الاسم والوصف والمنصب

تجتمع في البيت ثلاثة أجيال تتصل بالخدمة الدينية: الأم، والملك، وابنته. ويساعد ذلك على قراءة السيرة داخل وسط عائلي ذي ميراث ومهام. تبقى مطابقة الأم بمريم مستقلة عن المقارنة بخبر الابنة، فلا تنقلب الأنساب أثناء الانتقال بين الشواهد.

الهجرة إلى تيماء

غادر نبونيد بابل وأقام في تيماء نحو عشر سنين، مع بقاء الملك والإدارة وصلاتهما بالعاصمة. نقرأ في الابتعاد عن مركز الحكم مجالاً للمحنة والسلوك، لا تنازلاً مثبتاً عن العرش أو تركاً لكل شؤون الدولة.

تكشف آثار تيماء عمراً حضارياً أقدم من نبونيد ومستمرّاً بعده، فلا تنسب كل حصونها وقصورها إلى عهده. وتوثق نقوشه حضوره في شمال الجزيرة، ومنها النقش المعروف في الحائط. هذه شواهد على نشاطه ومجاله، لا تشخيص لحالته النفسية ولا نصوصاً تحمل اسم عيسى. والقراءة التي نقترحها تقابلها بالروايات الدينية لتستعيد ما قد تخفيه لغة الخصومة.

نبونيد: ماذا يعني الاسم

وقبل تحليل اسم الملك، يحسن بيان الطريقة التي نقرأ بها الأسماء الإلهية في بابل. تصف المراجع «نبو» (Nabû) بأنه إله الكتابة والحكمة في مجمع الآلهة البابلي، أو البانثيون. ونرى أن هذا التصنيف، المتأثر بالنموذج اليوناني والروماني، يحتاج إلى أن يُقابل بما تصفه النصوص السامية والمصرية من وظائف ومراتب. فقد تكون بعض الصور أقرب، في قراءتنا، إلى رموز أو قوى مأمورة تشبه الملائكة في تصور الموحدين. ولذلك نسأل عما كان يعنيه الاسم لأصحابه، وعن مقدار استقلال المسمى في عقيدتهم، بدلاً من افتراض أن نبو يؤدي المعنى نفسه الذي يؤديه هرمس في التصنيف الإغريقي. وسنستعمل الألقاب المعروفة في المراجع مع إبقاء هذا السؤال حاضراً.

والصيغة الأكدية لاسم الملك هي Nabû-naʾid. أولها نبو (Nabû)، الاسم المعروف في المراجع بإله الكتابة والحكمة. ونقابله بالجذر السامي ن-ب-ء، وما يتصل به من النداء والإعلان والإنباء والبشارة، وما يحفظه القاموس الآشوري لجامعة Chicago من استعمالات nabû. ويدخل في مجال المقارنة لفظ nāḇî (נָבִיא) (ناڤي)، النبي بالعبرية، والنبي والنبوة والإنباء والتنبؤ في العربية. أما naʾid، نائد، فمتصل بالفعل الأكدي na'ādu، في مجال التمجيد والرفعة. وهذه المادة اللغوية هي التي تتيح لنا النظر في صلة الاسم بمعاني النداء والإعلاء، قبل بيان الفرق بين ترجمته المألوفة وقراءتنا له.

يقرأ الاسم الأكدي عادة «نبو ممجَّد» أو «نبو ممدوح». ونقترح أن يفتح نبو مع نائد باباً إلى معنى المنبئ المرفوع في قراءتنا العروبية، مع إبقاء ذلك مختلفاً عن الترجمة المباشرة. وترد «نبو» في أسماء ملوك آخرين، ومنها نبو-أبلا-أصور، «يا نبو احمِ الوارث». لذلك لا تنفرد بادئة الاسم بإثبات النبوة؛ الصلة التي نطلبها أوسع من وجودها.

سين هو العليّ: توحيدُ بني إسرائيل بلسانٍ بابليّ

تلفت ألقاب سين المرتبطة بالنور والحكمة والسيادة نظرنا إلى إمكان قراءة الرموز الدينية من داخل معناها، لا من صورة الجرم السماوي وحدها. لكن النقوش تذكر أيضاً آلهة أخرى وطقوساً موجهة إليها. نعرض هذه المادة كما هي، ثم نقترح أن وراء الرموز توجهاً إلى العلي؛ فلا تختلط قراءتنا للتوحيد بادعاء أن النصوص لم تذكر تعدداً قط.

وتحفظ صلاة نبونيد، في قراءة المحققين، دعوة إلى تمجيد «الإله العلي». ويرد اللقب في مواضع مرممة ينبغي أن تبقى أقواسها ظاهرة، كما في الملحق الأول. نستأنس بهذه القراءة في تتبع لغة العلو، ثم نقابلها بألقاب سين في نقوش الملك. أما فهم سين رمزاً للعلي فهو تأويل الكتاب للمنظومة الدينية، وليس عبارة تسجلها الوثيقة بصيغة المطابقة نفسها.

يحمل المرشد في الصلاة الوصف الآرامي yhwdy، المنقول عادة «يهودي». وقد يدل الوصف على الانتماء إلى يهوذا أو جماعتها قبل اكتمال الصورة المؤسسية اللاحقة التي نسميها اليهودية كحركة. فلا نحذف اللفظ من الترجمة ولا نسقط عليه كل أحكام القرون التالية. أما وصف دوره بالتوحيد ومعرفته بعيسى فهو من المقارنة التي يبنيها الكتاب.

ويقدم خبر ملكي صادق مثالاً قديماً لاجتماع الملك والوظيفة الدينية. فهو «ملك ساليم، كاهن الله العلي»، الذي بارك إبراهيم بقوله «مبارك أبرام من الله العلي، خالق السماوات والأرض» (تكوين ١٤: ١٨-١٩). ويأتي هذا المثال قبل الشريعة الموسوية، فنقابله بصورة نبونيد في أطروحتنا، ملكاً متعبداً للعلي أقام في تيماء. ثم ننظر في اسم ساليم، س-ل-م، وصلته الدلالية بالتسليم لله، على ضوء ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ (الحج: ٧٨). ومن هذه الجهة نقرأ استمرار دين العلي، من إبراهيم وملكي صادق إلى عيسى-نبونيد ثم محمد ﷺ، مع تعدد ألسنة التعبير عنه.

وتتسع المقارنة حين ننتقل إلى النقوش المكرسة لـ«الإله الأعلى»، Theos Hypsistos، التي درسها ستيفن ميتشل في شرق المتوسط ومناطق مجاورة. فهي تكشف أن تعظيم «الأعلى» كان لغة دينية واسعة، حملها أناس من بيئات مختلفة. ونقرأ حضور هذا الوصف إلى جانب سين في نقوش نبونيد، والعلي في صلاة قمران، والأعلى في القرآن، بوصفه خيطاً يستحق التتبع. صلة هذه الجماعات جميعاً برسالة واحدة هي ما يقترحه الكتاب؛ أما النقوش فتمنحنا مواضع استعمال اللقب وسياقات تعظيمه. ويظل النداء القرآني ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (الأعلى: ١) مركز هذه المقارنة في اللفظ والمعنى.

«إلاها عِلايا» ـ الوَثيقةُ تُسَمّي إلهَه بلَفظِ العُلُوّ

تظهر صيغة «إلاها علايا» في إعادة بناء نص الصلاة، ويحيل لقب العلي إلى معنى الارتفاع والسيادة في اللسان الآرامي. وتصلنا هذه الصيغة ضمن نص متقطع؛ لذلك يقرأها القارئ مع الأقواس التي تبين ما بقي وما اقترحه التحقيق.

وتتحدد قيمة المقارنة من اجتماع مضمون التسبيح مع لغة العلو في المصادر التي نقرؤها. فلا نطلب من لفظ مرمم وحده أن يثبت هوية المعبود أو عقيدة الملك كلها؛ بل نقرأه ضمن مجموع النقوش وخبر الصلاة.

تعطي نقوش حران سين ألقاب السيادة على الآلهة، ونضع إلى جوارها لغة تعظيم الإله في الصلاة. هذا التقابل هو موضع القراءة: هل تخفي اختلافات الأسماء أصلاً في معنى العلو؟ لا يثبت اللقب وحده أن مؤلفي النصين قصدوا العقيدة نفسها، ولا يصح الجزم بأن الرواية القمرانية مستقلة عن كل ذاكرة بابلية.

ونقرأ القمر رمزاً للقدر والحساب والنور المستمد، مستحضرين بيان القرآن لمنازله ووظيفته في معرفة السنين. هذا تأويل للرمز في إطار الكتاب؛ أما الوثائق البابلية فتضعه أيضاً في العبادة والتقويم معاً. ومن ثم لا نختزل المعبد في مرصد فلكي ولا نجعل الرمز في كل عصر مساوياً لعبادة الجرم لذاته.

إيهولهول: بيتُ الهلال، وطريقُ سِين إلى يثرب

ويسمى معبد سين في حران، الذي رممه نبونيد، «إيخلخل» (é-ḫúl-ḫúl)، ومعناه السومري المعروف «بيت الفرح». وتستوقفنا إلى جانبه مادة ه-ل-ل في العربية، حيث يجتمع الابتهاج والاستبشار، والهلال، والتهليل. فنقابل الفرح في اسم المعبد بالفرح برؤية الهلال، رمز سين، ثم بذكر الله عند استقباله. والسومرية تختلف في أصلها اللغوي عن العربية؛ فالمقارنة هنا صوتية ودلالية نستعين بها في قراءة الرمز. ومن هذا الوجه نسميه في تأويلنا «بيت الهلال والتهليل»، وننظر في استمرار الصلة بين الهلال والتقويم والعبادة في حياة المسلمين.

يبلغ تعظيم سين في نقوش نبونيد منزلة عليا، ومن هنا ننطلق إلى قراءته في أفق التوحيد. ويظل وصف السيادة على آلهة أخرى قابلاً في الدرس التاريخي لقراءة مختلفة. لا تُحسم المسألة باستبدال ترجمة بأخرى، بل بمجموع النصوص والطقوس والرموز التي نبحث عمّا كان يقصده أصحابها.

وتذكر مسلة حران محطات رحلة نبونيد ومدة مقامه في شمال الجزيرة: «على الطريق إلى تيماء، وددان، وفدك، وخيبر، ويديع، حتى يثرب؛ عشر سنين تنقلت بينها». ويعزو الملك في لغته الدينية هذه الحركة إلى توجيه سين. وتمنحنا أسماء المواضع أساساً وثائقياً للمجال الذي ندرسه: بابل وحران وتيماء والحجاز، حتى يثرب التي ستعرف لاحقاً بمدينة النبي ﷺ. وتلفت المقارنة إلى أن تيماء وددان، أي العلا، وفدك وخيبر ويثرب صارت أيضاً مواطن جماعات من بني إسرائيل في عشيّة البعثة. وسنفصل أخبار هذه المحطات في الفصل التالي، لننظر في الصلة بين الطريق المنقوش وما حفظته الذاكرة الدينية عنها.

«شِيار» الجاهليّ و«السبت» الساميّ ـ شَبَكةُ اليَوم السابع

ويتصل بالتقويم شاهد آخر هو أسماء أيام الأسبوع. ونبحثه ضمن شبكة من المصطلحات السامية التي تصف دورات الزمن وأيام التوقف، مع اختلاف وظائفها وأصولها. ويتضح ذلك في الأمثلة الآتية:

  • في الأكدية، يشير šapattu في استعمال معروف إلى منتصف الشهر، يوم البدر، وليس إلى السبت الأسبوعي ببساطة.
  • في العبرية، «شَبّات» يوم الكف عن العمل في دورة أسبوعية. تُبحث صلته التاريخية بالمصطلح البابلي، ولا يفترضها تقارب الصوت وحده.
  • في العربية، السبت من س-ب-ت، بمعنى الانقطاع والراحة في المادة المعجمية، وليس من جذر مضاعف «سبّ».
  • أما «شيار» فاسم تذكره المعاجم لليوم في تسمية عربية قديمة؛ يحتاج تحديد أصله وصلته بالعدد سبعة إلى شاهد لغوي مستقل.

ومن الشواهد العربية على «شيار» بيتان منسوبان إلى النابغة الذبياني، المتوفى نحو ٦٠٤م: «أؤمل أن أعيش وأن يومي / بأول أو بأهون أو جبار ـ أو التالي دبار فإن أفته / فمؤنس أو عروبة أو شيار». وتأتي الأسماء بحسب ترتيب الأسبوع: الأول للأحد، والأهون للإثنين، وجبار للثلاثاء، ودبار للأربعاء، ومؤنس للخميس، وعروبة للجمعة، وشيار للسبت. وقد نوقش ثبوت البيتين بصيغتهما الكاملة، لكن «شيار» محفوظ كذلك في المادة المعجمية، ومن مجموع ذلك نتتبع التسمية القديمة.

وما نستفيده هنا هو اتصال تقويم الجزيرة بذاكرة الألسنة السامية، مع اختلاف الأسماء وصور الاستعمال. فذكر السبت في البيئة العربية والقرآن يدخل في تاريخ تقويمي وديني أوسع، يجمع ألفاظ الراحة والتوقف بما حفظته التوراة وما يُقارن به من مواد بابلية. ومن هذا المجال المشترك نبحث الصلة، مع التمييز المتقدم بين السبت الأسبوعي وموعد البدر.

المِسَلّةُ نفسُها تَقول أكثَر: نُزولٌ لم يُكتَب، وجُندٌ مَأمورون، ودَعوةُ «ابني»

ونعود إلى مسلة حران، فإلى جانب خط الرحلة ثلاثة مواضع يتصل معناها بموضوع الكتاب. نعرض ما تقوله، ثم نبين وجه قراءتنا له:

أولها وصف فعل سين العظيم بأنه «لم يعرفه أحد»، و«لم ينزل منذ الأيام البعيدة إلى الأرض»، ولم يره أهل الأرض أو يُكتب على لوح ويُودع للأبد. ثم يأتي الخطاب «وقد نزلت من السماء في زمن نبونيد». ونقرأ في هذا الوصف اقتران النزول بظهور معرفة لم تكن مدونة. ومنه نقارن لغة النقش بما سنبسطه في الفصل الرابع والعشرين من فهم النزول حركةً في المعرفة؛ فالعبارات هنا من سجل الملك، وصلتها بتأويل النزول هي وجه نظرنا فيها.

وثانيها وصف علاقة سين بسائر المسميات الإلهية في النقش. فهو يذكر شمش وعشتار وأدد ونرگال، ثم يجعلهم ينفذون أمره، ويصف شمش بإتمام أمر ننار، «الأب الذي خلقه»، ويذكر ارتعاد الأنوناكي أمام سين. فنجد سلطة عليا ومخلوقين مأمورين، ونقابل هذه البنية بوصف الملائكة في القرآن: عباد مكرمون يعملون بأمر الله (الأنبياء ٢٦-٢٧)، ولا يعصونه فيما أمرهم (التحريم ٦). ونتذكر كذلك ما يرويه القرآن عن عبادة الملائكة (سبأ ٤٠)، ووصف عباد الرحمن بالإناث (الزخرف ١٩)، عند قراءة أسماء مثل عشتار. ومن هنا نقترح فهم بعض هذه الصور على جهة القوى المأمورة. أما التحقيق الأكدي فيسميها آلهة وفق فئتها في النص، وتبقى القرابين المقدمة لها جزءاً من المادة التي ينبغي تفسيرها. فنحن نعرض قراءة توحيدية لمراتبها، ونميزها من إثبات خلو كل ممارسة بابلية من الشرك؛ إذ قد يُعبد المأمور نفسه من دون الله.

وثالثها صيغة البنوة في خطاب من يأتي بعد الملك: «أياً كنت ممن يسميه سين ملكاً ثم يدعوك: ابني». فهي بنوة تتصل هنا بالدعوة إلى الملك والاصطفاء له، في نقش من القرن السادس قبل الميلاد، وهو زمن عيسى المقترح في الكتاب. وقد افتتح نبونيد كلامه بصيغة تقرب هذا المعنى: «أنا نبونيد، ابن وحيد لا أحد له، لم يكن الملك في قلبي؛ فدعاني سين ملكاً». واجتماع الدعوة والبنوة هو ما يهمنا في مقارنة لغة التكليف.

وتبين هذه الصيغ أن لفظ الابن كان يؤدي في اللغة الملكية الدينية معنى الاختيار والتكليف. ومن هنا نفهم إمكان تحوله، عند الانتقال إلى لسان آخر وإلى مصطلحات فلسفية جديدة، إلى قول في الطبيعة والجوهر. فهذا التحول في مقام اللفظ هو الذي نتتبعه في تاريخ العقيدة. ونستعين بمسلة حران شاهداً أقدم من نيقية بنحو تسعة قرون، ثم نبحث الفتنة المتصلة بالبنوة في فصل سورة الكهف. أما انتقال العبارة من هذا النقش بعينه إلى نص إنجيلي فله حاجة إلى سند آخر لا نزعم امتلاكه.

ومَصدَرُ الثَلاثة نَصٌّ واحد: مِسَلّة حرّان H2 (نبونيد ٤٧، النَصّ Q005444) في مَشروع RIBo التابِع لـ ORACC، تَحقيق Weiershäuser وNovotny ضِمن RINBE 2، عن تَحقيق Schaudig في AOAT 256، بتَرخيصٍ حُرٍّ مَفتوح.


نبونيد الحافِر: ما وَجَدَه تَحتَ سِبّار، ولِماذا يَعنينا

ومن أبرز أفعال نبونيد بحثه عن أسس المعابد القديمة عند ترميمها. وتسجل أسطوانته المكتشفة في سبار العثور على نقوش نارام سين وشغركتي شورياش، مع تقديرات للمدد الفاصلة بينهم وبينه. هنا ملك يتوجه إلى الماضي ليستعيد بناءه وذكر أصحابه. وتلك وظيفة مهمة في صورتنا للمسيح: وارث لتراث سابق، يطلب استعادته وإحياء معناه. (أسطوانة نبونيد، المتحف البريطاني، 1882,0714.1025.)

يحمل اسم نرام-سين معنى «محبوب سين». وتقدم نقوشه، ومنها نقش بستكي، مادة عن منحه مكانة إلهية في أكد واستعمال العلامة الإلهية مع اسمه. نعيد سؤال معنى تلك المكانة: هل كانت ادعاء استقلال عن الإله، أم تكريساً وتمثيلاً للسلطان المقدس؟ نميل إلى الوجه الثاني في قراءة الكتاب، لكنه تأويل يخالف القراءة الشائعة للتأليه. ولا يكفي وجود إله أعلى فوق الملك لنفي كل معنى إلهي عنه في منظومة أصحاب النقش. كذلك ندرس تعبير الحثيين عن موت الملك بأنه «صار إلهاً» في سياقه، ولا نستبدل به ترجمة «صار إلى الله» على أنها نصه الحرفي.

وتحفظ الذاكرة الرافدية صوراً متباينة لنرام-سين: ملكاً في نقوشه، وشخصية في «لعنة أكد» وأدب كوثا. يتيح ذلك بحث كيف تعيد الرواية اللاحقة تشكيل سيرة ملك. لكن التسمية العامة لأدب النُّرُو لا تجعل نقش أدد-غوبّي قصة متخيلة من النوع نفسه تلقائياً؛ فالنوع الأدبي وزمن النص ووظيفته أمور تُفحص قبل الحكم على الخبر.

عيسى والأثر الموروث

وتحفظ رواية في «التيجان في ملوك حمير» خبراً عن تابوت تتوارث الجماعة حفظه، ثم تذكر وصوله إلى عيسى من كعب بن لؤي. يلفت هذا الخبر النظر إلى وظيفة عيسى بوصفه متلقياً لميراث سابق. وفي «الإكليل» خبر موازٍ عن إخراج التابوت وحفظه، لكن العبارة التي تسمي عيسى وكعباً موضعها الذي نرجع إليه هنا هو «التيجان». (التيجان، ص٢١٧ في الطبعة المعروضة.)

حين نضع هذا إلى جوار بحث نبونيد عن آثار السابقين، يظهر سؤال أوسع من التشابه في المرض والشفاء: هل تحفظ الروايات ذكرى رجل استعاد تراث الأنبياء وجدّد العهد به؟ نبحث أسماء حَمَلة الأثر وتسلسل الخبر، ونقابلها بما تسميه النقوش. ولم يرد في الخبر أن التابوت هو وديعة نارام سين، كما لم تسمِّ الأسطوانة موسى أو هارون؛ فهذه صلات نختبرها، وتبقى وظيفة الاسترجاع هي وجه المقارنة الواضح بين المادتين.

تقدير الأزمنة في نقش الملك

ويضع التأريخ المعتمد اليوم حكم نارام-سين نحو ٢٢٥٤ـ٢٢١٨ ق.م، وحكم نبونيد بين ٥٥٦ و٥٣٩ ق.م. فبينهما نحو سبعة عشر قرناً، بينما يذكر تقدير نبونيد اثنين وثلاثين قرناً. ويتيح هذا الفرق أن ننظر على حدة في خبر العثور على الأثر وفي الحساب الذي أُلحق به.

يفتح هذا الفرق سؤالاً عن طريقة احتساب الأزمنة القديمة ومصادر الملك في تقديره. ولا يستقيم اختيار أحد التاريخين لمجرد أنه يخدم فرضيتنا؛ بل ننظر في سلاسل الملوك والوثائق التي بُني عليها كل تقدير.

وتظل العبرة واضحة: وجود الأثر الذي رآه الملك أمر، وحساب الزمن الذي مضى عليه أمر آخر. يمكن أن يصح وصف الاكتشاف ويختلف تقدير عمره. ولهذا نقابل التسلسل الذي تقترحه الرواية بالوثائق، ونترك باب المراجعة مفتوحاً في كل منهما.

وقد ينشأ تضخيم المدد من جمع سلالات متعاصرة على التوالي، أو من أرقام موروثة، أو من غرض في تعظيم قدم المعبد. هذه احتمالات لفهم الحساب، ولا نعيّن أحدها سبباً في هذا النقش من غير تتبع قائمته ومصادره.

خيط زكريا: التثليث الزمني

يقترح الكتاب أن زكريا القرآني هو صاحب السفر، ويقرأ مريم في النسب الهاروني. أما افتتاحية سفر زكريا فتؤرخ الرؤى بالسنة الثانية لداريوس، أي نحو ٥٢٠ ق.م. وهذا يضع النص بعد نهاية حكم نبونيد سنة ٥٣٩ ق.م، ولا يعيّن بداية حياة صاحبه. لا ننسب المطابقة إلى إجماع المفسرين؛ فهي جزء من البناء الذي نختبره هنا.

يبقى في هذه المطابقة سؤال حقيقي: إذا كان زكريا كافل أم نبونيد، فكيف نصل ذلك بزمن الرؤى المسجل في السفر؟ يلزم بحث عمر الشخصية وطبقات الأخبار وهوية أصحاب الأسماء، وقد يفضي ذلك إلى مراجعة ترتيبها أو تأريخ بعض طبقاتها. نحفظ السؤال في موضعه، لأن النسب وحده لا يزيل الفارق بين الوقائع.

وتعيننا افتتاحيات الأسفار على تحديد موضع البحث. فسفر زكريا يبدأ بنسبه إلى برخيا بن عدّو، ويؤرخ كلامه بالسنة الثانية لداريوس (١: ١)؛ ويختصر عزرا النسبة إلى عدّو (٥: ١)، ويذكر نحميا عدّو وزكريا في سياق البيوت الكهنوتية (١٢: ٤، ١٦). وبين نهاية حكم نبونيد سنة ٥٣٩ وبدء الرؤى المؤرخة سنة ٥٢٠ تسع عشرة سنة، لكن كفالة أمه تعود بنا إلى جيل أقدم من بداية ملكه. فالبحث المطلوب يتناول تاريخ الأسرة كله: زمن الأم، وزمن الكفالة، ثم زمن الرؤى، مع تعيين من تتحدث عنه كل طبقة. وهذا أوضح من نقل تاريخ حياة زكريا كله إلى تاريخ أول رؤيا مسجلة باسمه.

الأكيتو: صَفعةُ الكاهنِ و﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾

وتكرر حوليات نبونيد، عند ذكر غيابه عن بابل، أن عيد الأكيتو لم يُقم. ويأتي وصف تعطله بلفظ baṭil، الذي نقارنه بالعربية «باطل» وجذر ب-ط-ل. غير أن أهمية الخبر تتجاوز اللفظ إلى علاقة حضور الملك بإقامة الشعيرة.

ففي مراسم الأكيتو يجدد الملك صلته بالمقدس وشرعيته السنوية. ينزع كاهن مردوخ الأكبر عنه شارات الحكم، الصولجان والخاتم والهراوة والتاج، ثم يصفعه ويجره من أذنيه ليجثو أمام الإله. ويعلن الملك براءته من الذنب وإهمال المعبود وتخريب بابل، ثم ترد إليه الشارات ويصفع ثانية، وتُقرأ دموعه علامة رضا. ومن هذه المراسم نفهم مقدار الدور الذي يؤديه الكهنوت في تثبيت الملك كل عام.

وبغياب نبونيد نحو عشر سنوات تعطل هذا التجديد، مع بقائه ملكاً. فكان يستطيع إدارة سلطانه من خارج بابل، بينما تنقطع الشعيرة التي يتوسط فيها الكهنة لتثبيته. ونقرأ اختياره الإقامة بعيداً عنها في ضوء المهمة التي رأى أنه خرج من أجلها، وما يكشفه ذلك عن ترتيب السلطات في نظره.

ونقابل هذه العلاقة بخبر بني إسرائيل في سورة البقرة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٢٤٦). فطلب الملك يتوجه إلى النبي، ثم يأتي جوابه ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ (البقرة: ٢٤٧)، ويعترض القوم فيبين لهم وجه الاختيار. وفي هذا الخبر أيضاً يستمد المنصب السياسي سنده من جهة مقدسة، ويتوسط النبي في إعلان صاحبه.

وتساعدنا المقارنة على فهم أحد وجوه صراع نبونيد مع كهنة مردوخ. فالخلاف يتصل بالعقيدة، ويتصل أيضاً بمن يملك منح الشرعية وتفسير الإرادة المقدسة. ولهذا نقرأ هجاء الملك في ضوء خصومة أصحاب المنصبين، ونبحث مصالح الرواة قبل أن نتخذ أوصافهم خبراً عن صحته العقلية.

الملك والنبي

وقد يتساءل القارئ عن اجتماع الملك والنبوة. وفي أخبار داود وسليمان عليهما السلام مثالان واضحان لرجل يجمع الحكم والوحي. فالتاج والرسالة يجتمعان في التصور السامي القديم، ولكل منهما عمله في حياة صاحبه. ومن هذا الباب نفهم نبونيد في أطروحتنا، ونبحث صفته الدينية مع سلطانه السياسي.

ومن ثم تبرز أهمية السؤال عمن كتب أخبار نبونيد ولأي غرض كتبها. فقد قاوم مؤسسة كهنوتية لها سلطانها، وحفظ أدب خصومه عنه صورة الرجل المضطرب والمعادي للآلهة. ونحن نقرأ أفعاله حركة إصلاح تتجه إلى تعظيم العلي، فنقابل السجل الذي يفسر به مهمته بالسجل الذي يهجوه. وبهذه المقابلة يمكن تتبع أثر السلطة في صورة الرجل التي وصلت إلى الأجيال التالية.

نبونيد وتيماء: الطبقةُ الأولى من الشُّبهة

وفي ضوء المطابقة التي نقترحها تصبح خصومة كهنة بابل أول طبقات الالتباس حول عيسى نفسه. فنبونيد الذي أقام في تيماء نحو عقد، وظل يفسر مهمته دينياً، ظهر في أخبار خصومه ملكاً هارباً من واجبه ومضطرب الرأي. ونقرأ وراء هذا الوصف صراعاً مع مصلح عظم الإله العلي فوق مردوخ. وهكذا تباعدت في الذاكرة صورة الرجل عن المعنى الذي حمله عمله، وفق فهمنا لسيرته.

ثم نرى طبقة أخرى من التحول بعد قرون: انتقال أخبار هذا المعلّم إلى سيرة يسوع الناصري في القرن الأول الميلادي، واجتماع الصورتين تحت لقب المسيح، ثم تفسيرهما في اللاهوت البولسي والنيقي بصورة الابن المتجسد. فالتشويه في الرواية البابلية والتأليه في الرواية اللاحقة، على اختلافهما، أبعدا القارئ عن الأصل الذي نطلبه: النبي الموحد الذي حفظ القرآن اسمه ومعنى رسالته.

ومن تيماء إلى الجماعات التي روت أخبار المسيح، نبحث انتقال السيرة وتحول صورتها. «المسيح» و«المسيخ» عنوانان لهذا الفرق في قراءتنا؛ أما الوسائط التاريخية فهي الرحلة والتعليم والرواية ثم سلطة العقيدة. وتظل آثار نبونيد باقية، بينما نرى أن معرفته نبياً وملكاً من سيرة عيسى هي التي احتجبت.

خَمسُ بَراهين على الإطار الزَمنيّ المُقتَرَح (القَرن السادس ق.م)

ونجمع الآن ما يتصل بالتأريخ في خمسة أبواب. فدعوى أن عيسى عاش قبل التأريخ المألوف بنحو ستة قرون تحتاج إلى أن يرى القارئ مصادرها وكيف تتصل، وأن يعرف ما يؤديه كل شاهد في بنائها:

(١) ملف زكريا: يفتح السفر والقرآن مقارنة بين البيت الكهنوتي والرسالة، مع بقاء الفجوة الزمنية التي شرحناها. فالمطابقة مقترح نبحث تفاصيله، ولا يصح أن نستخدمها دليلاً مستقلاً قبل استكمال هذه التفاصيل.

(٢) صلاة نبونيد 4Q242: تحفظ شذراتها الآرامية من كهف قمران الرابع قصة الملك المريض في تيماء، وحضور رجل من بني إسرائيل من جماعة المنفيين، واتصال المغفرة بالشفاء. والقصة تُنسب إلى عصر نبونيد في القرن السادس قبل الميلاد، وإن كانت المخطوطة متأخرة عنه. وتجمع لنا بذلك الزمن والمكان والبيئة الدينية التي نقترحها لعيسى. وفي تعيين الأدوار نجعل عيسى هو الملك الذي شُفي، ونقترح أن الرجل غير المسمى هو يحيى. أما الشفاء والمغفرة فهما موضوع المقارنة بالوظيفة الدينية في تقاليد المسيح، مع حفظ التمييز بين الشخصين.

(٣) ومن الشواهد اللغوية النقش الصفائي الذي درس الجلاد والمناصر صيغته ʿsy في سياق اسم المسيح قبل الإسلام. يفيد في تاريخ تداول الاسم، ولا يؤرخ عيسى إلى القرن السادس قبل الميلاد، ولا يثبت اشتقاقه من ع-ي-ش. نضعه لذلك في موضعه من الحجة: شاهد على الصيغة، ثم نبحث نحن دلالتها وصلتها بالهوية.

(٤) الفترة من الرسل: يصف القرآن مجيء الرسول بعد فترة، فنقرأ ذلك في ضوء ما نقترحه من طول المسافة بين عيسى والبعثة الخاتمة. واللفظ يصف الانقطاع، ولا يحمل عدداً للسنوات؛ لذلك يدخل في فهم المرحلة ولا يقوم مقام وثيقة تؤرخها. وفي الفصل الرابع والعشرين نعود إلى الفرق بين انقطاع حضور الرسالة وبقاء آثار تعليمها.

وخلال هذه المسافة نتصور أن تعليم المسيح بقي في جماعات وطرائق، وأن بعض سيره انتقل إلى ألسنة أخرى وبعضه امتزج بسيرة يسوع. فالانقطاع لا يعني خلو العالم من المؤمنين والحكمة، بل احتجاب الأصل وتفرق طرق معرفته. ثم تأتي الرسالة الخاتمة في قراءتنا لتصحح الصلة بالله وترد كمال الإنسان إلى الهداية والأخلاق.

(٥) البيئة: النخلة والمحراب والأسرة الدينية وأسماء الأشخاص تدعونا إلى بحث الفضاء السامي الممتد بين الرافدين وشمال الجزيرة والشام. والنخيل معروف خارج الحجاز أيضاً؛ لذلك تتعين الجغرافيا عندنا باجتماع الأخبار والنقوش، وفي قلبها حضور نبونيد في تيماء.

من هذه الخيوط تتكون قراءة الكتاب للقرن السادس قبل الميلاد. يحدد سجل نبونيد زمن الملك الذي نقترح مطابقته بعيسى، وتضيء بقية المواد الأسرة والبيئة والذاكرة. وتختلف وظيفة كل خيط، فلا يكون الافتراض الزمني شاهداً على نفسه، بل موضوعاً للمقارنة بكل ما نجمعه.

واستفدنا من محمد مصطفى منصور في الوصول إلى أخبار وأسماء وقراءات، ومنها خبر التابوت المتقدم. وتقاطع اهتمامه بعيسى الأقدم مع سؤالنا يوسع مجال المقارنة، لكنه لا يجعل تأريخه تأريخ نبونيد. نأخذ كل خبر إلى مصدره، ونقرأه داخل البناء الذي تفرضه مادته.


المرساة الزمنية: إعلان صريح لإطار هذا الكتاب

الإطار الذي نختاره لهذا البحث هو القرن السادس قبل الميلاد ومجال بابل وحران وتيماء والواحات المتصلة بها. وفيه نطابق عيسى بنبونيد ومريم بأمه، ثم نتتبع الأخبار التي تفرقت في تقاليد لاحقة. لا نفترض أن كل جماعة عبرت الواحات رافقت الملك نفسه، بل نبحث حلقات انتقال الذاكرة بين هذه المواضع.

حين نقول «عيسى» في هذا الكتاب فالمقصود النبي الملك الذي نبحث عنه في سجل نبونيد، وحين نقول «يسوع» فالمقصود الرجل الصالح اللاحق الذي نُسبت إليه أخبار من تلك السيرة. وبين الرجل وبين اللاهوت الذي تشكل باسمه مسافة يحققها الكتاب. بهذا التمييز ندخل تيماء: المكان الذي يمكن أن يجمع الاسم والأثر والخبر في مشهد واحد.

ونعود في ختام الفصل إلى الطبقات الثلاث التي ميزناها في المقدمة: بنو إسرائيل، والشريعة الموحاة، واليهودية بوصفها حركة تاريخية. فالأفق الذي نبحثه في القرنين السادس والخامس ق.م يضع عيسى في ميراث الشعب وشريعته، قبل تبلور الحركة التي ربطناها بالعصر الحشموني بأكثر من ثلاثة قرون. وعلى هذا يبقى انتسابه إلى بني إسرائيل محفوظاً، مع قراءة زمنه بحسب الإطار الذي نقترحه. ويعرض الملحق التاسع الشواهد الأثرية التي نستفيد منها في تمييز تاريخ الميراث من تاريخ مؤسساته المتأخرة.

الفصل ٦ ـ تيماء: الواحةُ التي تعرف أكثر ممّا تقول

يرد اسم تيماء في الإصحاح الحادي والعشرين من إشعياء، في نداء إلى أهل الواحة: «يا سكان أرض تيماء، وافوا الهارب بخبزه، فإنهم من أمام السيوف قد هربوا». ويصور الخبر، المنسوب إلى القرن الثامن قبل الميلاد، أناساً تخرجهم الحرب من ديارهم، ويطلب لأجلهم الماء والطعام في تيماء. ونقرأ في اختيارها لهذا النداء ما يدل على مكانها في طرق البرية ومعرفة الناس بها ملاذاً ومقصداً. كما نفهم من «وافوا» المبادرة إلى لقاء الهارب وإعانته؛ فتظهر الواحة في النص جزءاً من حياة الناس وصلاتهم، إلى جانب وظيفتها التجارية.

ونقابل اسم تيماء بمادة ت-ي-م في العربية، ومنها التتيم والمتيم وتيم الله، حيث ترد معاني التذلل والانقياد والتعبد. ومن هذا الوجه نقترح قراءة الاسم وصفاً لموضع العبادة والانقطاع. وتنسجم هذه الدلالة، في فهمنا، مع صورة الواحة في البرية، ومع ما نبحثه في أخبارها ونقوشها من حياة دينية. فكما نتتبع وظيفة المكان في التاريخ، ننظر فيما قد يحتفظ به اسمه منها.

خطّ جغرافي واحد

ولنضع تيماء في الخريطة الأوسع للبحث. نجد نبونيد في الوثائق ملكاً لبابل مقيماً في تيماء، ونجد في صلاة نبونيد 4Q242، المحفوظة بقمران، خبر رجل من بني إسرائيل اتصل بمحنته وشفائه. وإلى الشمال حران بما حفظته جماعتها الصابئية من تراث سامي، وفي حرة الشام وحوران النقش الصفائي الذي قُرئ فيه ʿsy. فهذه مواضع متصلة بطرق تمتد من العراق عبر بادية الشام إلى الحجاز، سلكها التجار والرعاة والمتعبدون. ونبحث في هذا المجال ما يمكن أن يصل أخبار المعلّم السائح التي عرضناها في الفصل الرابع بسجل نبونيد.

وقد طرح ج. ر. س. ميد (G.R.S. Mead) سؤال التأريخ في كتابه «هل عاش يسوع سنة ١٠٠ قبل الميلاد؟» (Did Jesus Live 100 B.C.?) سنة ١٩٠٣م، مستعيناً بنصوص غنوصية ومسيحية مبكرة. ولم يحظ عمله بقبول واسع في الدراسات السائدة، ونوقشت مصادره وأدواته والنتائج التي استخرجها منها. ويهمنا ذكره هنا باعتباره من الباحثين الذين أعادوا سؤال زمن المسيح ومكانه إلى النقاش. أما إطار هذا الكتاب فيقوم على المقارنة التي نجريها نحن، ويظل عمل ميد جزءاً من تاريخ السؤال.


نبوخذنصر في الجزيرة

وتسبق نبونيد أخبار حضور بابلي في الجزيرة. يروي الطبري في «تاريخ الرسل والملوك» حملات لنبوخذنصر الثاني على تيماء وددان ومواضع أخرى، ويحفظ ابن الكلبي في «الأصنام» أخباراً تتصل بهذا الحضور. ويذكر إرميا ٢٥ «وكل ملوك العرب وملوك الممالك التي في المجاورة» في سياق كأس الغضب المرتبط بنبوخذنصر. ونقرأ هذه المواد مع خبر حملته سنة ٥٩٩/٥٩٨ ق.م، قبل إقامة نبونيد بنحو نصف قرن. فهي تضع اختياره لتيماء في سياق صلات أقدم بين بابل والجزيرة، وتدعونا إلى بحث ما سبق مقامه من نشاط عسكري وإداري في الواحات.

الممر الثلاثي: تيماء-خيبر-يثرب

تصل طرق شمال الجزيرة تيماء بخيبر ويثرب، وتحفظ نصوص وأخبار متفاوتة الزمن حضور جماعات من بني إسرائيل في هذا المجال. غير أن زمن توثيق نبونيد في تيماء لا يصبح تلقائياً تاريخ استقرار كل الجماعات في الواحات الثلاث. نقرأ الشريط الجغرافي طريقاً محتملاً لاستمرار المعرفة، ثم نبحث لكل موضع شواهده وحقبته.

يحفظ تاريخ شمال الجزيرة أخبار جماعات من بني إسرائيل وطرق انتقال بين بابل والواحات. لكن تتبع أسرة أو مدرسة واحدة من زمن نبونيد إلى زمن البعثة يحتاج شواهد تتجاوز تعاقب السكان في المكان نفسه. الذي نراه هنا هو بقاء البيئة القادرة على حمل الذاكرة: الواحة، والطريق، والجماعات المتعبدة، وصلاتها ببلاد الرافدين. ومن هذه البيئة يبدأ بحثنا عن انتقال خبر المسيح، دون أن ننسب إلى تيماء أول ترجمة عربية للكتاب المقدس بلا مخطوط مؤرخ يدل عليها.

تتيح رموز النور وألقاب الإله في تيماء والنقوش الصفائية مقارنة واسعة بلغة القرآن، مع اختلاف الشواهد والأزمنة. وتضاف إليها صورة الجماعات المتفرغة للمعرفة والعبادة، مثل الثيرابيوتاي التي وصفها فيلون في مصر. يدل اسمها على الخدمة أو المعالجة بحسب الاشتقاق الذي يناقشه، ولا يثبت وحده ممارسة طب بعينه أو اتصالاً مباشراً بيحيى. ما نبحثه هو إمكان استمرار طريق يجمع تزكية النفس والمعرفة والشفاء.

ويستحق اسم يثرب أن يُقرأ في صوره القديمة، ومنها الصورة الواردة في نقوش نبونيد، لا في تهجئة حديثة وحدها. اختلاف نقل الصوت الأول بين اللغات باب للمقارنة، لكنه لا يؤسس قاعدة عامة تقلب كل ألف آرامية ياء عربية. لذلك سنبحث الصلة الممكنة بين أسماء الإيسيين والعيسويين في سياقها الديني واللغوي معاً، ولن نجعل اسم يثرب برهاناً مستقلاً على تلك الصلة.

وادي النخلة

﴿فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة﴾: النخلة في المشهد القرآني شجرة تمسك مريم بجذعها، ويأتيها منها الرطب. وفي الوقت نفسه يلفت الاسم نظر من يبحث عن مواضع تحمل اسم النخلة. يفتح هذا باب السؤال الجغرافي؛ أما التعريف بالألف واللام وحده فلا يعيّن وادياً بعينه.

ووادي نخلة من المواضع المعروفة بين مكة والطائف. يستحق حضوره في الأخبار المقارنة، لكن النخيل لا يختص بالحجاز؛ فهو حاضر أيضاً في العراق والشام وواحات أخرى. لذلك يبقى وصل مشهد الميلاد بهذا الوادي احتمالاً نختبره مع بقية العلامات، ولا نعد وصول نبونيد إلى مكة أو مولده فيها أمراً ثبت لنا.

وترد في المصادر الإسلامية أخبار تتقاطع حول هذا المجال. نقرأ كل خبر بسنده وسياقه، ونستفيد من تقاطع التفاصيل دون افتراض استقلال الروايات لمجرد اختلاف أسماء الكتب.

أول هذه الأخبار عند ابن الكلبي (ت 204 هـ) في «الأصنام». فهو يجعل حرم العزى في بطن نخلة، ويصف ثلاث سمرات، أي شجرات أكاسيا، ارتبطت في الرواية بالشيطانة التي عبدتها قريش وكنانة وأهل مكة. ويحدد الموضع بقوله: "وكانت العزى بواد من نخلة الشآمية يقال له حراض، بإزاء الغمير، عن يمين المصعد إلى العراق من مكة." ثم يروي إرسال النبي ﷺ خالد بن الوليد لقطع السمرات وهدم البيت. وتفيدنا الرواية في معرفة مكانة الوادي الدينية عند قريش، وما اجتمع فيه من حج وذبح وأخبار مقدسة قبل الإسلام.

والخبر الثاني في سيرة ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ). ففي رجوع النبي ﷺ من الطائف يذكر وقوفه للصلاة ليلاً ببطن نخلة، وسماع نفر من الجن قراءته، ثم رجوعهم إلى قومهم منذرين. يقول: «حتى إذا كان ببطن نخلة قام يصلي من الليل، فمر به نفر من جن أهل نصيبين، فاستمعوا له». ونقابل أصل الحدث بقوله تعالى «وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا» (الأحقاف: ٢٩). فتدخل نخلة في السيرة موضعاً لتلقي الرسالة، إلى جانب ما حفظته الأخبار عن مكانتها الأقدم. ومن اجتماع هذه المواد نبحث استمرار الذاكرة الروحية في هذا المجال.

ولفظ «شرقياً» يحدد جهة بالنسبة إلى موضع أهل مريم، ولا يسمّي ذلك الموضع. فإذا بحثنا في حران أو العراق أو شمال الجزيرة وجب أن نضع كل احتمال على خريطته، وأن نفحص ما يفسره من الخبر. الجهة قرينة ترافق المكان، وليست اسماً بديلاً عنه.

وتلتقي أخبار النخلة والواحات والرحلة في رسم بيئة قريبة من جغرافيا هذا البحث. لكنها تتناول أحداثاً مختلفة، فلا يجوز جمعها كأنها ثلاث شهادات على موضع الميلاد نفسه. فائدتها أنها توسع مجال البحث خارج الموضع الذي اعتدنا حصر القصة فيه.

الرَبوةُ ذاتُ القَرارِ والمَعين: الآيةُ تَصِفُ الواحة

ويصف القرآن موضع إيواء عيسى وأمه بقوله ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (المؤمنون ٥٠). فالربوة أرض مرتفعة، والقرار موضع الاستقرار، والمعين الماء الظاهر الجاري. وقد جمع ابن كثير أقوالاً في تعيينها: دمشق وغوطتها، عن ابن عباس وعبد الله بن سلام والحسن، والرملة عن أبي هريرة، وبيت المقدس عن الضحاك وقتادة، ورجح الأخير. وهذه تعيينات لمكان وصفته الآية دون أن تسميه، في خبر إيواء الأم والابن، لا في تحديد موضع المولد. وفي العصر الحديث حملت الجماعة الأحمدية الوصف على كشمير، ونقل كرستن هذا الرأي. ويهمنا من اختلاف القراءات أن الوصف أتاح للقراء بحث الجغرافيا، وأن تعيين المكان يحتاج إلى قرائن تضاف إلى معاني ألفاظه.

وفي قراءة الكتاب مريم هي أم نبونيد؛ ومن ثم ينبغي أن تنتظم جغرافيا الأم والابن في سيرة واحدة. غير أن حران وتيماء موضعان مختلفان، وإقامة الأم في أحدهما لا تجعل كل مشاهد الميلاد والإقامة في الآخر. نحافظ على هذا الفرق حتى يتضح تسلسل الرحلة، بدلاً من سد فراغه باسم متشابه.

المهد وبداية الكلام

ويتصل بذلك النظر في قوله تعالى ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (مريم: ٢٤). فقد اختلف المفسرون في المنادي: أهو عيسى تحت أمه، أم جبريل يناديها من سفح الوادي؟ ونضع إلى جانب هذين الوجهين ما اقتُرح من قراءة لهجية شمالية تصل العبارة بالبيئة التي حفظتها النقوش النبطية. فنفحص المعنى المقترح، ثم نسأل عن سنده في اللسان وفي ترتيب القصة.

أما القراءة التي تجعل «من تحتها» اسماً لمكان، أو تجعل «المهد» لفظاً نبطياً لمعنى آخر، فتحتاج نصاً لغوياً مؤيداً قبل البناء عليها. ويظل المشهد العربي قابلاً للقراءة في دلالته المباشرة: خطاب يطمئن مريم في ضعفها، ثم كلام الطفل الذي يرد عنها التهمة.

ومن وجوه القراءة اللهجية المقترحة أن يُفهم «من تحتها» بمعنى من بطنها، فيكون النداء، على هذا الاحتمال، أثناء المخاض. ويُقرأ معه ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾، والسري في العربية النهر الصغير، ويأتي كذلك وصفاً للرجل الشريف الكريم؛ فيقترح هذا الوجه معنى الولد الشريف في حملها. ونذكره هنا بما يجمعه من الباطن والاكتنان والشرف، ثم نميز هذه القراءة المقترحة من ترتيب الخبر الصريح في النص.

ولا يقول القرآن إن عيسى تكلم قبل ولادته؛ فذكر المهد يأتي في سياق الإشارة إليه بعد أن أتت به قومها. نثبت هذا الحد في عرض المشهد، ثم نتأمل دلالة الكلام: ظهور الاختيار الإلهي منذ البداية، قبل الملك والرحلة والابتلاء.

بهذا تكون جغرافيا البحث مجالاً مترابطاً يبدأ من أخبار الأسرة والملك، ويمتد إلى الواحات التي ثبت حضور نبونيد فيها. أما تحديد كل مشهد قرآني بمدينة بعينها فيأتي بقدر ما تسمح به القرائن، دون أن يقطع الطريق على اكتشاف جديد.

فدك: الحلقة المفقودة

وتحتل فدك، Padakku في النقل الأكدي، موقعاً بين تيماء ويثرب: نحو مئة وثمانين كيلومتراً إلى جنوب تيماء، ومئة وأربعين إلى شمال المدينة. وقد نشر هاوسليتر وشاوديغ سنة ٢٠١٦م نقش الحائط، ثم أعادت هيئة التراث السعودية التعريف به سنة ٢٠٢١م. ويضيف هذا النقش شاهداً مباشراً على حضور نبونيد في المجال الذي يضم تيماء وددان وفدك وخيبر ويديع ويثرب، خلال مقامه العربي الممتد نحو عقد، بين 553 و543 قبل الميلاد.

ودخلت فدك في أخبار صدر الإسلام بوصفها مما حصل عليه النبي ﷺ من غير قتال، ثم وقع الخلاف المشهور حول حق فاطمة وأهل البيت فيها وطريقة التصرف في ريعها. وتختلف الروايات والقراءات الفقهية في الهبة والإرث والفيء. الذي يعنينا هنا هو بقاء الواحة ذاتها في قلب التاريخ الديني والسياسي، لا حسم ذلك الخلاف بعبارة عابرة.

تظهر فدك في قائمة الواحات المتصلة بنشاط نبونيد، ثم في تاريخ جماعات الجزيرة وأخبار الفيء في العهد النبوي. تتباعد هذه المحطات زمنياً، لكنها تجعل الواحة موضعاً صالحاً لبحث استمرار السكان والمعرفة. ولا نختزل حكم الفيء في ملك شخصي عادي، فله في المصادر أحكامه ووجوه صرفه وخلافه المعروف.

الحفريات: ما أخرجته الأرض

أظهرت أعمال البعثة السعودية الألمانية في تيماء نقوشاً وشواهد مادية على إقامة نبونيد ونشاطه في الواحة. وتجمع منشورات المشروع، ومنها المجلد الثاني من دراسات تيماء، المادة المسمارية وسياقات العثور عليها. ويضاف إلى ذلك نقش الملك في الحائط، وهو موقع آخر ينبغي تمييزه من حفريات تيماء. هذه الشواهد تعرض ملكاً يمارس الحكم والبناء والتعبد؛ فلا يصح اختزال عقده العربي في صورة الجنون التي اشتهرت في رواية أدبية لاحقة، كما لا يصح تأريخ كل مباني الواحة بعهده.

4Q242: المفصل الذي يربط كل شيء

تروي «صلاة نبونيد» خبر مرض الملك في تيماء سبع سنين، وتذكر رجلاً من بني يهوذا ذا دور في فهم التجربة الدينية. وصلتنا الصلاة في شظايا، وتختلف ترميمات بعض مواضعها؛ والنص لا يسمّي هذا الرجل يحيى ولا يصف تعميداً بالماء. هنا يبدأ الربط الذي يقترحه الكتاب: أن يكون هذا الدور أثراً من قصة يحيى مع عيسى، وأن تكون المحنة والشفاء وجهاً من سلوك النبي الملك إلى مولاه. وفي الأناجيل يظهر يحيى معلماً ومُعمِّداً، ويقترن تعميد عيسى بظهور الروح. إننا نقارن ملامح تجربة، ولا ننقل اسم يحيى من سطر مفقود كأنه مقروء.

وعلى هذه القراءة لم يكن نبونيد ملكاً كافراً ثم صار نبياً بعد المرض. كان مختاراً، وسلك طريق المعرفة والابتلاء على يد معلم، كما لا يمنع اختيار إبراهيم أن يتم الكلمات التي ابتلاه بها ربه. الشفاء هنا تمام مرحلة من التربية؛ ومن ذاق الرحمة صار سبباً في إيصالها إلى غيره، علماً وطباً وهدياً.

ولماذا يَذهَب مَلِكُ بابلَ إلى صَحراء؟ سابِقةٌ آشوريّةٌ بقَرنَين

ويبقى سؤال الإقامة نفسها: ما الذي حمل ملك بابل على أن يقيم عشر سنوات في واحات بعيدة عن عاصمته؟ لقد جعل خصومه هذا الغياب موضع طعن فيه. ولكي نفهم اختياره، ينبغي أن نعرف تاريخ صلة بلاد الرافدين بهذه الواحات قبل عهده.

وتحفظ الحوليات الآشورية شواهد ترجع بهذه الصلة نحو قرنين إلى الوراء. ومنها:

  • مَلِكاتُ العَرَب في الحَوليّات مُعتَرَفٌ بهِنَّ ويُتَعامَلُ معهنَّ دُوَلاً: زَبيبةُ في القَرن الثامن، ثمّ شَمسي، ثمّ يَتيعُ، ثمّ تِئلحونو كاهِنةُ أدومّاتو.
  • سِنّحاريبُ يَغزو أدومّاتو (دومةَ الجَندَل) بَين سَنَتَي ٦٩١ و٦٨٩ ق.م، فيَهزِم المَلِكةَ تِئلحونو وحَزائيل، ويَسبي آلهةَ العَرَب إلى بابل.
  • ثمّ يَرُدُّها أسرحدّونُ ابنُه مَنقوشةً بيَدِه ـ عَتَرسَمين، وعَتَرقُرُمى، ونُخَي، ورُلدايو ـ ويُنَصِّب على العَرَب تَبوعةَ، وهي امرأةٌ رُبِّيَت في قَصر سِنّحاريب، مَلِكةً عليهم.

فتظهر الجزيرة في هذه الأخبار مجالاً ذا ممالك وكاهنات ومعابد، تتعامل معه بلاد الرافدين بالحرب والعهد وإعادة المعبودات وتنصيب الحكام منذ القرن الثامن قبل الميلاد. ومن هنا نضع إقامة نبونيد في تيماء ضمن تاريخ متصل من السياسة والصلات الدينية، ثم نبحث ما أضافه هو إليه.

وتمنحنا هذه السابقة إطاراً أوسع لتفسير مقام الملك. فحضور سنحاريب وأسرحدون في أخبار الواحات وملكات العرب يجعل انتقال نبونيد إليها متصلاً بطرق وسياسات عرفتها الدولة الرافدية. ويبقى تفسير اختياره الشخصي لتيماء موضوعاً نقرأ فيه قرائن السياسة والدين والسلوك معاً.

(المَصدَر: الحَوليّاتُ الآشوريّة كما تُنشَر في الطَبَعات المُحَقَّقة لنُقوش سِنّحاريبَ وأسرحدّون؛ وأسماءُ آلهةِ العَرَب المَردودة مَذكورةٌ في نَصِّ أسرحدّون بعَينِه.)

خط التوحيد

نقترح أن تكون هذه الواحات من طرق انتقال الذاكرة التي تحفظها الصلاة وأخبار بني إسرائيل. نبدأ بإقامة ملك موثقة ورواية دينية عن محنته، ثم نبحث ما بينهما وبين الأخبار اللاحقة من حلقات. وغياب حلقة لا يجعل الطريق ممتنعاً، لكنه يبقي استعادتها عملاً مطلوباً، لا تفصيلاً نملؤه سلفاً.

وتتصل هذه المقارنة بما عرضناه عن الإيسيين (Essaioi) والجماعات التي نقرأها إلى جانب وثائق قمران. فقد استوقفتنا صلة اسمهم بالشفاء، والقراءة التي عرضناها لمادة ع-س-ا في اسم عيسى، مع بقاء العين الحلقية في العربية والآرامية وسقوطها في النقل اليوناني. ونضع إلى جانب ذلك اجتماع المغفرة والشفاء في 4Q242 وفي مرقس ٢: ٥–١١، حيث يسبق التطهر الروحي تمام الشفاء الجسدي. فالصلاة تحفظ القصة في زمن أقدم من الزمن الذي تنسب إليه الأناجيل فعل يسوع، وإن اختلف تاريخ كتابة النصوص عن تاريخ أحداثها. ومن هذه العناصر نتابع البحث في انتقال التعليم والخبر.

تيماء إذن موضع التقاء سيرة الملك بذاكرة الشفاء. ويقترح الكتاب أن هذا اللقاء يحفظ طرفاً من قصة عيسى ويحيى الأصلية، ثم يتتبع كيف انتقل أثرها في الجماعات التالية. تبقى هوية الرجل في الشظية سؤال المقارنة، أما معنى التجربة عندنا فهو ترقّي المختار في المعرفة والصبر، لا تبديل إله بإله.

ومن المكان ننتقل إلى الاسم: بأي ألفاظ حفظت الجماعات ذكر صاحب الرسالة، وكيف تغيرت الأسماء حين عبرت من لسان إلى آخر؟ هذا هو موضوع الفصل التالي.

طريقُ الواحات: من تيماء إلى يثرب

يسرد نقش حران، المنشور عند C. J. Gadd في «The Harran Inscriptions of Nabonidus» ثم في الطبعات الأحدث للنقوش الملكية، أسماء تيماء وددان وفدك وخيبر ويديع ويثرب ضمن خبر إقامة الملك في بلاد العرب. لهذه القائمة وزن لا تمنحه المشابهة اللفظية وحدها: إنها تصل سجل بابل بواحات معروفة. ويجب أن نميز بين إدراج الواحة ضمن مجال سلطانه وبين إثبات كل زيارة شخصية إليها، وبين تاريخ العثور على النقش وتاريخ نشره أو إعادة الإعلان عنه.

ويضاف إلى مسلة حران ذكر الملك في نقوش العربية الشمالية القديمة بصيغة «nbnd mlk bbl»، أي نبونيد ملك بابل، كما وثق هاني هياجنة (Hani Hayajneh) في PSAS 31 سنة ٢٠٠١. فهذه كتابة محلية تحفظ الاسم والصفة، وتصل سجل الملك بأرض الواحات نفسها. ونقرأها مع نقوشه الأخرى عند تتبع نشاطه الديني والسياسي في هذا المجال.

وهنا تتضح الصلة بالفصل الخامس. فقد ظهرت خيبر وفدك ويثرب لاحقاً مواطن لجماعات من بني إسرائيل، عرفها العرب في عشيّة البعثة، وجاور بعضها النبي ﷺ وحاوره. ونقترح أن تكون الواحات، التي تدخل في مجال حركة نبونيد، قد حملت ميراثاً توحيدياً متصلاً عبر الأزمنة. فتكون الطريق من حران إلى يثرب طريقاً لتاريخ ديني أيضاً، من تعظيم سين الذي نقرؤه تعظيماً للعلي، إلى انتظار الهداية وظهور الرسالة في المدينة. المحطات ثابتة في الشواهد، واستمرار المعنى بينها هو ما نتتبعه في أطروحتنا.

الفصل ٧ ـ التشابهات اللفظيّة الساميّة: حين تحمل الكلمة ذاكرة الحضارة

تتشارك العربية والآرامية والعبرية والأكدية والسريانية نظاماً واسعاً من الجذور الثلاثية. فمن ك-ت-ب تأتي كتب وكتاب وكاتب ومكتوب ومكتبة وكُتّاب، ومن ق-ت-ل تأتي قتل وقتيل ومقتل وقتال. وقد نجد الجذر نفسه في أكثر من لسان، مع اختلاف بعض أصواته وأبنيته. ولهذا النظام فائدته في بحثنا؛ إذ يتيح تتبع المعنى فيما وراء الصورة التي انتهى إليها اللفظ في لغة بعينها.

وسنستعمل هذه المقارنة في أسماء الأشخاص والجماعات وألفاظ العبادة. نبدأ في كل مرة بصوت الكلمة ومعناها، ثم ننظر في صلتها بالميراث الذي حملته. فالألفاظ قد تحتفظ بشيء من تاريخ الجماعات، وتعين على وصل أخبار فرقتها الروايات.

عيسى وعائشة وحواء: الحياة جذرٌ يعبر الأسماء

نعود أولاً إلى المقارنة التي اقترحناها في الفصل الثاني بين عيسى وحقل ع-ي-ش. ويتيح اسم عائشة، وهو من العيش، تقريب المعنى للقارئ العربي: الحياة وما يتصل بها من حركة وفعل. وننظر في علاقة سين عيسى بشين العيش ضمن المقابلات السامية، حيث تتقارب الصيغ وتختلف أصواتها، كما تتجاور الشمس العربية وشمشو الأكدية وشمش العبرية. فالصلة بالحياة هي وجه قراءتنا لاسم عيسى، ومنها ننتقل إلى الأسماء التي تشاركه هذا المجال.

وعائشة في العربية هي التي تعيش، وفي الاسم وصف قبل أن يصير علامة على امرأة بعينها. ونقرأ عيسى، على الوجه الذي قدمناه، بمعنى الحي المحيي. فهذا يوضح ما نعنيه بالأسماء الوصفية: أن يعرف الناس صاحب الاسم، وتبقى في تسميته دلالة تتصل بحياته أو بالدعاء له أو بالمهمة التي يؤديها. ومن هذا الباب ننظر في أسماء النصوص السامية القديمة.

ويجمع هذه المقارنة حضور معنى الحياة في اسم النبي الذي يحيي بإذن الله، وفي اسم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، القريبة من النبي الخاتم ﷺ. وهي ملاحظة في مجال الأسماء ومعانيها، نضعها ضمن ما يتكرر من صلة الحياة بالهداية في اللسان السامي.

ونجد هذا المجال أقدم من ذلك في اسم حواء، חַוָּה (حَوّاه) (Ḥawwāh)، المتصل بجذر ح-ي-ا الدال على الحياة، والذي يفسره خبر التكوين: «سماها حواء لأنها أم كل حي» (تكوين ٣: ٢٠). وقبل التسمية ترد אִשָּׁה (إيشّاه) (ishah)، المرأة بالعبرية، وهي صيغة يسمع القارئ العربي قرباً بينها وبين عائشة. ونفرق هنا بين هذا القرب في السمع وبين الاشتقاق؛ فعائشة من ع-ي-ش، ولإيشاه أصل آخر. أما دلالة الحياة في خبر حواء فصريحة في تفسير السيرة لاسمها.

فتجتمع حواء، أم الأحياء، وعيسى الذي يحيي الموتى بإذن ربه، وعائشة أم المؤمنين، في مجال دلالي تتجاور فيه ح-ي-ا العبرية وح-ي-ي وع-ي-ش العربيتان. ونقرأ هذا الاجتماع وجهاً من صلة النبوة بالحياة وإحيائها، مع احتفاظ كل اسم بجذره وتاريخه.

الشَرقُ يَقولُ «عيسى»: قَناتانِ لا تَختَلِطان

لم تتكون أسماء الأناجيل في فراغ يوناني؛ فقد نقلت أسماء سامية عبر لغات وطرائق كتابة مختلفة. والصيغة اليونانية ليسوع جزء من هذا الانتقال. أما اختلاف «عيسى» عنها فيدعو إلى بحث طريق مستقل لحفظ الاسم، وهو السؤال الذي يتتبعه الكتاب، دون أن يكفي الاختلاف وحده لإثبات هوية الرجلين أو نفيها.

ومن الشواهد القريبة المندائية الكلاسيكية، لسان الناصورائيين في جنوب الرافدين. فهي تكتب اسم يسوع ࡏࡔࡅ (إيشو)، ع-ش-و، وتُنطق الصيغة «إيشو»، بالعين في صدر الاسم، كما في معجم ماكوخ للمندائية (١٩٦٥، ص٦٤٩). ويختلف هذا الموضع عن العين في «يشوع» السريانية و«يسوع» العربية، فيقرب من ترتيب الاسم القرآني. وترد «يشو» في شذرات تورفان المانوية، بإسقاط العين الأخيرة، عند هننغ. كما ينقل آرثر جيفري في «المفردات الأجنبية في القرآن» (١٩٣٨)، عن مينغانا، ذكر دير «العيسانية» في جنوب الشام منذ سنة ٥٧١م. ونضم هذه المواد إلى النقش الصفائي ʿsy الذي عرضناه في الفصل الثاني. فهي توسع مجال البحث في الصيغة العربية خارج تفسيرها بأنها تحويل ليشوع جرى لمشاكلة موسى.

نصارى وأنصار: من أطلق الاسم؟

يبدأ هذا التقاطع من معنى النصرة في العربية: الدعم والحماية والوقوف مع الدعوة. وفي العبرية يحمل الجذر נצר (ن-تس-ر) معنى الحفظ والحراسة، وهو حقل قريب في بعض وجوهه، وإن لم يكن ترجمة مطابقة لكل مشتقات الجذر العربي. وما يستوقفنا في لقب النصارى هو اجتماع الذاكرة الجماعية بمعاني النصرة والحفظ والتكريس. ويمنح القرآن هذه المقارنة مركزها الأوضح في جواب الحواريين.

وفي سورة الصف يرد السؤال والجواب بلفظ النصرة نفسه: يقول عيسى للحواريين «من أنصاري إلى الله»، فيقولون «نحن أنصار الله» (الصف ١٤). ثم نعرف من السيرة تسمية الأوس والخزرج في يثرب بالأنصار، لإيوائهم النبي ﷺ ونصرتهم دعوته. فالمعنى الواحد حاضر في وصف الجماعتين، وإن اختلف الزمن وصاحب الرسالة.

ومن هنا نعيد سؤال اسم النصارى. فالتفسير الشائع يربطه بالناصرة، موضع سكنى صاحب السيرة الإنجيلية. ونتأمل إلى جانبه احتمال أن يكون معنى النصرة أصلاً في التسمية. فالقرآن يورد «إنا نصارى» قولاً تقوله جماعة، ثم يعرض أعمال أصحاب الاسم ومواقفهم؛ وبقاء اللقب لا يكفي وحده للحكم على الوفاء بمعناه. فهل حفظ الاسم في بدايته وصف أنصار المسيح المتمسكين بتوحيده، ثم اتسع حتى شمل المؤسسات التي تغير تعليمها؟ هذا هو السؤال الذي نفتحه من صلة الاسم بالفعل.

ويتصل بذلك لقب الحواريين. فالمعاجم العربية تقرؤه مع جذر ح-و-ر، في معاني البياض والنقاء والرجوع، ومنه صفاء النية والخلوص في المعونة. ويسمي القرآن أصحاب عيسى حواريين، ثم يورد جوابهم «نحن أنصار الله». فتجتمع الصفتان في جماعة واحدة: الخلوص لصاحب الرسالة، ونصرة ما جاء به. ومن هذا المعنى الديني ننتقل إلى ما قد يكون في اللقب من صلة مكانية أيضاً.

ومن الأسماء التي تفتح هذا الباب «الحواريون». يجمع البحث هنا بين اسم الجماعة وصفاتها ومواضع محتملة لحفظ تراثها، مثل حوران وحران والحيرة. قد يجتمع الانتساب إلى مكان مع معنى ديني في لقب واحد؛ لكن تعيين الموضع يحتاج شاهداً يربط الجماعة به، لا تشابه حروف فحسب.

وحوران وحران والحيرة أماكن متمايزة. نضعها على طريق انتقال الذاكرة، ولا نحولها إلى أسماء مترادفة لمدينة واحدة. والسؤال المفتوح: هل يحفظ لقب الحواريين أثراً من إحدى هذه البيئات، أم أن الصلة وصفية، أم اجتمع الأمران؟

ونقرأ في ذلك استمرار الإسلام الذي جاء به عيسى في الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ. فالحواريون أنصار في وظيفتهم، والأنصار يقومون في جماعتهم مقام الحواريين في المعونة والوفاء. ويختم القرآن آية الصف التي بدأت بحوار عيسى وأصحابه بقوله "فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين" (الصف 14). وعلى هذا نفهم وحدة نصرة الرسالة عبر الأنبياء، واتصال المؤمنين بمعناها، مهما طال الزمن بين جماعة وأخرى.

كافّة وكيفا: الصخرة والشمول

ومن الألفاظ التي نقارنها «كافة»، كما في ادخلوا في السلم كافة (البقرة 208). وتصلها العربية بجذر ك-ف-ف، في مجال الجمع والإحاطة والكف، ومنه يكف وكفة وكاف وكافة. والذي يعنينا في سياق الآية شمول الدخول في السلم، وهو المعنى الذي نضعه إلى جوار الثبات والاجتماع في المقارنة التالية.

والكلمة الآراميّة كيفا (Kepha / Cephas) تعني الصخرة والثباتَ والقوّة الراسخة التي لا تزول. هذا اللقبُ أطلقه عيسى عليه السلام على شمعون، وهو اللقب الذي تحوّل في الترجمة اليونانيّة إلى بطرس (Petros = صخرة). والأهمّيّة التاريخيّة لبطرس أو كيفا أنّه، في الذاكرة الأبيونيّة وفي أدب كليمنت المنحول، من أقرب الحواريّين إلى الرسالة التوحيديّة الأصيلة التي جاء بها عيسى عليه السلام، وأنّ هذا الأدب يَرسم بينه وبين بولس فجوةً عقديّة عميقة، إذ يَعتبره الأبيونيّون والكليمنتيّات دخيلاً على الحركة الأصليّة حوّل معناها. هذه قراءةٌ أبيونيّة-كليمنتيّة لا قراءةٌ كنسيّةٌ مسكونيّة، ويَستحضرها هذا الكتابُ بوصفها صوتاً مبكّراً مَطموساً يَستحقّ أن يُسمَع، لا بوصفها حُكماً تاريخيّاً نهائيّاً على شخص بولس.

ونقابل معنى الجمع والاحتواء في ك-ف-ف بمعنى الثبات في كيفا، مع اختلاف الصيغتين صوتياً. فهي مقارنة دلالية نستعين بها في فهم لقب الحواري وموقعه في الجماعة. وتتصل بها صورة بطرس في الروايات الأبيونية التي تحفظ اعتراضاً على بولس وسلطته، كما تقدم بيان جهة هذه القراءة.

وتستوقفنا في هذا السياق البيئة العراقية التي نشأت فيها الكوفة سنة 17 هجرية / 638 ميلادية، على مقربة من الحيرة، بنحو ثلاثة كيلومترات في التقدير المذكور هنا. فالحيرة عاصمة اللخميين ومركز من مراكز المسيحية السريانية والأديرة التي سندرسها في الفصل التاسع. وقد عرفت أرض السواد الآرامية والسريانية قبل الإسلام بقرون. ثم صارت الكوفة في الجيل التالي مركزاً لعلوم القرآن واللغة والنحو والفقه. ومن اتصال البيئتين نبحث انتقال الألفاظ والمعرفة.

وقد اختلف في تفسير اسم الكوفة؛ فقيل إنه يتصل بالكثيب المستدير أو بالتلة التي أُقيم عليها المسجد، واقتُرحت صلة بالآرامية كيفا، الصخرة. ونضع القرب الصوتي بين الاسمين ضمن هذه الأقوال، ثم ننظر في دلالته الرمزية بالنسبة إلى كتابنا: مدينة للقراءة والعلم نشأت بجوار مركز آرامي مسيحي قديم، فانتقلت المعرفة بين أجيال تعاقبت على الأرض نفسها. ويبقى تحقيق أصل التسمية عملاً يضاف إلى هذه المقارنة.

بيت لحم ولَخْم: اسمان لمسارين

وننتقل إلى اسمين يتصل أحدهما بالرواية الإنجيلية والآخر بالمسيحية العربية. أولهما بيت لحم، المدينة المعروفة في فلسطين، ويُفسر اسمها العبري ببيت الخبز أو الطعام. وقد ارتبطت في الرواية الكنسية بميلاد يسوع، فصار الاسم من أشهر علامات السيرة.

والثاني لخم، القبيلة العربية التي أقام ملوكها دولة الحيرة، وعُرفوا باللخميين (Lakhmids). ونقارن ل-خ-م بل-ح-م وفق قراءتنا في الفصل الأول لأصل عربي أم، وعلى أساس ما قدمناه من التقاء الحاء والخاء في الرسم العبري، مع تمييزهما في العربية. ففي المادة العربية للخم معنى التوغل والاشتباك، وفي العبرية للحم معنى الخبز. وقد يكون وراء الصيغتين أصلان متمايزان حفظت العربية الفرق بينهما، أو أصل تفرعت دلالته في الألسنة. ونبحث هذين الوجهين وفق قراءتنا للعربية وأخواتها.

ويهمنا من هذه المقارنة اجتماع اسم موضع الميلاد في الرواية الفلسطينية واسم القبيلة ذات الأثر الكبير في المسيحية العربية. فهل يقتصر التقارب على اللفظ، أم يتصل بتاريخ انتقال خبر بين مجالين مسيحيين؟ نضع هذا السؤال في صلته بالحيرة والذاكرة السامية، ثم نبحث ما يمكن أن يضيفه التاريخ إلى المقارنة اللغوية.

نبونيد ونبو: النبي الذي رفعه الإله

اسم الملك Nabû-nāʾid جملة اسمية تُفهم عادة بمعنى «نبو ممجَّد». فالصفة في الاسم راجعة إلى نبو، لا إلى الملك مباشرة. وتستوقفنا فيه لغة التمجيد وارتباط نبو بالكتابة والحكمة، إلى جانب طلب تمجيد الله في صلاة قمران. إنها مقارنة بين حقول دينية متجاورة، لا ترجمة للاسم تجعل حامله نبياً لمجرد حمله هذا الاسم.

وكان نبو نفسه جزءاً من الحياة الدينية الرسمية في بابل، فلا يصح تصويره خارج المؤسسة في مواجهة مردوخ. أما خصوصية نبونيد فتظهر في المكانة العليا التي منحها سين في نقوشه، وما رافق سياسته من صراع على السلطة والمرجعية الدينية. هنا يقع موضع قراءتنا: ملك يعيد ترتيب مركز الدين، ويثير معارضة تترك أثرها في الأخبار المكتوبة عنه. وانتهى ملكه بدخول كورش بابل سنة ٥٣٩ ق.م؛ وهو حدث ينبغي تمييزه عن الأحكام العقدية التي صاغها خصومه.

تُقرأ صيغة Nabû-naʾid في الدراسات الأكدية على معنى تعظيم نابو أو تمجيده. ويريد الكتاب اختبار ما إذا كان وراء الصورة التي وصلتنا نطق ودلالة أقرب إلى اللسان العربي القديم. هذه محاولة لإعادة قراءة الاسم، فينبغي عرضها إلى جانب التحليل الأكدي المعروف، وألا تُنسب ترجمة «النبي المعظّم» إلى المعجم الأكدي كأنها ترجمته المتفق عليها.

أبيون والمساكين: الفقر كفضيلة عقدية وكنيسة الفقراء المنسية

ومن العبرية אביון (إِڤيون)، أبيون، الفقير المحتاج، ننتقل إلى معنى المسكين في العربية، من س-ك-ن. ويجمع الاسمين في قراءتنا ما قد يصحب الفقر من انكسار وافتقار إلى الله، ومن ترك الكبر والتعلق بما في اليد. فإلى جانب الحاجة المادية يظهر موقف روحي يتخذه الإنسان من نفسه ومن مولاه. وهذا الجانب هو الذي نبحث استمراره في تراث الأنبياء وجماعاتهم.

ونرى في اسم الأبيونيين تعبيراً عن هذا الاختيار الديني للفقر. فهم الجماعات التي حفظت بشراً نبياً ورفضت تأليه المسيح، وربطت الوفاء بتعليمه بالتخلي عن التعلق بالثروة والسلطان. ونصل جذور هذه الصورة بكنيسة أورشليم التي قادها يعقوب البار (James the Just)، المعروف بقرابته من صاحب السيرة المسيحية، وبما يسمى كنيسة الفقراء (Church of the Poor). ففي أعمال 4: 32: "وكان لجمهور الذين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة، ولم يكن أحد يقول إن شيئاً من أمواله له، بل كان عندهم كل شيء مشتركاً"، وفي أعمال 2: 45: "والممتلكات والمقتنيات كانوا يبيعونها ويقسمونها بين الجميع كما يكون لكل واحد احتياج". ويحفظ هيغيسيبوس، فيما نقله يوسابيوس في تاريخ الكنيسة 2: 23، صورة يعقوب الذي خشنت ركبتاه كركبتي الجمل من طول الصلاة. ثم قُتل سنة 62 ميلادية في الصراع مع كهنة أورشليم. ففي هذه الأخبار صورة للتقشف والخدمة والتعبد نقرأها ضمن أصل الجماعة وميراثها.

وتحفظ رسائل بولس نفسها مكان الفقراء في جماعة أورشليم. فقد جمع لهم المعونات من جماعات الأمم، كما في 1 كورنثوس 16: 1، و2 كورنثوس 8: 1-4، ورومية 15: 25-26، وترد في أخباره صلات كنائس كورنثوس ورومية وفيلبي ومكدونية بهذه المعونة. وحين يروي لقاءه بيعقوب وصفا، أي بطرس، ويوحنا، وموافقتهم على رسالته إلى الأمم، يقول: "غير أن نذكر الفقراء، وهذا عينه كنت اعتنيت أن أفعله" (غلاطية 2: 10). ونقرأ هذا الطلب دالاً على مركز الفقر ورعاية المحتاجين في هوية الجماعة، وهو ما بقي ظاهراً في رسائل بولس على الرغم من الخلافات التي يتناولها الكتاب بينه وبينها.

ونجد لهذه الممارسة أصلاً في التعليم الذي تحفظه الأناجيل. فلوقا يورد «طوبى للمساكين فإن لهم ملكوت الله» (٦: ٢٠)، ويورد متى «طوبى للمساكين بالروح» (٥: ٣). وقد رأى باحثون في المصدر Q أن صيغة لوقا أقرب إلى الأصل الآرامي أو السرياني، وأن إضافة «بالروح» توسع التلقي خارج المعنى الاجتماعي المباشر. وفي كل حال، نقرأ الذاكرة الأبيونية متمسكة بالفقر بوصفه عملاً وبشارة. ويؤكد هذا الجانب قول لوقا "ويل لكم أيها الأغنياء لأنكم قد نلتم عزاءكم" (6: 24)، وخبر الشاب الغني الذي قيل له "اذهب بع كل ما لك وأعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء، ثم تعال اتبعني" (مرقس 10: 21). ولما انصرف حزيناً جاء التعليق "ما أعسر دخول ذوي الأموال إلى ملكوت الله!" (مرقس 10: 23). فهذه الأقوال تجعل العلاقة بالمال جزءاً من السلوك الديني نفسه، ونرى أن الأبيونيين حفظوا هذا الوجه من التعليم وعاشوا به.

ثم اتسع الفرق بين صورة جماعة أورشليم الفقيرة وصورة الكنيسة المتصلة بالبلاط الإمبراطوري. فمع انتقال مركز النفوذ إلى روما، ومن زمن يعقوب إلى زمن قسطنطين، تراكمت الثروة والضياع والقصور والخدم لدى رجال الكنيسة، وبقي في الإنجيل القول "للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه" (متى 8: 20). وقد تجدد الاعتراض من داخل المسيحية. ففي القرن الثاني عشر دعا بطرس فالدو (Peter Waldo) وأتباعه الفالدنسيون إلى بيع المال والفقر الإنجيلي، فحُكم عليهم بالهرطقة وطوردوا في الألب. وفي مطلع الثالث عشر ترك فرنسيس الأسيزي (Francis of Assisi) ميراث أبيه التاجر وعاش مع الفقراء والمرضى؛ ثم وجدت حركته موضعاً في النظام الرهباني بموافقة إنوكنتيوس الثالث. وفي الرابع عشر اشتد الخلاف مع الفرنسيسكان الروحانيين حول القول إن المسيح وحوارييه لم يملكوا شيئاً، وأصدر يوحنا الثاني والعشرون سنة 1323 المرسوم Cum inter nonnullos الرافض لهذا التعليم. فنرى في هذه الحركات عودة متكررة إلى صورة الفقر الأولى، وفي مواجهتها طرائق متفاوتة بين القمع والاحتواء.

ويضع هذا التاريخ أمامنا سؤال الوفاء لصورة المسيح في التعليم والممارسة. فأي صورة أقرب إليه: جماعة تعيش الفقر كما فهمته من الإنجيل، أم مؤسسة اتصلت بالغنى والسلطان؟ ونقرأ عودة فالدو وفرنسيس والروحانيين إلى الفقر دليلاً على بقاء هذا السؤال في ضمير المسيحية نفسها. ومن هنا تأتي قيمة الأبيونيين في كتابنا؛ إذ نراهم من أقرب الجماعات إلى أصل التعليم الذي غلبته المؤسسة، ثم حملت وصف الهرطقة عليهم. والمقصود أن ينظر القارئ المسيحي أيضاً في هذا الميراث، وفي مقدار ما تكشفه حياة الجماعات عن معنى الرسالة التي تنتسب إليها.

وفي الإسلام يعود هذا الخيطُ نفسُه أظهرَ وأجلى: «أهلُ الصُفّة» من فقراء المهاجرين حول النبيّ ﷺ، ودعاؤه «اللهمّ أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين» ـ تموضعٌ روحيٌّ في طبقة الأنبياء وأتباعهم الصادقين، نُفصّل امتدادَه في الفصل ١٢.

والفقر في خطاب أهل السلوك قد يعني الافتقار إلى الله، فلا ينفي امتلاك مال أو ولاية حكم. ولهذا لا نضع «الفقراء» تلقائياً في مقابل الملك، ولا نجعل كل لقب نسكي وصفاً للحالة الاقتصادية. الذي نبحث عنه هو صورة الإنسان الذي لا يرى لنفسه استقلالاً عن مولاه.

الحمد والبشارة: معنى الاسم

ونصل الآن إلى معنى الحمد في الاسم والبشارة، وهو من أوثق مباحث هذا الفصل صلةً بموضوع الكتاب.

تصلنا الأقوال عبر نصوص يونانية وسريانية وغيرها، ولا نملك تسجيلاً مستقلاً لكل عبارة بلغتها الأولى. ومن هنا تأتي قيمة المقارنة السامية، لا من افتراض أن نسخة مفقودة تحتوي حتماً اللفظ الذي نرجحه.

يذكر القرآن على لسان عيسى ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد (الصف 6). ومن هذه العبارة نسأل عن المعنى الذي حملته البشارة في لسانها الأول، وعن الألفاظ الآرامية أو السريانية التي يمكن مقارنتها بأحمد.

وعند مقارنة ألفاظ الحمد والرغبة والمحبة في العربية والعبرية والآرامية، ينبغي الانتباه إلى أن تشابه الجذر لا يضمن وحدة المعنى في كل استعمال. فالحقل العبري للجذر חמד (ح-م-د) يتصل بالرغبة والاشتهاء والشيء النفيس؛ وقراءة اسم «أحمد» من هذا الحقل تظل اقتراحاً تأويلياً يحتاج سياق العبارة، لا ترجمة آلية لكل كلمة من الجذر.

أما «أحمد» في قراءة هذا الكتاب فاسم يحمل صفة: الجامع لمعاني الحمد والكمال، والذي يتمم ما سبقه. ولا يتوقف هذا الفهم على إثبات أن كل نص منقول احتفظ بلفظ عربي مطابق؛ بل على النظر في معنى البشارة والدور الذي تشير إليه.

وكذلك ينبغي تمييز «البارقليط» الوارد في النصوص اليونانية، بمعنى المعين أو المعزي، من صيغة «بيريكليتوس» المقترحة بمعنى المشهور أو المحمود. تقارب الصيغ يستحق الشرح، لكنه لا يثبت أن المخطوطات احتوت الثانية ثم بدّلتها بالأولى. يمكن للكتاب أن يناقش صلة البشارة بمعنى الحمد، دون أن يقدم استبدالاً نصياً غير مشهود كأنه قراءة مخطوطية.

معجمٌ ليتورجيٌّ ساميٌّ مُشترَك: وحدةُ اللسان النبويّ لا اقتراضٌ كَنَسيّ

إلى جانب هذه التَشابهات الاسميّة، ثَمّةَ طبقةٌ أخرى من التَطابقات تَستحقّ التَنبيه: المعجم الليتورجيّ-التَوحيديّ المُشترَك بين القرآن الكريم والسريانيّة الكَنَسيّة المُبَكِّرة. فإلى جانب الجذور التي تَلاحظها الدراسات السامِيّة المقارنة منذ زمن (صلاة/ܨܠܘܬܐ (صْلوتا)، صَوم/ܨܘܡܐ (صَوما)، زكاة/ܙܟܘܬܐ (زَخوتا)، قرآن/ܩܪܝܢܐ (قِريانا) بمعنى القراءة الليتورجيّة)، تَتعدّد المُحاذيات في مصطلحاتٍ قُرآنيّة جوهريّة:

وفي المقارنة بين السريانية والعربية لا يكفي تشابه «شورا» و«سورة» لإثبات معنى واحد؛ فللصيغة السريانية استعمال معروف في السور والحائط. إن اتساع المقارنة مفيد حين يكشف علاقة محتملة، ويحتاج في كل مرة إلى تحديد اللفظ والجملة التي ورد فيها.

ونقرأ هذا المعجم في ضوء وحدة التراث النبوي السامي. فألفاظ الفرقان والسكينة والرحمن والكلمة والصلاة والصوم والزكاة تتصل بحياة أمم توارثت العبادة، من إبراهيم وموسى وداود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام إلى محمد ﷺ. وقد حملتها الكنائس ضمن ما ورثته، لكنها أقدم في معناها من الصياغة الإمبراطورية التي ندرس تكونها بعد بولس ونيقية. ولهذا نفهم التشابه بوصفه قرابة في ميراث النبوة، ونميز بين تاريخ المفردة وتاريخ المذهب الذي استعملها.

ومن هذا المنظور نفهم حضور الفرقان والسكينة والرحمن في القرآن استعادةً لمعجم التوحيد في اللسان العربي. وقد حملت الجماعات المسيحية المبكرة هذا الميراث، ثم تفرقت به المدارس التي عُرفت بالنساطرة والموارنة واليعاقبة والأبيونيين، وحفظ المندائيون ألفاظهم القريبة منه في تقليدهم. ونبحث كيف بقي المعجم مشتركاً مع اختلاف التصورات اللاهوتية، ثم كيف أعاد القرآن وضعه في معنى التوحيد الخالص. فموضع المقارنة هو اللفظ وما جرى لدلالته خلال هذا التاريخ.

ويقرر القرآن استمرار أصل الرسالة في قوله ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ﴾ (الشورى ١٣). وفي ضوء هذه الوحدة نفهم الألفاظ المتقاربة شواهد على ميراث نبوي مشترك، ونقرأ الإسلام عودةً إلى المنبع الذي حفظت المسيحية الأولى جوانب منه. ومن هنا أيضاً نبحث أثر الصياغات البولسية والنيقية في معاني الكلمات، وما نراه في القرآن من إعادة وصلها بأصلها التوحيدي.

إشارة: خيط التأليه التدريجي

وتقودنا الألفاظ التي عرضناها، من الحواريين والأنصار إلى كيفا والكفاء، والحميد والأحمد، إلى سؤال تحول العقيدة مع بقاء لغة الميراث. فنرى أن التأليه تكون على مراحل، من رسائل بولس إلى طبقات الروايات الإنجيلية، ثم اكتسب صيغة رسمية في نيقية. وسنفصل هذه العملية في الفصل الحادي عشر، عند مقابلة بولس بمرقس ومتى ولوقا ويوحنا، ليرى القارئ كيف تتصل المقارنة اللفظية بتاريخ الصورة الدينية.

الأبيونيون والحرانيون: قانون البقاء تحت الضغط

وقد يحفظ التعليم الموروث بقاءه في جماعات صغيرة حين تضيق به المؤسسة الغالبة. تتغير الأسماء ومواضع الإقامة وطرق التعبير، ثم يظهر المعنى في سياق جديد. ونقرأ خبري الأبيونيين والحرانيين من هذا الباب.

حفظت المصادر عن الأبيونيين الإيمان بالمسيح نبياً بشراً من بني إسرائيل، والتمسك بالشريعة، ورفض سلطة بولس ورسائله. ثم دخلوا منذ القرن الثاني في تصنيفات الهرطقة، وتعرضوا للاستبعاد والتنظيم المضاد، وانحسرت أخبارهم مع اتجاه جماعات إلى الأردن وجزيرة العرب. ويبحث الكتاب فيما بقي من معانيهم في البيئة التي سبقت الإسلام وفي مصادره المبكرة: بشرية عيسى، ولزوم الشريعة، والاعتراض على ما تغير من الرسالة. فهذا التشابه هو مدخلنا إلى تتبع الذاكرة حين يغيب أصحابها عن السجل الرسمي.

وتروي الأخبار عن الحرانيين، ورثة جانب من الحكمة الكلدية والبابلية، أنهم واجهوا سؤال هويتهم الدينية في عهد المأمون، نحو عام 830 ميلادية. فانتسبوا إلى اسم الصابئة المذكور في القرآن، واتخذوا منه وضعاً يتيح لهم حفظ تقليدهم. ونقرأ هذه الرواية في بحث أثر الاسم على بقاء الجماعة ومكانها القانوني. ومن هذا الوسط خرج ثابت بن قرة، الذي شارك في نقل الفلسفة والعلوم اليونانية إلى العربية، وأسهم في حفظ الرياضيات والفلك والطب وتطوير درسها في العصر العباسي.

ففي الحالتين نبحث سبيلاً لبقاء ميراث ديني أو فكري تحت ضغط السلطة. ونرى أصداء التعليم الأبيوني في المعاني التي يقررها القرآن عن المسيح، ونرى في انتساب الحرانيين إلى الصابئة طريقاً لحماية جماعتهم. وتختلف الآلية بين استمرار المعنى واتخاذ الاسم، لكن السؤال الجامع هو كيف تحافظ الجماعات على ما تعده جوهر تراثها.

الألفاظ وتاريخ انتقال المعنى

وعند تشابه لفظين من لسانين نبحث ثلاثة أوجه: مصادفة في الصوت، أو انتقالاً من لغة إلى أخرى، أو أصلاً مشتركاً. ويتعين وزن كل وجه بانتظام المقابلة ومعنى الكلمة وتاريخ استعمالها. وقد يقود الاقتراض نفسه إلى معرفة صلات بين الجماعات، كما يدل الأصل المشترك على قدم الميراث. ومن اجتماع المقارنات التي عرضناها نقرأ تياراً توحيدياً سامياً امتد في ألسنة متعددة، وترك في ألفاظها آثاراً تساعد على تتبع ما تقارب من تعاليمها وما افترق.

وسننتقل في الفصل التالي إلى الأحرف الأربعة INRI على الصليب. نبدأ بمعناها المعروف في اللاتينية وبالنص الذي ترد إليه، ثم ننظر في الأسماء والألقاب التي تتضمنها وصلتها بسؤال الهوية في الكتاب.

التَوراةُ: مِن «و-ر-ي» لا مِن «و-ر-ث»

وإذا طُبِّق قانونُ هذا الفصلِ على اسمِ الكِتابِ الأوّلِ نفسِه، بانَ فيه ما لم يَبِن. فالعِبريّةُ تَكتُبُ التَوراة תּוֹרָה (تُوراه)، ويَرُدُّها المُعجَمُ العِبريُّ المُعتَمَدُ إلى الجِذر י-ר-ה (ي-ر-ه)، ومَعناه الرَميُ والإصابة، ثمّ صارَ في صيغةِ الهِفعيل הוֹרָה (هُوراه) بمَعنى «عَلَّمَ ودَلَّ»؛ فالتَوراةُ على هذا «التَعليم».

وقد اقترح باحثون معاصرون، منهم الدكتور محمد مصطفى منصور، وصل «التوراة» بـ«التراث». غير أن مقابلة الجذرين تضع أمامنا فرقاً في الحرف الأخير: فالتراث من و-ر-ث، ويقابله العبري י-ר-שׁ، ي-ر-ش، بمعنى ورث، ومنه יְרֻשָּׁה (يِروشّاه)، يرشاه، الميراث. أما תּוֹרָה (توراه) فتنتهي بالهاء. ولهذا لا نعتمد هذا الاشتقاق، ونبحث وجهاً يحفظ الحروف ومعناها معاً.

وتفتح المقارنة مع العربية وجهاً آخر: الجذر و-ر-ي، ومنه إيراء النار وإيقادها. فتبادل الواو والياء في مطالع جذور سامية معروف في أمثلة مثل «ولد» والعبرية יָלַד (يالَد). ويسمح هذا بأن نسأل عن صلة حقل الإراءة والإضاءة باسم التوراة، إلى جانب تفسيره المعجمي بالتعليم والإرشاد. لا تحسم المقابلة الصوتية وحدها الصلة بين المعنيين، لكن وصف القرآن يمنح هذا السؤال قيمته التأويلية: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ (الواقعة: ٧١).

وعلى هذا الوجه يقرأ الكتاب التوراة في أفق الإيقاد والهداية: ما يضيء للإنسان سبيله. ويلتقي هذا التأمل بوصف القرآن ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ (المائدة: ٤٤). فاقتراحنا يجمع المقارنة اللسانية بالدلالة القرآنية؛ ونقطة قوته أن معنى التعليم لا ينفصل فيه عن الإنارة، بينما يبقى تحقيق الأصل التاريخي للاسم عملاً لغوياً قائماً بذاته.

عائلةُ الرجوع: ع-و-د، هـ-و-د، ح-و-ر

وتجمع العربية جذور ع-و-د وهـ-و-د وح-و-ر في معاني الرجوع، مع بقاء الواو في الوسط وتغير الحرف الأول أو الأخير. يفتح هذا الجوار الدلالي باب التأمل في العودة والهداية والتوبة، دون أن يجعل الجذور الثلاثة اشتقاقاً واحداً.

وتتصل هذه الجذور بمفاتيح الكتاب: فالعودة في عنوانه من ع-و-د، و«الذين هادوا» من هـ-و-د، أي رجعوا وتابوا، كما في ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ (الأعراف: ١٥٦)، والحواريون يتصلون في أحد الوجوه بح-و-ر، ومنه ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ (الانشقاق: ١٤). ونقابل هذا المجال بمعنى القطع والبتر في ج-ز-ر الذي مر بنا. فتجتمع في قراءتنا صورة التفرق عن الأصل وصورة الرجوع إليه، ويكون معنى العودة استئناف الصلة بالهداية التي حفظتها الرسالات. وهذا هو الوجه الجامع الذي نرى فيه الوحي الخاتم داعياً الإنسان إلى الرجوع.

الفصل ٨ ـ INRI: الحقيقة المكتوبة على الصليب

لافِتةُ الاتّهام وشَهادةُ المُوَحِّدين

يحفظ إنجيل يوحنا خبر كتابة عنوان فوق الصليب بلغات ثلاث، ويعبّر عنه التقليد اللاتيني لاحقاً باختصار INRI. نحن نتعامل مع خبر إنجيلي وتاريخ للصورة الدينية؛ أما الخشبة الأصلية والعبارة المكتوبة عليها فلا نملكهما مادةً مستقلةً للفحص.

قد تبقى صورة الرجل بعد أن يتغير ما يفهمه الناس منها. وهذا ما نريد تتبعه في صورة المصلوب: كيف اجتمع اللقب والدم والصليب في لغة دينية كاملة، وكيف حملت هذه اللغة معاني تجاوزت حياة صاحبها، حتى صار المؤمن يخاطب ربه من خلالها.

لنتأمل الصورة المألوفة في الفن المسيحي: رجل على الصليب، وعنوان ملكي فوق رأسه، ومؤمنون من حوله. نبدأ من هذه الصورة التي تناقلتها القرون؛ فهي التي عاش معها الناس، وإن لم تكن تفاصيل الصلبان المتأخرة كلها راجعة إلى عصر واحد.

وملكية صاحب الرسالة ليست موضع الاعتراض؛ فعيسى عندنا نبي وملك. الذي نبحث فيه هو تحويل شخص الرجل وصورته إلى موضوع إيمان يُحجب به معنى رسالته، ثم فرض هذا الإيمان على الناس.

ويحضر هنا الحديث: «مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتبا كان أو غير كاتب» (البخاري ٧١٣١، مسلم ٢٩٣٣). نقرأه على ضوء الفرق بين معرفة الحروف ومعرفة ما تحمله الصورة من عقيدة. فالمؤمن، في هذا الفهم، قد يجهل اللاتينية ويعرف مع ذلك موضع الخلل: يرى رجلاً بشرياً ثم يجد الألوهية قد أضيفت إليه. وقوله «كاتبا كان أو غير كاتب» هو الذي يفتح لنا باب هذه القراءة القلبية.


اللافتة في سياقها الرومانيّ

وتتكون INRI من أوائل الكلمات اللاتينية Iesus Nazarenus Rex Iudaeorum، أي «يسوع الناصري ملك اليهود». هذا معناها النصي. أما القراءة التي نقترحها لصلة العلامة بوصف الدجال فهي مقارنة في وظيفة الصورة والعنوان، وليست ترجمة لهذه الحروف إلى كلمة «كافر».

ثم دخلت المسيحية النيقاوية في صميم الدولة الرومانية بعد قسطنطين، وأصبحت صورة المصلوب حاضرة فوق المذابح وفي البيوت. وهذه مفارقة تستوقفنا: الرجل الذي أدانته السلطة الرومانية صار محور الإيمان الذي ترعاه سلطة رومانية. وبقي العنوان الملكي فوق الصورة، يقرأه المؤمن الجديد في ضوء عقيدته، ويقرأ فيه الموحد شاهداً على بشرية الرجل الذي أُلّه من بعده.

الحروف الأربعة: ماذا يحمل كل حرف

تتألف INRI من أربعة أحرف: I الأولى من Iesus، أي «يسوع»؛ وN من Nazarenus، أي «الناصري»؛ وR من Rex، أي «الملك»؛ وI الأخيرة من Iudaeorum، أي «اليهود». وراء هذه الكلمات أربعة موضوعات سيعود إليها بحثنا: اسم الرجل، ومعنى لقبه، وملكيته، والقوم الذين نُسب إليهم. ولهذا تستحق العبارة أن تُقرأ كلمة كلمة، بعد أن اعتاد الناس رؤيتها علامة واحدة فوق الصليب.

شَهادةُ القَلب: قِراءَةٌ إيمانيّة لِلافِتة الصَليب

وعلامة الكفر، في القراءة التي نقدمها، تتصل بالعقيدة المحمولة على الصورة: هل تفتح الطريق إلى الله أم تحجب عنه؟ من هنا نقارنها بالعلامة الواردة في أخبار الدجال. فالعلاقة بينهما عندنا علاقة معنى، ولا تقوم على حروف عربية مستترة في الاختصار اللاتيني.

وحين نفصل معنى الحروف عن دلالة الصورة، يصبح سؤالنا أوضح: ماذا يرى المؤمن في صورة ورثها، وأي عقيدة يتعرف إليها من خلالها؟

حديث الدجال: "مكتوب بين عينيه كافر"

جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في وصف الدجال: "مكتوب بين عينيه كافر"، رواه البخاري في كتاب الفتن برقم 7131، ورواه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة برقم 2933. وزاد في رواية أخرى عند مسلم: "يقرؤه كل مؤمن، كاتبٍ وغير كاتب". ثم فسّرها في رواية ثالثة بقوله: "ثم تهجّاها: ك ف ر".

العبارة التي تستوقفنا في الحديث هي «يقرؤه كل مؤمن، كاتبا كان أو غير كاتب». نجعلها مدخلاً إلى فهم القراءة بمعيار الإيمان؛ إذ يستوي فيها من يعرف الحرف ومن يجهله. وبذلك يكون تعرف المؤمن إلى الفتنة سابقاً على قراءته العلامة المكتوبة، ويكون ما يراه بعينه موافقاً لما أدركه في عقيدته.

وفي خبر الصليب يقع العنوان فوق الرأس، بينما تذكر روايات الدجال علامة بين العينين. الموضعان ليسا واحداً؛ والمقارنة بينهما تقوم على دلالة العلامة في التعرف إلى الفتنة، ولا تحتاج إلى الادعاء بأن الوصفين مطابقان تشريحياً.

ولا يعني ذلك أن يسوع الناصري نفسه دجال. نراه رجلاً صالحاً حملت صورته لاحقاً بناءً عقدياً لم يصنع جميع عناصره. موضع النقد هو ما رُكّب على اسمه، ومن الإنصاف أن نفصل الرجل عن المصير الذي آل إليه تراثه.

ملك اليهود: لقب الدجال المعكوس

أما Rex فمعناها «الملك». ونحن نبحث عن عيسى في سيرة نبونيد الملك، فلا تكون الملكية في ذاتها موضع إنكار. إنما نبحث فيما أضيف إلى الصورة من مقام إلهي، وفي انتقال اللقب من خبر عن رجل إلى جزء من الإيمان المقرر فيه.

نجعل رومة في هذا البحث مسرحاً لهذا التحول، ولا ننسب هذا التعيين إلى الحديث؛ فرواياته توجه إلى المشرق. لقد تبنت الإمبراطورية العقيدة النيقاوية، وصار يسوع في إيمانها إلها ومخلصا وملكا للكون؛ فالرجل الذي صلبته السلطة الرومانية صار معبودا في ظلها بعد ثلاثة قرون. وهكذا اختلف معنى Rex بين مشهد المحاكمة في القرن الأول ومشهد العبادة في القرن الرابع: بقي لقب الملك، وانتقل من الاستهزاء بالرجل المحكوم إلى تعظيم الصورة التي تتبناها الدولة.

الصورة والتحذير من الفتنة

الصورة إذن مدخل إلى تاريخ العقيدة. وقد تحفظ ألماً بشرياً صادقاً، ثم يُقرأ هذا الألم في أزمنة لاحقة بلغة الفداء والتجسد. ينبغي تتبع هذا الانتقال، لا افتراض أن كل من صنع صورة أو نظر إليها قصد المعنى نفسه.

وفي هذا الانتقال نفهم التحذير من الفتنة: قد تنتهي صورة المعلم إلى حجب تعليمه، حين تصبح هي موضوع الإيمان. وتظل عبارة اللافتة «يسوع الناصري ملك اليهود» شاهداً على هويته البشرية، ثم يضيف إليها الناظر حكمه على العقيدة التي حملتها الصورة. وهذا هو وجه المقارنة عندنا مع أخبار الدجال؛ أما الرجل نفسه فنبقيه منفصلاً عن البناء الذي أقيم على اسمه.

والكنائس التي اختلفت حول طبيعة المسيح لم تنقسم ببساطة إلى مؤلِّهة وموحِّدة؛ فكثير منها أقر ألوهيته مع خلاف شديد في كيفية اتحاد اللاهوت والناسوت. سنقرأ كل جماعة من ألفاظها، ثم نسأل أين حفظت أثراً أقدم وأين دخلت في البناء الذي ينتقده الكتاب.

ولنتصور مؤمناً يقف أمام صورة ألفها منذ طفولته، ثم يسأل عما تعنيه. لا يحتاج هذا السؤال إلى حادثة استثنائية؛ فقد يبدأ البحث من شيء شديد الألفة، حين يرى فيه صاحبه للمرة الأولى فرقاً بين ما تدل عليه الصورة وما تعلم أن يعتقده فيها.

من هنا نفهم شدة التحذير من فتنة الدجال. فالفكرة تستمد سلطانها أحياناً من الصورة المقدسة التي تحملها، ومن الألفة الطويلة التي تجعل السؤال عنها عسيراً. وهذا ما نتتبعه في تحول صورة المسيح من وسيلة للهداية إلى حجاب عليها.

ويظل يسوع الناصري في هذه القراءة شخصاً تاريخياً غير عيسى الذي نبحث عنه في نبونيد. ما اختلط هو الأخبار والصفات والهوية؛ وما يحتاج إلى التصحيح هو ذلك الاختلاط، لا اتهام الرجل بالاحتيال على من جاء بعده.

"ناصري" = النذر لا الناصرة

يرمز الحرف N إلى Nazarenus، وهو اللقب الذي حمله يسوع في الأناجيل وفي عنوان الصليب، ويتصل به البحث في اسم النصرانية. التفسير الكنسي المألوف يرده إلى الناصرة في الجليل. وقد نوقش هذا التفسير من جهتين: تاريخ الموضع، والصيغة اللغوية للاسم؛ ولكل منهما مادتها وأسئلتها.

الناصرة والناصري: المكان واللقب

قدّم الباحث الأمريكي René Salm في كتابه "أسطورة الناصرة" (The Myth of Nazareth: The Invented Town of Jesus، الصادر عام 2008، وتكملته NazarethGate: Quack Archeology, Holy Hoaxes, and the Invented Town of Jesus، الصادرة عام 2015) حجّةً أثرية مفادها أن الموقع المعروف اليوم باسم الناصرة لم يكن مأهولاً خلال القرن الأول الميلادي. واستند في استنتاجه إلى مراجعة تقارير الحفريات المنشورة: الفخار القابل للتأريخ، والعملات، وأنماط المقابر (التي غالبيتها من الطراز القوسي kokh ومن الطراز الصخري الروماني المتأخر)، والبقايا المعمارية، كلها تشير في رأيه إلى فترة استيطان تبدأ من أواخر القرن الأول أو أوائل الثاني فصاعداً، لا قبل ذلك. ومن ثَمّ فلو صحّ استنتاجه فإن لقب "الناصري" لا يمكن بحال أن يعني "من الناصرة"، إذ يستحيل أن يُنسب رجل إلى مدينة لم تكن قائمة في زمنه.

ولا يصح بناء هذا التمييز على القول إن الناصرة لم تكن موجودة في العصر الروماني المبكر. فقد نشرت ياردينا ألكسندر دراسة أثرية عن تاريخ الاستيطان في الناصرة تعرض شواهد من أواخر العصر الهلنستي والعصر الروماني المبكر. يبقى البحث في دلالة «الناصري» وانتقال اللقب مشروعاً، لكنه لا يحتاج إلى إنكار هذه المادة الأثرية.

ومن هنا تتعدد القراءات الممكنة: إمّا أن الناصرة كانت قرية مغمورة لا تستحق الذكر في المصادر، وإمّا أن اسمها الأصلي لم يكن "الناصرة" بل وُلد من تصحيفٍ لاحق، وإمّا أن لقب "الناصري" ليس نسبة جغرافية أصلاً بل نسبة وظيفية دينية أُسبلت عليها المدينة لاحقاً.

المشكلة اللسانية: Nazōraios وليس Nazarēnos

المشكلة الثانية أعمق من الأولى، وقد أشار إليها عدد من الباحثين في لسانيات العهد الجديد، منهم Matthew Black في دراسته الكلاسيكية An Aramaic Approach to the Gospels and Acts (الطبعة الثالثة، 1967)، وكذلك George Howard في أبحاثه حول الخلفيات السامية للأناجيل. خلاصة هذه المشكلة أن الأناجيل اليونانية تستخدم صيغتين مختلفتين لوصف يسوع: Ναζωραῖος (نازورايُوس) (Nazōraios)، وهي الصيغة الأكثر شيوعاً، ثم Ναζαρηνός (نازارينوس) (Nazarēnos)، وهي الأقل ظهوراً. فلو كان اللقب نسبة جغرافية إلى مدينة اسمها Ναζαρέτ (نازارِت) (Nazareth)، لكان المتوقع أن يتشكل منه صيغة "Nazarēnos" بقياس الصرف اليوناني المعتاد في النسبة إلى المدن، كما يُقال Damaskēnos من Damaskos، وAntiokhēnos من Antiokheia.

وتفتح الصيغة Nazōraios نقاشاً آخر في أصل اللقب وعلاقته بالنصراة والنذر والجماعة الدينية. وقد درست صلتها بالناصرة وبألفاظ سامية مجاورة، ومنها «نازير»، المنذور أو المكرس. يهم هذا الكتاب احتمال أن تكون للقب ذاكرة دينية أوسع من النسبة إلى البلدة. أما اختلاف الصيغة اليونانية وحده فلا يحسم أصلها، ولا يلغي الشواهد على وجود الناصرة نفسها.

وتدخل في هذا النقاش شهادة إبيفانيوس السلاميسي Epiphanius of Salamis في Panarion، الذي ألفه في القرن الرابع الميلادي. فقد ذكر طائفة سماها «الناصاريين» Νασαραῖοι (ناسارايُوي) (Nasaraioi)، وجعل وجودها سابقاً لميلاد يسوع، وعرضها جماعة دينية لا سكان بلدة. وقراءتنا لهذه الشهادة، إلى جانب المناقشة اللسانية عند Black، ترجح أن لقب «الناصري» حمل معنى الانتساب إلى تقليد ديني سابق ليسوع ومستمر بعده.

ويُعَضِّد هذا أنّ العهدَ الجديد نفسَه يَستعمل «الناصريّ» اسماً لجماعةٍ لا لفردٍ من بَلدة: ففي أعمال الرسل (٢٤: ٥) يُتَّهم بولس بأنّه «زعيمُ شيعة الناصريّين» (hairesis tōn Nazōraiōn) ـ تسميةُ فِرقةٍ كما يُنتظَر من نِحلةٍ نذريّة، لا نسبةُ أهل قريةٍ واحدة. ويُضاف إلى ذلك مُعَضِّلٌ صوتيّ: فاسمُ البلدة العبريّ «ناصرَت» (נצרת) (ناتسرَت) فيه صادٌ، وكان حقُّه أن يُكتب باليونانيّة بالسين (Nasar-)، لكنّ الأناجيل تُثبت الزاي (Ναζ (ناز)-) مع ألفٍ مقصورةٍ (-ω (أوميگا)-) لا أصلَ لها في «الناصرة» ـ وهي بعينها المُفارَقات التي يَحلّها ردُّ اللفظ إلى «نازير». ولا نَتجاهل الرأيَ المُخالف: فقد دافع هـ. هـ. شايدر (H. H. Schaeder) في «معجم العهد الجديد اللاهوتيّ» لكِتِّل (TDNT، IV: 874 وما بعدها) عن صحّة النسبة إلى الناصرة على أساسٍ لهجيٍّ جليليّ ـ غير أنّ بقاءَ المعنى النذريّ-«الحارس» مستقلّاً في «ناصوريي» (Nāṣorāyē)، لقبِ كهنة المندائيّين إلى اليوم، يَكشف أنّ «الناصريّ» كان وصفاً دينيّاً قبل أن يُنسَب إلى قريةٍ جليليّة.

ونجد هذه المسألة أيضاً عند باحثين يختلفون معنا في سائر البناء. فمارك لدزبارسكي، محقق النصوص المندائية، بحث اللقب في مقدمة «الليتورجيا المندائية» (١٩٢٠) وانتهى من الجهة المندائية إلى أنه لا يشتق من الناصرة. وأعاد هولغر كرستن الحجة في كتابه (ص٩٣ـ٩٤ من طبعة ١٩٨٦)، مع أن أطروحته تخالف أطروحتنا، مستشهداً بمعجم باور لليونانية الإنجيلية. يهمنا هذا الالتقاء في مسألة محددة، هي الصعوبة التي يجدها هؤلاء في وصل اللقب بالبلدة. وفي الفصل العاشر نتتبع أثر هذا الفهم في صلة يسوع بالجماعة التي حمل اسمها.

وعلى هذا فحين يتحدث القرآن عن "النصارى" فإنه لا يقصد سكان مدينة بعينها، بل يقصد أهل النذر والنصرة، كما جاء في قوله تعالى في سورة الصف: {مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ} (الصف: 14). فالنسبة هنا دينية وظيفية، لا جغرافية محلية.

النازير في إطار فرضية الكتاب

إذا قبلنا أن "Nazarenus" تعني في أصلها "المنذور المكرَّس لله"، انفتحت أمام القارئ آفاقٌ تفسيرية واسعة. فالنذر الديني، المعبَّر عنه بـ "النازير" في التقليد العبري، كان مؤسسةً عريقة متجذّرة في التراث التوراتي. وقد أفرد له سفر العدد منظومة قانونية كاملة محددة الشروط والآداب، تمتد من الآية الأولى إلى الحادية والعشرين من الفصل ٦، تنظم لحظة النذر، وأحكام الممتنع عنه، وكيفية الخروج منه، والفدية المفروضة إذا نُقض. والنمط المتكرّر في هذه المؤسسة هو نذر الطفل من بطن أمه قبل ولادته، وهو النمط الذي نراه في شمشون في سفر القضاة 13:5، حيث يقول الملاك لامرأة مانوح: "ها أنت تحبلين وتلدين ابناً، ومُوسَى (آلةُ الحَلق) لا يَعلو رأسَه، لأنّ الصبيَّ يكون نازيراً لله من البطن"، ونراه أيضاً في صموئيل في 1صموئيل 1:11، حيث تنذر حنة ولدها لله قبل الحمل به.

وهذا النمط عينه نجده في القرآن الكريم في قوله تعالى على لسان امرأة عمران حين حملت بمريم: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (آل عمران: 35). فامرأة عمران نذرت مريم لله من بطنها قبل ولادتها، وكلمة "محرَّراً" تعني مكرَّساً مفصولاً لخدمة الله وحده، وهذا هو المعنى الحرفي الدقيق لكلمة "نازير" في أعماق اللغة العبرية. فمريم إذن نازيرة بنصّ القرآن، وابنها المولود لها يرث هذا الميثاق العائلي الذي وقّعته أمها قبل أن تحمل بها.

وفي الإطار الذي نضع فيه عيسى ابن مريم عليه السلام في القرن السادس قبل الميلاد، يكتسب هذا النذر العائلي أهمية خاصة. فأمه منذورة لله، وجدته هي التي عقدت النذر قبل ولادتها. ومن هنا نفهم ملاءمة لقب «نازير» لهذا البيت، ونقرأ في «الناصري» امتداداً للمعنى الديني، من غير أن تتوقف القراءة على الانتساب إلى بلدة بعينها.

ويصف سفر العدد، في الإصحاح السادس، أحكام النذير، ومنها الامتناع عن الخمر وترك الشعر والابتعاد عن الميت خلال النذر. لا يساوي هذا النظام تلقائياً نظام جماعة نسكية مشتركة الأموال أو دائمة العزوبة. التشابه بين أسماء النذر والنصرة والناصري يستحق المقارنة، بشرط ألا نحمل كل لفظ جميع خصائص الآخرين.

وبهذا نصل إلى الصلة التي نقترحها بين اسم عيسى والعيسيين والإيسيين، أي الجماعات التي نذرت نفسها لله. فإذا صحت هذه الصلة، ظهرت سيرة عيسى ضمن تقليد نذري طويل، نرى سوابقه في شمشون وصموئيل وحناء، ونرى مريم في قلبه، ثم نبحث عن امتداده في جماعة قمران على ضفاف البحر الميت. وهذه الجماعات هي التي ستعيننا على تتبع انتقال الاسم والخبر معاً.

ما بقي من الاسم وما تغير في معناه

وجود الناصرة مكاناً لا يحسم كل استعمال للقب الناصري، كما أن احتمال دلالة جماعية للقب لا يجعل المدينة اختراعاً متأخراً. نبحث في العلاقة بين الموضع والانتساب الديني دون أن نلغي أحدهما كي يثبت الآخر.

وهكذا ينتهي الفصل إلى فرق أساسي: الاسم والصورة قد يبقيان، بينما يتغير الخبر والعقيدة المحمولان عليهما. ومن هنا نتابع الجماعات التي حملت الأسماء والكتب عبر البلدان، لعل مسارها يفسر كيف اجتمعت سيرة عيسى القديمة بحياة يسوع اللاحقة.

لقد بقيت اللافتة، وتغيرت عيون قارئيها. حملت في خبر المحاكمة معنى الاتهام والاستهزاء، ثم دخلت في صورة دينية للتبجيل. أما الموحد فيقرأ فيها بشرية الرجل، ويسأل كيف حملت صورة هذا البشر معنى الألوهية. فموضع الخلاف في المعنى الذي يراه الناظر، وإن كانت الحروف أمام الجميع واحدة.

هذه هي الحقيقة التي نقرأها على الصليب: تعلن INRI «يسوع الناصري ملك اليهود»، ثم يجد المؤمن أمامه عقيدة تتجاوز ما تعلنه العبارة عن رجل ولقبه وقومه. وبين هذين المعنيين يقع بحثنا في المسافة بين رسالة عيسى وبين ما صيغ لاحقاً باسم المسيح. ولهذه المسافة اتخذنا المقابلة الأدبية بين «المسيح» و«المسيخ».

وعلى هذا الفهم يصير التحذير من الدجال متعلقاً أيضاً بتاريخ عاشه الناس، لا بمستقبل ينتظرونه وحده. لقد كانت الصورة والعلامة أمامهم، وكان الوحي المحمدي يعيد توجيه النظر إلى معنى الإيمان الذي تقاس به الصور. تلك هي الصلة التي نقترحها بين الذاكرة المسيحية والتحذير الإسلامي من الفتنة، والتي سنعود إلى تفصيلها في الفصول اللاحقة.

الفصل ٩ ـ الجغرافيا المسيحيّة العربيّة: جزيرة التوحيد لا الجاهليّة المزعومة

إذا نظرنا إلى جزيرة العرب قبل الإسلام من جهة الوثنية وحدها، غابت عنا مساحة واسعة من تاريخها. فالنقوش وأخبار الممالك والقبائل تكشف تياراً توحيدياً قوياً، ومؤسسات دينية مستقرة، وصلات بين الجزيرة والعراق والشام والحبشة. وبتتبع هذه المادة نستطيع أن نرى البيئة التي ظهرت فيها الدعوة المحمدية على نحو أكمل.


مملكة حِمْيَر والانقلاب الديني الموثق

تتضح صورة هذا التحول في مملكة حمير. يبين كريستيان جوليان روبان (Christian Julien Robin)، من المعهد الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS)، أن النقوش الوثنية اختفت نحو سنة 380م، وحلت محلها صيغ توحيدية، منها «رب السماء والأرض، إله إسرائيل». وليست أهمية هذه الشهادة في ألفاظها وحدها؛ فهي صادرة عن مملكة قوية في جنوب الجزيرة، وتدل على تحول في خطابها الرسمي قبل الإسلام بأكثر من مئتي سنة. فالتوحيد هنا حاضر في سياسة الدولة وفي الحجر الذي خلفته، وله من الرسوخ ما لا يصح معه عده اعتقاداً هامشياً.


الغساسنة: حضارة مسيحية عربية كاملة

وفي أطراف الجزيرة الشمالية نجد الغساسنة (Ghassanids)، الاتحاد القبلي العربي الذي انتقل من جنوب الجزيرة إلى بلاد الشام في القرن الثالث الميلادي، واستقر في حوران والجولان وشرق الأردن. حملوا معهم صلاتهم العربية، ثم دخلوا في النظام البيزنطي حلفاء رسميين، أو «فويديراتي»، يتولون حماية الحدود الشرقية. واجتمعت في تجربتهم حياة عربية ومؤسسات مسيحية ومكانة عسكرية داخل الإمبراطورية.

اختار الغساسنة مذهب الطبيعة الواحدة المتحدة (Miaphysite)، الذي يفهم طبيعة المسيح من جهة اتحاد الإلهي بالبشري، وخالفوا بذلك المذهب الخلقيدوني الرسمي. وكانت لهذا الاختيار كلفة سياسية في علاقتهم بالقسطنطينية. ففي عهد الحارث بن جبلة (Arethas، 529–569م) أفضت رعاية الملك إلى تعيين يعقوب البرادعي (Jacob Baradaeus) أسقفاً متجولاً لأتباع هذا المذهب في المشرق، في زمن يوستينيان. وأعاد يعقوب تنظيم الكنيسة ورسامة رجالها، حتى ارتبطت باسمه تسمية «اليعقوبية»، المعروفة اليوم بالكنيسة السريانية الأرثوذكسية. ومن هنا كان للرعاية العربية أثر مباشر في بقاء هذه الكنيسة واستمرار مؤسساتها.

هذا الخلاف يستحق أن نقرأه من داخل لغته. فأنصار الطبيعة المتحدة وأنصار خلقيدونية أقروا ألوهية المسيح، ثم اختلفوا في كيفية التعبير عن اتحاد اللاهوت بالناسوت؛ فلا نجعل المذهب الأول توحيد الأبيونيين نفسه. ومع ذلك نبحث في لغته الروحية، وفي مقاومته للصيغة الإمبراطورية، عن ذاكرة شرقية أقدم. هذا هو موضع المقارنة الذي يعنينا، وسنعود إلى ألفاظ الكنائس ومعانيها قبل الحكم على نصيب كل منها من ذلك التراث.

وتشهد الرصافة، أو سرجيوبوليس في بادية الشام، على ازدهار هذا العالم المسيحي العربي. ففي مجمعها الكنسي الممتد عشرات الأمتار بازليكا القديس سرجيوس، وكاتدرائية الغساسنة المعروفة بـBuilding A، بأروقتها الثلاثة وحنيتها وآثار زخرفها الفسيفسائي وحجارتها البيضاء المنحوتة. وعثر في الموقع على نقوش يونانية وسريانية تذكر ملوكاً غسانيين. وقد درس إيرفان شاهد (Irfan Shahîd، ١٩٢٦–٢٠١٦)، من جامعة جورجتاون، دور العرب في هذا التاريخ في «Rome and the Arabs» (١٩٨٤)، ثم في مجلدات «Byzantium and the Arabs» عن القرون الرابع والخامس والسادس؛ فأظهر مشاركتهم في سياسة بيزنطة الدينية والعسكرية والثقافية. ويضيف غلين بورسوك (Glen Bowersock)، في «The Throne of Adulis» (2013)، صورة الشبكة الممتدة عبر البحر الأحمر بين الحبشة والجزيرة وساحل الشام. فقد صحبت التجارةَ في هذه الطرق حركةٌ دينية وثقافية، وانتقلت الأخبار والكتب مع انتقال الناس.


التنوخيون: أول المسيحيين العرب المنظمين وثورة الملكة ماوية

وتقدم القبائل التنوخية وجهاً آخر للمسيحية العربية المنظمة. امتد نفوذها في العراق والشام، وعرفت الأساقفة والاجتماع الكنسي والحياة الليتورجية. ولهذا ينبغي أن نقرأ أخبارها بوصفها أخبار مجتمع له مؤسساته الدينية، لا مجرد أفراد أخذوا اعتقاداً عابراً.

ومن أشهر أخبارها ثورة الملكة ماوية التنوخية (Queen Mavia / Māwiyya) سنة 378م. رفضت الملكة العربية أن يُفرض على قبائلها أسقف آريوسي، وطلبت أسقفاً يتبع إيمان نيقية. وحين تعذر الاتفاق تحولت الخصومة إلى حرب، فاجتاحت جيوشها فلسطين وسيناء وبلغت حدود مصر. وهكذا صار اختيار الأسقف مسألة تمس علاقة القبائل بالإمبراطورية، وأجبر الصراعُ القسطنطينيةَ على التفاوض.

يروي سقراط القسطنطيني وسوزومين وثيودوريت خبر هذا الصراع والتسوية التي انتهى إليها. فقد جرى تكريس الراهب موسى، ابن البادية الذي تسميه المصادر Moses the Saracen، أسقفاً للعرب، وقُبل اختيار ماوية. والمغزى الذي يعنينا واضح: كان للعرب المسيحيين رأي في عقيدتهم وفيمن يتولى أمرها، وكانت لهم قدرة على الدفاع عنه في وجه السلطة الإمبراطورية. فإيمانهم جزء من حياتهم السياسية والاجتماعية، وليس انتساباً تلقوه بلا مشاركة.

وفي هذه الحادثة إشارةٌ دالّة: اسم الملكة «ماوية» ذاته يكشف عن استمرارٍ لغويٍّ وتسمويٍّ ممتدّ مع اسمٍ سيكون لاحقاً من أبرز الأسماء في التاريخ الإسلاميّ المبكّر: «معاوية»، الخليفة الأمويّ الأوّل الذي حكم من دمشق. فبين «ماوية» ملكة العرب المسيحيّين في القرن الرابع و«معاوية» خليفة العرب المسلمين بعدها، شَبَهٌ ظاهِريٌّ في الهَيكل الصامِت، واسمان عَرَبيّان أَصيلان لا يُنسَبان إلى فَضاءٍ تَسمَويٍّ غَير عَرَبيّ، وإن اختَلَف جِذراهما: فماويةُ من م-و-ه/م-و-ي (من الماء والمِرآة)، ومُعاويةُ من ع-و-ي (من عَوى)، والعَينُ فيها أَصليّةٌ لا زائدة. والذي يَستَحِقّ النَظَرَ هو اتِّصالُ الجُغرافيا والوَظيفة، لا اشتِقاقُ الاسمَين.

وتظهر استمرارية هذه البيئة حين ننظر إلى دمشق في عهد معاوية. فقد كان البيت الأموي المكي على صلة تجارية ودينية بالشام قبل الإسلام، ثم صارت دمشق عاصمة الملك، على مقربة من الجابية، حاضرة الغساسنة. واستبقى معاوية في ديوانه كتاباً ومستشارين من مسيحيي الشام السريان، واستمرت طرائق من الإدارة البيزنطية إلى أن عُربت الدواوين في عهد عبد الملك. فلم تختف المجتمعات العربية المسيحية بمجيء الإسلام؛ دخلت قطاعات منها في الجماعة الجديدة، وحملت معها أسماءها وخبراتها وطرائق تنظيمها. ولهذا نرى في المقابلة بين ماوية ومعاوية مدخلاً إلى اتصال الجغرافيا والمؤسسات، مع بقاء الفرق الاشتقاقي بين الاسمين الذي ذكرناه.


الحيرة: مدينة مسيحية عربية حقيقية

وفي جنوب العراق كانت الحيرة، حاضرة اللخميين، مركزاً سياسياً ودينياً استمر قروناً. ويُذكر في أخبارها نحو أربعين ديراً، وهو عدد يرسم صورة مدينة تتداخل الأديرة مع نسيجها الاجتماعي والثقافي. وحضور هذه المؤسسات هو ما ينبغي استحضاره كلما انتقل البحث من ملوك الحيرة إلى سكانها وحياتهم اليومية.

وحين نقرأ اسم «العباد» في الحيرة نلتفت إلى هوية دينية واجتماعية داخل بيئة مسيحية عربية، لا إلى جماعة يمكن افتراض تجانس عقائد جميع أفرادها. يحمل الاسم معنى التعبد، وتحتاج صورة مؤسساته وتعليمه وصلاته الكنسية إلى تفصيل المصادر.

ويقودنا النظر في أسماء الجماعات إلى اسم «بني هاشم»، البيت القرشي الذي ينتمي إليه النبي ﷺ. يفسر الموروث الاسم بخبر هاشم بن عبد مناف وهشمه الثريد في عام المجاعة. وإلى جانب هذا الخبر نطرح قراءة تستند إلى المقارنة بين الألسن السامية.

نقرأ «هاشم» في هذه المقارنة على جزأين: «ها»، التي نقابل بها أداة التعريف، و«شم/اسم»، من المادة السامية ش–م. والمقابل الذي يستوقفنا هو اللفظ العبري הַשֵּׁם (هَشّيم) (Ha-Shem)، أي «الاسم». ولهذا اللفظ مكانة في تقليد كهنة بني إسرائيل، إذ يُذكر الاسم الإلهي تعظيماً من غير النطق الصريح به؛ ويرتبط النطق في تقليد الهيكل بالكاهن الأعظم ودخوله قدس الأقداس مرة في السنة. وبهذا المعنى نصل اسم البيت، في قراءتنا، بالميراث النبوي الذي نتتبعه من هارون إلى زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام.

ويكون «بنو هاشم»، على هذا التأويل، «بني الاسم»، أي بيتاً يحمل ذكر الميراث الكهنوتي النبوي القديم. ونحن نرده إلى خط إبراهيم وأنبياء بني إسرائيل، ونفصله عن المؤسسة الحبرية التلمودية المتأخرة التي بحثنا نشأتها بعد القرن الثاني ق.م. وتعيننا وظائف خدمة البيت على فهم المقارنة: السقاية للماء، والرفادة لإطعام الحجاج، والحجابة لحراسة الباب، والسدانة لخدمة البيت وصيانته. كانت هذه الوظائف موزعة على البطون القرشية، ونرى بينها وبين وظائف اللاويين في الهيكل شبهاً في بنية الخدمة الدينية.

ومن هذه الجهة نجمع بين «العباد» في الحيرة و«بني هاشم/بني الاسم» في مكة: الاسمان، في قراءتنا، يردان الانتساب إلى خدمة الله وحفظ الميراث النبوي. وتدخل في الصورة حرمة البيت، ووظائف خدمته، والانتساب إلى إبراهيم، ثم نزول الوحي الخاتم في ذلك البيت القرشي. وهذه العناصر مجتمعة هي التي تحمل تأويلنا، وتعطي التشابه اللفظي سياقه في تاريخ الدين الواحد.

ويتصل بهذا البحث تعظيم الاسم الإلهي في مصادر أخرى. ففي تقاليد الهيكل الثاني يحاط الاسم بحرمة خاصة، ويشار إليه بـ«ها-شم»؛ وفي النص البابلي يوصف سين بأنه «إله لا يستطيع أحد تفسير اسمه»؛ وفي صلاة نبونيد (4Q242) يدعو الشافي الإسرائيلي الملك إلى أن «يرفع اسم الإله العلي». نقرأ هذه الصيغ معاً، فنجد معنى تنزيه الاسم ورفعه متكرراً في البيئات التي ندرسها. وعلى هذا المعنى نبني الصلة التي نقترحها بين سين والعلي و«بني الاسم».

ومن أشهر أديرة الحيرة دير هند الكبرى، الذي بنته هند بنت الحارث، زوج المنذر بن ماء السماء. وقد نقلت الأخبار نص تأسيسه: «بنت هذه البيعة هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر، ملكة بنت أملاك، أمة المسيح، وأم عبده المنذر ملك العرب». تجمع العبارة بين لغة الملك ولغة الخدمة الدينية؛ فالملكة «أمة المسيح»، وابنها الملك «عبده». وهذه لغة تستحق أن تُفهم في تقليدها الروحي، إلى جانب البحث في العقيدة الكنسية التي عاش أصحابها فيها. وفي سنة 1934م نقبت بعثة جامعة أكسفورد في الحيرة، فعثرت على كنيستين من الطوب اللبن ترجعان إلى القرنين الخامس والسادس، وعلى صلبان ورسوم جدارية وأختام ونقوش سريانية. وبذلك تلتقي أخبار الأديرة مع ما بقي من آثارها.

واستمرت المملكة اللخمية إلى ما قبل الإسلام بقليل. اعتنق آخر ملوكها، النعمان بن المنذر الثالث (نحو 580–602م)، المسيحية النسطورية، وبنى كنائس، ثم أُعدم بأمر كسرى الثاني. واتصلت نهاية ملكه بالأحداث التي أفضت إلى معركة ذي قار، المؤرخة بنحو 609م، حين انتصر العرب على الفرس. وتنقل المصادر الإسلامية عن النبي ﷺ في شأنها: «هذا أول يوم انتصف فيه العرب من العجم، وبي نصروا». وتبقى الحادثة شاهداً على تشابك السياسة الفارسية والعربية بالحياة الدينية في المنطقة.

ومن هذه الخلفية يمكن فهم الفرضية التي قدمها فريد دونر (Fred Donner)، من جامعة شيكاغو، في «Muhammad and the Believers: At the Origins of Islam» (٢٠١٠). فهو يرى في الحركة الإسلامية المبكرة حركة مؤمنين أوسع، دخل فيها يهود ومسيحيون يقبلون التوحيد، قبل أن تستقر حدود الهوية الجماعية في صورتها اللاحقة. ونلاحظ في اللسان القرآني كثرة مشتقات أ–م–ن، من الإيمان والمؤمنين وآمنوا، بالقياس إلى مشتقات «أسلم». ويتفق هذا مع موضع «المؤمنين» في قراءة دونر للحركة الأولى، ومع تصوره لتدرج تبلور التسمية الأخص «المسلمين». وهو إطار يفيد بحثنا في الصلة بين الدعوة المحمدية والبيئات التي سبقتها.

ويضيف جان ريتسو (Jan Retsö) إلى هذه الصورة بحثه في دور الانتساب الديني في تعريف الجماعات العربية القديمة. فالنسب وحده لا يشرح تماسكها؛ شاركته الروابط الدينية والحضارية في بناء هويتها. ومن ثم تبدو الجزيرة مجتمعاً تتداخل فيه صلات الاعتقاد والقبيلة والسياسة، ويصعب فهم واحد منها بمعزل عن الآخرين.

وهذا الانقسامُ السياسيُّ بين الحيرة وغسّان له وجهٌ عقديٌّ سنُفرده الفصلَ السابعَ عشر: فاللخميّون أهلُ الحيرة كانوا على مذهب كنيسة المشرق «النسطوريّ» تحت رعاية فارسَ الساسانيّة، بينما كان الغساسنةُ في الشام على المذهب المونوفيزيّ تحت رعاية الروم البيزنطيّين ـ نظامُ وكالةٍ مزدوج طَبَع الصدعَ الإمبراطوريَّ الكبير على وجه العرب المسيحيّين أنفسِهم. وكنيسةُ المشرق، التي كانت الحيرةُ إحدى كبرى كراسيها بمؤسّستها وأديرتها ومدارسها، تَجد تفصيلَها المستقلّ في ذلك الفصل.

الحيرة والكوفة: انتقال السكان والمؤسسات

وتكشف صلة الحيرة بالكوفة كيف انتقلت هذه الحياة إلى العصر الإسلامي. فقد أسس سعد بن أبي وقاص الكوفة سنة سبع عشرة للهجرة (638م)، بأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مصراً للجند في العراق. وكانت الحيرة قريبة منها؛ وترد في تقدير هذه المسافة أرقام تبدأ من نحو ثلاثة كيلومترات، أو ما يقارب الفرسخ بحسب الموضع الذي يقاس منه. وانتقل مسيحيون من الحيرة إلى المدينة الجديدة، ودخل كتابها وأهل علمها في نسيجها، مع بقاء أديرة تخدم سكانها المسيحيين. فالمهم في بحثنا هو هذا الاتصال القريب في السكان والمؤسسات: نشأت الكوفة الجديدة إلى جوار حاضرة دينية أقدم، وورثت شيئاً من حياتها.

وقد عرضنا في فصل التشابهات السامية احتمال صلة «كوفة» بالآرامية «كيفا»، أي الصخرة. ففي نص البشيطا السرياني لمتى ١٦: ١٨ تتكرر الكلمة نفسها (ܟܐܦܐ (كيفا) ... ܟܐܦܐ) (كيفا)، حيث يفرق النص اليوناني بين Πέτρος (پِتروس) وπέτρα (پِترا): «أنت صخرة (كيفا) وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي». ونقرأ هذا الصدى اللفظي إلى جانب الصلة بين الحيرة والكوفة، وما انتقل بينهما من سكان وآثار أربعين ديرا. ثم نتأمل معنى العموم في {وما أرسلناك إلا كافة للناس}، وما نسمعه في «كافة» من مجاورة صوتية لـ«كيفا/كفا». فهنا تجتمع لدينا مقارنة لغوية وصلة جغرافية وتاريخ انتقال ديني؛ ولكل منها موضعه في الصورة التي نبنيها.


لوحة عيسى ومريم في الكعبة

ويحفظ الأزرقي في «أخبار مكة» رواية عن صورة عيسى ومريم في الكعبة يوم الفتح. يذكر أن النبي ﷺ أمر بمحو الصور، ثم وضع يديه على صورة عيسى مع أمه وقال: «امحوا جميع الصور إلا ما تحت يدي». وقد اختلف في صحة الرواية، لكن بقاءها في أخبار مكة يجعلها مادة لبحث الذاكرة الدينية للبيت، والصور التي نسبت إليه قبل الإسلام.

فإن صحت الرواية، كانت صورة عيسى ومريم حاضرة في الكعبة قبل الفتح. وعندئذ يحق لنا أن نسأل عمن حملها، وعن التقليد الذي عظمها في هذا الموضع. ونفهمها في إطار الصلات بين أتباع المسيح في الهلال الخصيب والجزيرة، وامتداد تبجيله إلى الأماكن المقدسة فيها. وهذا ما يجعل الخبر مهماً لأطروحتنا: إنه يضع ذاكرة عيسى داخل الحياة الدينية العربية، في أخص مواضعها، بدلاً من حصرها في البلاد التي اشتهرت لاحقاً بأنها بلاده.


الحِجاز عند ابن إسحاق، والعَذراء في البَتراء

وإلى جانب الصورة المعلّقة على الجدار شهادةٌ مكتوبةٌ في أقدم كتب السيرة. فحين ساق ابن إسحاق (ت. ١٥١ هـ) خبر رسل النبيّ ﷺ إلى الملوك، استحضر لها سابقةً هي بعثةُ الحواريّين والأتباع الذين وجّههم عيسى عليه السلام إلى الأمم، وعدّدهم موضعاً موضعاً: بطرس ومعه بولس إلى رومية، وفيلبّس إلى أرض قرطاجنّة وهي إفريقية، ويُحنَّس إلى أفسوس (أفسس) قرية الفتية أصحاب الكهف، ويعقوبس إلى أورشليم وهي إيلياء قرية بيت المقدس. ثمّ قال في واحدٍ منهم: «وَابْنُ ثَلْمَاءَ إلَى الْأَعْرَابِيَّةِ، وَهِيَ أَرْضُ الْحِجَازِ». والنصُّ في السيرة النبويّة لابن هشام، في باب خروج رسل رسول الله ﷺ إلى الملوك، ص ٦٠٨ من طبعة مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة سنة ١٩٥٥.

و«ابنُ ثَلْماء» هو برثلماوس؛ فالاسم اليونانيّ Βαρθολομαῖος (بارثولومايُوس) إنّما هو «بَر تُلماي» الآراميّ، أي ابن تُلماي، والعربيّةُ هنا نقلت الكنية الساميّة على أصلها ولم تُعرّب اللفظ اليونانيّ. والتقليدُ الكنسيّ يُرسله في اتّجاهٍ آخر: يذكر أوسابيوس القيصريّ في تاريخ الكنيسة (الكتاب الخامس، الفصل العاشر) أنّ بنطينوس بلغ «الهند» فوجد عند أهلها إنجيل متّى بالعبرانيّة تركه لهم برثلماوس، وقد اختلف الدارسون في تحديد «هند» أوسابيوس نفسِها، فحملها بعضُهم على أطراف الجزيرة وبعضُهم على الحبشة. ولا يُحمَّل نصُّ ابن إسحاق أكثر ممّا يحتمل: هو جامعٌ من القرن الثاني الهجريّ يكتب بعد الحدث بقرون، وقائمتُه تسير بغير إسناد، وأغلبُ الظنّ أنّها بلغته عن إخباريّين نصارى، والزيادةُ التفسيريّة «وهي أرض الحجاز» قد تكون منه أو ممّن دوّنها بعده. وغايةُ ما يُقال إذن: أنّ الذاكرة الإسلاميّة الأولى، في أقدم نصوصها المبسوطة، وضعت في الحجاز موضعاً من مواضع الدعوة العيسويّة، ولم تجد في ذلك غرابةً تستدعي شرحاً.

وأمّا الشاهدُ الثاني فمن الجهة المقابلة، ومن قلم خصمٍ لا حليف. إبيفانيوس السلاميسيّ Epiphanius of Salamis (نحو ٣١٥ ـ ٤٠٣م) عرض في كتابه «Panarion»، في القسم الموجَّه إلى «الألوجي»، لطقوسٍ وثنيّة تُقام ليلة عيد الظهور. قال إنّ في البتراء ـ وهي عنده حاضرة العربيّة التي يسمّيها الكتابُ أدوم ـ يُرتّلون للعذراء باللسان العربيّ، ويسمّونها باسمٍ نقله هو باليونانيّة «Chaamou» (وفي روايةٍ أخرى «Chaabou») وفسّره بـ«الفتاة» و«العذراء»، ويسمّون المولود منها «Dusares» وفسّره بـ«وحيد الربّ»؛ وأنّ مثل ذلك يجري في مدينة إلوسة في تلك الليلة عينها. والموضع من كتابه: Panarion 51.22.11.

كان إبيفانيوس يكتب في معرض الخصومة الدينية، ويريد أن يعرض هذه الطقوس بوصفها محاكاة وثنية لميلاد المسيح. لذلك ننظر في خبره وفي الغرض الذي ساقه من أجله معاً. واسم العذراء الذي نقله بصورتين مختلفتين لا يزال موضع خلاف؛ حتى قرأه بعض الدارسين لفظاً للحجر المكعب. أما «ذو الشرى» فمعروف في النقوش النبطية بصيغة dwšrʾ، في البتراء والحجر (مدائن صالح)، وذكره ابن الكلبي في «كتاب الأصنام». وإلوسة هي حلوصة المعروفة في النقب. وبهذا تبقى للخبر أرضه وأسماؤه، ويبقى فيه وصف رجل من القرن الرابع لترتيل عربي يتعلق بعذراء وولدها في مدينتين عربيتين.

وهنا يُلامس الخبرُ سؤالاً قرآنيّاً. فسورة المائدة تسأل عيسى عليه السلام عن قومٍ اتّخذوه هو وأمَّه إلهين من دون الله (الآية ١١٦)، والسؤالُ في ظاهره غريبٌ عن اللاهوت الكنسيّ الرسميّ، فما جعلت مجامعُه مريمَ عليها السلام إلهاً قطّ، وإن رفعتها إلى «والدة الإله» في أفسس سنة ٤٣١م. لكنّ الآية تصف عبادةً قائمةً في قوم، وذاك شأنٌ غير شأن المجامع. وشهادةُ إبيفانيوس تُرينا أنّ في الجوار العربيّ، قبل البعثة بثلاثة قرون، عذراءَ يُهتف لها بالعربيّة وولداً يُدعى «وحيد الربّ». والوحيُ في قراءة هذا الكتاب منبعٌ لا فرع، والخبرُ هنا شاهدٌ على المحيط الذي نزل فيه الخطاب؛ غايةُ ما يفيده أنّ الصورة التي تنفيها الآية، أمٌّ وولدٌ يُعبدان معاً بلسانٍ عربيّ، كان لها في الجزيرة وأطرافها وجودٌ مشهود.


حران وصلاتها بمسار البحث

وتعود بنا هذه الطرق إلى حران، في جنوب تركيا اليوم على مقربة من الحدود السورية. فقد اجتمع في تاريخها ما تفرق في مدن أخرى: خبر إبراهيم، وعبادة سين التي نبحث في معناها، وأسرة نبونيد، ثم حياة الصابئة ونقل العلوم. ومن أجل ذلك تتكرر في هذا الكتاب.

يروي سفر التكوين أن تارح خرج بأسرته من أور، ثم «فأتوا إلى حران وأقاموا هناك» (١١: ٣١). وفيها مات تارح، ومنها تابع إبراهيم عليه السلام رحلته نحو الأرض المقدسة. فكانت حران، في هذه الرواية، موضع إقامة واستئناف للرحلة، لا اسماً عابراً في الطريق.

وارتبطت حران أيضاً بأسرة نبونيد؛ ففيها كانت أمه كاهنة لسين، وإليها توجه اهتمامه بإعادة بناء معبده «إيخولخول». ثم عُرفت المدينة قروناً مركزاً للصابئة الحرانيين، بما حفظوه من فلك ورياضيات وطب وفلسفة كوكبية متصلة بالأفلاطونية المحدثة. وفي تاريخها نرى التقاء الحكمة الكلدية البابلية بالتراث اليوناني، واستمرار الاشتغال بهما مع تغير الدول. ومن أبنائها ثابت بن قرة (836–901م)، الذي نقل إلى العربية أعمالاً لأرخميدس وأبولونيوس وإقليدس وبطليموس. وهذه الصلة العلمية وجه آخر من وجوه استمرار التراث الشرقي الذي نتتبعه.

وتجاور الأسماء في هذا البحث لا يلغي تباعد المواضع: الحيرة في العراق، وحران في أعالي الجزيرة، وحوران في جنوب الشام. قيمتها أنها محطات محتملة للحركة وحفظ الأخبار، لا أنها موضع واحد أخطأت الكتب في تسميته.


تناخ وتنوخ: تشابه الاسمين

وهنا يَبرز أمامنا تَطابقٌ صامتيٌّ يَستحقّ التأمّل. «التناخ» (תנ"ך) (تَناخ)، الاسم اليهوديّ المتأخّر للكتاب المقدّس العبريّ، هو في الحقيقة اختصارٌ ساكَ في العصر الوسيط من ثلاث كلمات (تورا، نبيئيم، كتوبيم)، وليس اسماً مفرداً من جذرٍ ساميٍّ مُسْتَقِلّ. أمّا «تَنُوخ»، اسم أحد أعظم الاتّحادات القبليّة العربيّة المسيحيّة التي درَسناها آنفاً، فهو اسمٌ عربيٌّ أصيلٌ من الجذر العربيّ «ت-ن-خ». ومن ثَمّ فالتطابق بين الكلمتين تَطابقٌ في الهيئة الصامتيّة الظاهرة (ت-ن-خ)، لا تَطابقٌ جذريٌّ صرفيٌّ بالمعنى الدقيق، إذ إنّ «تناخ» اختصارٌ لا جذر.

نشأ الاتحاد التنوخي في شرق الجزيرة العربية في القرن الثاني الميلادي، ثم انتقلت جماعاته إلى الحيرة، ومنها امتدت إلى الشام في العهد البيزنطي. وقد رأينا، في خبر ماوية، كيف اتصل الانتساب المسيحي بالدفاع عن استقلال الاختيار الديني. وهذا المسار بين الجزيرة والعراق والشام هو السياق الذي نضع فيه الاسم.

ومع اختلاف تكوين اللفظين، يبقى السؤال عن التشابه الصامتي بين «تناخ» و«تنوخ». هل كان لاختيار الاختصار العبري صلة بما يوحي به هذا البناء من معنى ديني في المحيط السامي، على نحو ما توحي به ألفاظ مثل «تنزيل» و«اتقاء» في مجالها؟ أم جاء التشابه اتفاقاً؟ نترك السؤال مفتوحاً، ونذكره ضمن المقارنات التي تدعونا إلى قراءة الأسماء في فضائها المشترك. ولا يغني هذا الاحتمال عن الفرق الذي شرحناه بين اسم قبلي واختصار لأسماء أقسام الكتاب.


الحائط وفدك: النقش البابليّ والجسر المفقود

ومن الشواهد المادية على امتداد نفوذ نبونيد نقش الحائط في إقليم حائل بشمال الجزيرة. أعلنت هيئة التراث السعودية العثور عليه في واجهة بازلتية سوداء، يحمل اسم الملك وصورته، ووُصف بأنه أطول نقش مسماري عُثر عليه في المملكة. والحائط هي فدك، الواحة التي تقع على نحو مئة وأربعين كيلومتراً شمال المدينة المنورة، ضمن الممر الذي يصل تيماء وخيبر ويثرب. وتحفظ المصادر الإسلامية أخبار جالية يهودية فيها عرفت بالحرف والعلوم. وإلى هذه المادة يضاف نقش آرامي من تيماء مؤرخ بسنة ٢٠٣م، يذكر أصحاب أسماء يهودية تولوا مناصب محلية. وهكذا نتابع في الممر نفسه أثر الملك البابلي، ثم أخبار الجماعات التي سكنته بعده.

ثم عادت فدك إلى صلب التاريخ الإسلامي في الخلاف بين فاطمة الزهراء وأبي بكر بعد وفاة النبي ﷺ. يعنينا هنا، إلى جانب ما كُتب في ملكيتها، استمرار حضور الواحة: حملت أثر نبونيد، وعاشت فيها جماعات يهودية قروناً، ثم ارتبط اسمها بالنبي وابنته في روايات فدك وحقها فيها. وفي هذه الطبقات المتعاقبة نقرأ صلتها بخريطة الدين التي نرسمها، من بابل إلى شمال الجزيرة ثم إلى البيئة المحمدية.


الرواية الشيعية: عيسى ومريم على ضفاف الفرات

وتحفظ الرواية الشيعية صورة لعيسى ومريم في العراق. ينقل المجلسي في «بحار الأنوار» خبراً عن موسى بن جعفر الكاظم (٧٤٥–٧٩٩م)، يجعل مخاض مريم قرب الفرات، بين النخيل والكروم، ويصل «السري» في قوله تعالى «قد جعل ربك تحتك سريا» بفرع من فروع النهر. تلائم هذه الصورة بيئة جنوب العراق، بينما تختلف عن بيت لحم الجبلية، التي ترتفع نحو ٧٧٥ متراً ولا يجري فيها نهر. ومن هنا نهتم بالخبر، وبما يصحبه في الذاكرة الشيعية من صلة عيسى وعودته بالعراق. نقرأ ذلك بقايا ذاكرة رافدية لشخصيته، ظلت حاضرة إلى جانب الجغرافيا الفلسطينية التي غلبت على رواية سيرته.

إذا جمعنا آثار نبونيد في تيماء والحائط، وخبر الشافي الإسرائيلي في 4Q242، وأخبار الجماعات في خيبر ويثرب، ثم روايات الفرات وأديرة الحيرة وحركة التنوخيين وثورة ماوية، ظهرت خريطة أوسع لذاكرة المسيح. نميز فيها طريقاً حجازياً من تيماء إلى يثرب ومكة، وطريقاً عراقياً من بابل إلى الحيرة والكوفة، وتصل حران بين عناصر من تاريخ الطريقين. وفي قلب القراءة التي نقترحها يقف نبونيد، بسيرته وآثاره وحضوره في شمال الجزيرة. فهذه المواضع هي التي نبحث فيها عن حفظ الخبر وانتقاله، إلى جانب ما نُقل في أورشليم وعنها.


صورة أوسع للجزيرة

تظهر الجزيرة، بعد هذه الجولة، أرضاً للجدل الديني وتبادل الأخبار والكتب، تعيش فيها الوثنية إلى جانب تقاليد التوحيد، وتتصل جماعاتها بالمراكز المسيحية واليهودية من حولها. وفي هذا المحيط نفهم ظهور الإسلام امتداداً لحركة دينية طويلة وتصحيحاً لمسارها. فالدعوة المحمدية خرجت إلى أناس لهم معرفة وموروث واختلاف، وخاطبت ذلك كله وهي تعيد بيان الدين الواحد.

الميراث الديني العربي والدعوة المحمدية

عرفت البيئات العربية صوراً متعددة من المسيحية، واتصل بعضها بكنائس ذات لاهوت متطور ومؤسسات واضحة. لذلك لا نضمها كلها إلى الأبيونيين أو إلى عقيدة واحدة. الذي نبحث عنه هو ما حفظته هذه البيئات من لسان وصورة للنبوة وذاكرة محلية يمكن مقارنتها بأخبار المسيح.

في هذا الإطار نفهم الدعوة المحمدية امتداداً للدين الواحد وتصحيحاً لما دخل على معرفته بالله والإنسان. ولا يتطلب هذا المعنى أن نجعل كل جماعة سبقتها موافقة لها في كل تفصيل؛ فالاستمرار قد يصاحبه نقد وإحياء لما غاب.

الرجلان والصورة العقدية

يَقوم هذا الكتاب كلُّه على تمييزٍ صريحٍ بين ثلاث صورٍ لا نَخلط بينها:

  1. عيسى ابن مريم: النبي الملك الذي نطابقه بنبونيد، ونضع سيرته في القرن السادس قبل الميلاد.
  2. يسوع الناصري: رجل صالح لاحق، نراه وارثاً لتراث المسيح، وربما معلماً في إحدى جماعاته. لا نحسم ما ادعاه لنفسه مما لم يمكن تمييزه عن طبقات الرواية.
  3. الصورة المؤلَّهة: البناء العقدي الذي تشكل حول اسم يسوع وحجب في قراءتنا حقيقة عيسى. هذا هو موضع نقد الدجل، لا اتهام الرجل بالتعمد والكذب.

والخريطة التي نرسمها تضم مستويين متصلين: جغرافيا حياة نبونيد التي تشهد لها النقوش، وجغرافيا انتقال الأخبار والجماعات التي حملتها. لا يلزم أن يكون صاحب الرسالة قد زار بنفسه كل مكان وصل إليه أثره.


الجزيرةُ: الأرضُ المقطوعة، والقلبُ لا المنفى

يقول ابن فارس في «مقاييس اللغة»: «الجيم والزاء والراء أصل واحد، وهو القطع... وسميت الجزيرة لانقطاعها». فالقطع هو المعنى الجامع للمادة، سواء أحاط البحر بالأرض أو انفصلت عما حولها بوجه آخر. ونقرأ هذا الجذر بمنهج «الجذور» الذي نعتمده، حيث العربية والعبرية والآرامية السريانية أطوار متصلة، والعربية أحفظها للأصل. ومن هذا المدخل نقارن بين استعمال المادة في سفر اللاويين واسم الجزيرة الفراتية.

فهذا الجَذرُ بعَينِه يُسمّي ثلاثةً تَلتقي عند معنى القَطع: مَقصِدُ كَبشِ الخطيئة في يوم الكَفّارة، وهو «أرضُ الجَزَرة» (eretz gezerah، لاويّين ١٦:٢٢) أيْ «أرضٌ مَقطوعة» يُحمَل إليها الإثمُ فتُقطَع به الخطيئةُ عن الجَماعة؛ وصَيحةُ المَسبيّين «نِجزَرنا» (nigzarnū، حزقيال ٣٧:١١) أيْ «انقُطِعنا» وانبَتَرنا عن أرضِنا ورَجائنا؛ و«الجَزيرة» نفسُها ـ أعالي بِلاد ما بين النهرَين ـ من السُريانيّة Gazartā أيْ «الجزيرةُ» التي قَطَعها وأحاطَ بها دِجلةُ والفُراتُ فصارت كالطافِيَةِ بين ماءَين. وقد جَمَع إدوارد ليبينسكي في دِراسته «الجَذر GZR في الساميّة» (Aula Orientalis ١٧/١٨، ١٩٩٩-٢٠٠٠) أطرافَ هذا المعنى الواحد: القَطعَ والذَبحَ وقَطعَ العَهد، ثُمّ ـ وهو الشاهدُ الحاسِم ـ «تَخطيطَ الأراضي وتَحديدَها بمياه الفَيَضان». قَطعٌ بالسِكّين، وقَطعٌ بالنهر: مادّةٌ واحدةٌ تَصِفُ السِكّينَ والنهرَ معاً.

وحران من مدن هذه الجزيرة؛ يضعها ياقوت الحموي في «معجم البلدان» في «جزيرة أقور»، قصبة ديار مضر. ونقترح من هذا الاتصال الجغرافي واللغوي قراءة «أرض الجزرة» في سفر اللاويين على أنها بلاد ما بين النهرين. فتعود الأرض التي نقرأها في خبر المنفى إلى موضع الأصل في بناء هذا الكتاب، وهو ما فصلناه في الملحق الحادي عشر. ومعنى القطع هنا يتيح لنا هذا الانتقال في النظر: فقد يكون انقطاع الأرض بما يحيط بها من نهرين، ويكون اسمها وصفاً للموطن نفسه، قبل أن يحمل في الرواية معنى البعد عنه.

الفصل ١٠ ـ الانتظار وانتقال هوية المسيح

حين تصبح الذكرى انتظاراً

قد يبقى أثر النبي بين الناس ثم تغيب معرفتهم بصاحب الأثر. وفي قراءة هذا الكتاب وقع ذلك لعيسى: بقيت حكمته وذكراه واسم المسيح، بينما تفرقت أخبار حياته بين ألسنة وجماعات. ومن هنا نفهم جانباً من الانتظار اللاحق، بوصفه بحثاً عن استعادة معنى معروف ثم محجوب. وليس سببه أن عيسى عجز عن إقامة ملك؛ فهو عندنا النبي الملك الذي نبحث عنه في سجل نبونيد.

موجة المدّعين في التاريخ اليهودي

وقد تتابعت، بين القرن الثاني قبل الميلاد والقرن الثاني بعده، حركات دينية وسياسية حمل أصحابها آمال التحرير وتجديد الجماعة. اختلفت مقاصدهم وتجاربهم، لكن أخبارهم تكشف مقدار ما كان يشغل الناس من انتظار الخلاص.

ثار المكابيون في القرن الثاني قبل الميلاد على الحكم السلوقي اليوناني وما فرضه على الحياة الدينية اليهودية. وحققوا نجاحاً عسكرياً وسياسياً، فرأى الناس فيهم أملاً للتحرير. غير أن إقامة الحكم لم تنه أسئلة النبوة والخلاص، فظل الانتظار قائماً بعد الثورة.

وظهر ثيوداس نحو سنة أربع وأربعين للميلاد، يدعو بصفته نبياً، ويعد أتباعه بأن يشق الأردن كما صنع يشوع بن نون. اجتمع إليه أناس حملوا رجاء دينياً وسياسياً، ثم قضت القوات الرومانية على حركته وقتلته. وفي خبره نرى كيف عادت صورة النجاة القديمة لتمنح حركة معاصرة معناها.

وفي مطلع القرن، سنة ٦م، دعا يهوذا الجليلي إلى مقاومة الضريبة الرومانية، وعد الخضوع لها منافياً لسلطان الله، الملك الوحيد. واتصلت حركته بتاريخ الزيلوتيين، أو الغيورين، الذين اجتمع في نهجهم الاعتقاد الديني والمقاومة المسلحة. وظل لهذا الموقف أثره في الحركات التي تلته.

ثم قاد شمعون بار كوخبا الثورة نحو سنة 132م. ولقبه الآرامي يعني «النجم»، وقد رأى فيه بعض الأوساط الدينية المسيح المنتظر. قاتل الرومان بضع سنين، وانتهت الثورة بمقتله وهزيمتها، لكن أثرها بقي في الذاكرة اليهودية. ففي هذا المثال يظهر اقتران الرجاء المسيحاني بقيادة سياسية وعسكرية على نحو صريح.

تظهر هذه الحركات تنوع الآمال الدينية والسياسية في عالم مضطرب. بعضها دعوة إصلاح، وبعضها مقاومة حكم أجنبي، وبعضها اقترن بتوقع مسيحاني. ولا نستطيع رد أصحابها جميعاً إلى نية واحدة، أو عد الاستجابة لهم دليلاً على خداعهم؛ وإنما نستحضر هذا المجال لنفهم كيف يُحمَّل الرجل الصالح آمالاً تتجاوز قصته الخاصة.

يسوع الناصري في سياق الحركات المتلاحقة

في هذا المجال نضع يسوع الناصري: رجلاً صالحاً من تيارات ورثت ذكر المسيح وتعليمه، وربما صار معلماً في إحداها. ولا يلزم من الألقاب التي أطلقها عليه أتباعه أو خصومه أن يكون قد تعمد انتحال هوية عيسى. أما الخبر عن محاكمته والعنوان الملكي على صليبه، فيضع جانباً من سيرته في بيئة الحكم الروماني؛ ونرجح أن يكون هذا الجانب من حياة يسوع، لا من حياة نبونيد.

وما جرى بعد المحاكمة والصلب يظل من المواضع التي لا نحسم تفاصيلها هنا. يحتمل تصورنا أن يسوع نجا وتعافى، وأن خبر نجاته دخل في الرواية اللاحقة عن القيامة. لكن هذه الإمكانية ليست نتيجة أثبتتها المصادر التي بين أيدينا. الذي يظهر بوضوح في رسائل بولس هو تحويل الموت والقيامة إلى مركز لتفسير الخلاص؛ وهنا يبدأ السؤال عن المسافة بين الواقعة والعقيدة التي بُنيت عليها.

لا نحتاج لفهم هذا التحول إلى افتراض أن بولس خطط لاستغلال حزن الناس. فقد يصدق المرء في تجربته ثم يفسرها داخل بناء يغير معنى التراث الذي تلقاه. سنقرأ هذا البناء من رسائله، وننظر فيما أضافه إلى صورة المسيح وما نقله إلى المركز من تعاليمه.

كيف ينتقل اللقب وتلتحق به الأخبار

اللقب «المسيح» ليس اسماً شخصياً مغلقاً؛ إنه وصف ذو ذاكرة دينية. وحين يُعرف رجل لاحق بهذا اللقب، يمكن أن تنجذب إليه أخبار صاحبه الأقدم، ولا سيما إذا عاش في جماعة تتبع طريقه وتروي سيرته. هذا هو المسار الذي نقترحه لاختلاط عيسى بيسوع: رواية وحفظ وتمثل للمعلم، ثم امتزاج في الذاكرة، ثم استقرار رسمي للصورة المركبة. لم نعثر على سجل يحدد لحظة واحدة وقع فيها كل ذلك، ولا على نسب مستقل يثبت أن كلتا السيرتين احتوت أماً اسمها مريم؛ فقد يكون الاسم نفسه مما انتقل مع الخبر.

ما يعين على التمييز بين السيرتين

ونقول في يسوع صراحة: نراه رجلاً عاش في فلسطين الرومانية، دعا في قومه وحمل أثراً من طريق المسيح. ونربط به، على سبيل الترجيح، أخبار المحاكمة والصلب. أما موته أو نجاته فلا نحسمهما بعبارة تتجاوز بحثنا. والتلمذة لعيسى هنا وراثة طريق وتعليم عبر الأجيال، لا لقاء بين شخصين تفصل بينهما قرون.

ولكي نمضي في التمييز بين الرجلين، ننظر في البيئة التي تفترضها الأخبار: من تخاطب، وأي فرق تعرف، وما المسائل التي تجعلها موضع خصومة. فهذا أحد السبل إلى التعرف إلى زمن الخبر، إلى جانب الأسماء والأماكن والوثائق.

ويميز الكتاب بين تراث بني إسرائيل الأقدم وبين تشكل اليهودية حركةً ذات مؤسسات وحدود للهوية. ويستفيد في ذلك من بحث يوناتان أدلر عن زمن ظهور الشواهد على ممارسة أحكام التوراة على نطاق واسع. هذا البحث لا يقول إن جميع أصول الدين نشأت فجأة في القرن الثاني قبل الميلاد؛ إنه يتيح لنا سؤالاً أدق عن الزمن الذي صارت فيه الشريعة نظاماً اجتماعياً مشهوداً أثرياً.

وانظُر الآن في الصورتَين:

في الصورة القرآنية لعيسى لا نجد تسمية الفريسيين والصدوقيين ولا تفصيل جدالات السبت والعشور كما نجدها في الأناجيل. وفي الصورة الإنجيلية تحتل هذه الخلافات حيزاً واضحاً، إلى جانب الشفاء والتعليم والأمثال. هذا اختلاف في ملامح السيرة المعروضة؛ وهو عندنا أحد مواضع البحث عن طبقات مختلفة في الرواية، لا وصف لكل ما فعله أحد الرجلين في حياته.

قد يفسر الاختلافَ اختيارُ كل نص لموضوعه، وقد يكون وراءه اختلاف في زمن بعض الأخبار وأصحابها. نقارن الاحتمالين في ضوء ما سبق من الأسماء والأمكنة والنقوش. فإن أعادت مجموعة من الأخبار بناء بيئة أقدم على نحو متماسك، اكتسب الاختلاف دلالة أوسع من مجرد السكوت.

ويمكن للقارئ أن يجرب هذه المقارنة بنفسه: ما المشهد الذي يحتاج إلى سلطة رومانية وفرق يهودية متأخرة، وما المشهد الذي يستقيم في بيئة النبوة والكهانة الأقدم؟ بهذا السؤال نبدأ فرز الطبقات؛ ولا نزعم أننا فرزنا بالفعل كل خبر في الأناجيل.

ويظل اختيار النص لموضوعه جزءاً من تفسير ما يذكره وما يسكت عنه. لذلك نصل هذه المقارنة بوثائق الفصلين الخامس والسادس؛ فالدلالة التي نبحث عنها تنشأ من اجتماع ملامح الخبر مع شواهده، لا من غياب اسم أو حادثة وحده.

التِلميذُ الّذي رَوى سيرةَ مُعَلِّمِه: يَسوعُ تابِعاً لعيسى

ويبقى علينا أن نفسر كيف صارت السيرتان، في تصورنا، سيرة واحدة. نرى يسوع ناشئاً في جماعة حفظت خبر عيسى، يسلك طريقه، ويقتدي به في التعليم والشفاء، ويروي سيرته. ثم حملت الذاكرة بعض أخبار المعلم على وارثه، بما بينهما من شبه في القول والعمل. وهذا أحد وجوه قراءتنا لـ﴿شُبِّهَ لَهُمْ﴾، التي نفصلها في الفصل التاسع عشر: تبدأ الصلة بالتلمذة وحفظ التراث، ثم يضعف التمييز بين الراوي ومن يروي عنه.

وتعيننا أسماء الجماعات على هذا السؤال: الناصريون والناصورائيون والإيسيون وغيرها. لكن اختلاف دلالة الاسم بين مصدر وآخر يمنع أن نجعلها مترادفات جاهزة. نبحث في صفات الجماعة ومسارها وممارستها، ثم نختبر هل يصلها ذلك بطريق عيسى الذي نقترحه.

وتحفظ المدونة الإسلامية اللاحقة أقوالاً وحكماً منسوبة إلى عيسى، ومنها صورة الدنيا جسراً للعبور. نقرأها جزءاً من تاريخ ذاكرته الروحية، لا وثائق معاصرة له. وقد تبقى حكمة المعلم في تقليد وتنتقل بعض أخباره إلى شخصية أخرى في تقليد ثان؛ وهذا باب للمقارنة بين الألفاظ والسياقات، لا مساواة بين تاريخ تدوين القول وتاريخ صاحبه.

ثمّ إنّ التَقليدَ المَسيحيَّ نَفسَه يَحفَظُ ذاكِرةَ رَجُلٍ مُضاعَف. ففي «أَعمالِ توما»، وهي نَصٌّ سُريانيٌّ أُلِّفَ في الرُها قَبلَ سَنةِ ٢٤٠م، يُدعى الرَسولُ «يَهوذا توما»، وتوما في الآراميّةِ التَوأَم؛ ويُخاطِبُه النَصُّ (الفَصل ٣٩): «يا تَوأَمَ المَسيح، رَسولَ العَليّ»؛ وفي مَشهَدِ غُرفةِ العُرس (الفَصل ١١) يَرفَعُ العَريسُ السِترَ فيَرى الرَبَّ يُكَلِّمُ العَروسَ «في هَيئةِ يَهوذا توما» الّذي خَرَجَ لِلتَوّ، فيَقولُ له: أَلَم تَخرُج؟ فيُجيبُه: «لَستُ يَهوذا توما، أَنا أَخوه». فأَقدَمُ مَسيحيّةٍ سُريانيّةٍ تَحمِلُ في نَصِّها مَن يُشبِهُ المُعَلِّمَ ويُلتَبَسُ به ويُسَمّى أَخاه. وقِراءةُ هذا الكِتابِ لِلمَشهَد: هذه ذاكِرةُ التَلمَذةِ نَفسِها؛ الّذي يُشبِهُ هو الّذي يَتبَع.

ويقول يوحنا المعمدان في الإنجيل عن الآتي بعده: «كان قبلي» (يوحنا ١: ٣٠). يمكن أن تُقرأ السابقية في مرتبة الحقيقة والنور، كما تُقرأ لغة النور السابق في التراث الصوفي. لذلك لا نحصر العبارة في سبق الميلاد التاريخي، ولا نجعلها وحدها شاهداً على فارق القرون. الذي يعنينا هو إبقاء المعنيين أمام النظر، ثم سؤال النصوص الأخرى عن السياق الذي ترجحه.

وتحفظ بعض النصوص المندائية أوصافاً قاسية ليسوع. نعرضها بوصفها صوت أصحابها، ثم نسأل عما قد تحفظه من اعتراض على انتقال الهوية والصفة. أما فهمنا للرجل فيظل أنه صالح، وأن موضع الدجل بناء أقيم على اسمه. هكذا نستفيد من ذاكرة الخصومة المندائية، مع بقاء الفرق بينها وبين التفسير الذي نقدم له.

طرق مختلفة لحفظ الذاكرة

وتتسع خريطة الانتظار وحفظ التراث خارج يهود فلسطين. نجد الإيسيين الذين اعتزلوا إلى البرية، ونتابعهم هنا وفي الفصل السادس؛ والأبيونيين الذين عارضوا بولس وحفظوا صورة بشرية للمسيح، ولهم الفصل الثاني عشر؛ والمندائيين وحضور يحيى في تقليدهم، ولهم الفصل الرابع عشر. ونجد الحرانيين، الذين نقرأ فيهم ورثة للتوحيد البابلي المتصل بخط نبونيد، ينتظرون من يتلقى تراثهم، ويهود الواحات في تيماء وخيبر ويثرب وأخبار النبي الموعود عندهم، مما عرضناه في الفصلين السادس والتاسع. لكل جماعة لغتها في ما تحفظ وما تنتظر.

نبحث في هذه الجماعات عن أخبار ومعان لم تستوعبها الصورة البولسية والنيقاوية وحدها. وقد حفظت كل منها شيئاً مختلفاً، فتحتاج إلى قراءة مستقلة قبل أن نصل بينها. لذلك أفردنا لها مواضع في الكتاب؛ ومنها تتكون عندنا صورة التراث الذي استمر خارج المذهب الغالب، وتفاوتت طرقه في مواجهة التحولات الدينية.

معنى جديد للانتظار في ضوء الفرضية

إذا وضعنا عيسى ابن مريم في القرن السادس قبل الميلاد، كما نفعل في هذا الكتاب، أمكن أن نقرأ الانتظار اللاحق بحثاً عن امتداد لتراث قديم. فمع مرور القرون تتفرق تفاصيل السيرة، ويبقى اسم المسيح وما تعلق به من رجاء. ويستطيع الناس عندئذ أن يروا في رجل لاحق تحقيقاً لما ينتظرون، وأن يحملوه من ذكر المعلم الأول أكثر مما تحمله قصته الخاصة. بهذا نفهم كيف انتقلت الذكرى إلى انتظار، وكيف هيأ الانتظار لانتقال الهوية.

وتكشف رسائل بولس عن جواب مختلف للانتظار، يجعل المسيح ومصيره محور خلاص الأمم. ثم تأتي القراءة القرآنية فترد مركز العلاقة إلى عبادة الله: ﴿اعبدوا الله ربي وربكم﴾. وسؤال الكتاب هو كيف انتقل التراث بين هاتين الصورتين، وما الذي بقي تحت البناء اللاحق من أخبار النور الأول ومعلمه وحملة طريقه.

المسيحان في قمران: سؤال الهوية والوظيفة

وتكشف نصوص الانتظار عن صور متعددة: مسيح يتصل بهارون، وآخر بداود، ونبي مثل موسى. اجتمعت هذه المعاني بصيغ مختلفة في تراث الأنبياء، ثم نجد في وثائق قمران تعبيراً عن انتظار مسيحين. وهذه المادة تستحق أن تقرأ بتفصيلها، لأنها توسع الصورة التي اعتدنا حصرها في منتظر واحد.

نجمع هنا النصوص التي تفتح سؤال تعدد المنتظرين، ثم نقارنها بالعلاقة بين عيسى ويحيى، أو بين عيسى ومحمد ﷺ. وغرض المقارنة أن نفهم الأشخاص وصلاتهم؛ فالنبوة والملك والسلوك قد تجتمع، ولا نفترض من البداية قسمة تجعل أحد النبيين للروح والآخر للحكم.


عقيدة المسيحَين في قمران

ترد في «قانون الجماعة» (1QS 9:11) إشارة إلى النبي ومسيحي هارون وإسرائيل. وترد في وثيقة دمشق صيغ أخرى، منها المفرد «مسيح هارون وإسرائيل». هذا التنوع مهم: نحن أمام مجموعة نصوص وتوقعات، لا سيرة مفصلة لشخصين اتفق جميع الكتّاب على اسميهما وتسلسل ظهورهما.

يحمل وصف «هارون» الصلة بالكهنوت والنسب الهاروني. ومن هنا يرى الكتاب مناسبةً لمقارنته بعيسى ابن مريم، من البيت الذي يخاطَب فيه بقوله «يا أخت هارون». ولا يعني ذلك أن صاحب هذا النسب لا يملك أو يحكم؛ فجمع النبوة والملك في عيسى أصل من أصول قراءتنا.

أما «إسرائيل» والانتظار الداودي فيدخلان في صورة قيادة الجماعة وتجديدها. ينبغي أن نقرأ كل نص في لفظه: بعضه يصرح بداود أو غصنه، وبعضه يتناول أمير الجماعة أو مفسر الشريعة. ولا نستبدل النسب الداودي بنسب إبراهيم العام كي نصنع تطابقاً لم يقله الشاهد.

ويعرض جون كولينز في «The Scepter and the Star» تنوع هذه التوقعات المسيحانية. وفي المادة نفسها نجد «معلم البر»، وله موضعه الخاص في ذاكرة الجماعة. وحين نقارن صورة المعلم بصورة الكاهن والنبي، نحتاج إلى متابعة ما نسب إلى كل لقب، حتى نعرف مواضع الالتقاء والاختلاف بينها.

وتضيف وثيقة «الفلوريليجيوم» (4Q174) مقابلة بين «غصن داود» و«مفسر الشريعة». نصلها بصورة زكريا: «كاهن على عرشه، ومشورة سلام بين الاثنين». ويذكر «تفسير سفر التكوين» (4Q252) «مسيح البر، غصن داود»، عند تفسير «لا يزول قضيب من يهوذا» (تكوين ٤٩:١٠). فصورة القيادة الملكية حاضرة إلى جانب صورة المعلم والكاهن. ثم نعود إلى اختلاف الصيغة بين الجمع في «قانون الجماعة» (1QS 9:11)، «مسيحي هارون وإسرائيل»، والمفرد المحتمل في «وثيقة دمشق» (CD). وهذا الاختلاف يبقي سؤال الشخص الجامع أو الشخصين قائماً، ويمنع أن نقرأ الوثائق كلها كأنها صيغة واحدة.

النصوص التي تفتح المقارنة

يسهل تتبع هذه المقارنة إذا وضعنا كل شاهد إلى جانب السؤال الذي يفتحه:

الشاهدما يلفت النظر فيهما نبحثه
1QS 9:11النبي ومسيحا هارون وإسرائيلالعلاقة بين النبوة والكهنوت وقيادة الجماعة
وثيقة دمشقصيغ منها مسيح هارون وإسرائيل بالمفردهل تجمع الوظائف في شخص أم تشير إلى انتظار متنوع؟
4Q174غصن داود ومفسر الشريعةصلة الشخصيتين وتوقيت ظهورهما في تصور الكاتب
4Q252المسيح وغصن داودالدلالة الخاصة للانتظار الداودي

قراءة الجدول

تتيح لنا هذه النصوص أن نبحث في ذكرى عيسى ويحيى، النبي الملك ومعلمه، أو في انتظار عيسى والنبي الخاتم في مرحلتين. وما يزال تعيين المقصود مفتوحاً. وللتقدم فيه نجمع أوصاف العلاقة بين الشخصيات، ثم ننظر في أي القراءتين تفسرها على نحو أوفى.

وفي الحالين نفهم التتابع تتابع هداية وتكميل للمعرفة والأخلاق، مع اختلاف الظروف التاريخية. أما ملك عيسى فثابت في بناء أطروحتنا، ولا نجعل مجيء محمد ﷺ تعويضاً عن عجز سابق عن إقامة الحكم.

ما يبقى من السؤال

قيمة قمران أنها تحفظ تنوعاً في انتظار النبي والمسيح قبل استقرار الصورة الكنسية اللاحقة. ومنها نأخذ سؤالاً حياً عن الأسماء والوظائف والذاكرة، لا شهادة جاهزة بكل تفاصيل أطروحتنا. وتظل المقارنة بعيسى ويحيى والنبي الخاتم جزءاً من البحث الذي فتحته هذه النصوص.


آل عمران في بيئةٍ قمرانيّة-إسينيّة: تقاطعاتٌ سياقيّة

ونختم هذه الجولة بالمقارنة بين الصورة التي ترسمها سورتا آل عمران ومريم، وبين ممارسات الجماعات التي حفظت قمران أخبارها. نبدأ هنا بالموضوعات، مع إبقاء «عمران» اسم الأسرة القرآنية وأبي مريم في التفسير المعروف. فالسؤال الأول عما يجمع الصورتين من نذر وخدمة وطهارة وتعليم، قبل أن ننتقل إلى أي اقتراح لغوي للاسم.

إذا جمعنا عناصر القصة القرآنية ظهرت أمامنا هذه الموضوعات المتقاربة:

  • نذر امرأة عمران ما في بطنها يضع الأسرة في بيئة تكريس وخدمة دينية؛ ويمكن مقارنته بأنظمة النذر دون مساواته تلقائياً بنذر النازير.
  • المحراب وكفالة زكريا والانتساب الهاروني ترسم صلة بمؤسسة دينية وبيت كهنوتي.
  • الاعتزال والصمت والطهارة معانٍ حاضرة في القصة، ولها نظائر في جماعات البرية؛ ولا يعني ذلك أن كل صمت فيها طقس قمراني مسمى.
  • التطهر بالماء يفتح باب المقارنة بين جماعات متعددة، مع تمييز المصبتا المندائية من مصطلحات قمران وممارساتها.
  • الاصطفاء يجمع الأسرة في معنى رسالي يمكن أن يستمر أثره في أتباع لاحقين.

وفي المشهد لفظان ينقلاننا من وصف التعبد إلى صورة البناء الديني وتنظيم الخدمة فيه: المحراب والكفالة.

أما المحراب، فصورته أوسع من كوة للصلاة. يقول القرآن في عمل الجن لسليمان: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ (سبأ ١٣)، فيذكر المحاريب ضمن المنشآت المصنوعة. وتعرف نقوش جنوب الجزيرة mḥrb، أي «محرب»، اسماً لبناء في الحرم، إلى جانب mḥrm، «محرم»، للحرم نفسه؛ ومنه الاسم المعروف «محرم بلقيس». فهذا الاستعمال المعماري المقدس يساعدنا على تصور الموضع الذي عاشت فيه مريم ودخل عليها زكريا.

وعلى هذه القراءة نرى مريم ربيبة حرم له بناؤه وخدمته، ونفهم دخول زكريا عليها ضمن علاقته بهذه المؤسسة الدينية. تصبح البيئة أوضح حين نستحضر المكان القائم ومن يتولون أمره.

﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾: يوحي مشهد الاقتراع بمكانة خاصة للكفالة بين أهل تلك البيئة. ويمكن أن نقارنه بطرائق توزيع مسؤوليات المقدسات، لكنه لا يثبت وحده أنها وظيفة مكية بعينها. يهمنا هنا اجتماع الأسرة والخدمة الدينية، لا نقل المشهد إلى حرم آخر قبل تعيين صلته به.

واجتماع المحراب والكفالة يعين على فهم ما قلناه عن الأسماء والوظائف في هذه البيئة. فحيث يكون حرم مبني تكون له خدمة ومسؤوليات، وقد يحمل الاسم ذكر المنصب كما يحمل ذكر صاحبه.

ترسم هذه العناصر بيئة دينية تصلح للمقارنة مع ما حفظته جماعات قمران. وفي تأريخ الكتاب تسبق أسرة عيسى تلك الجماعات بقرون؛ لذلك نبحث في احتمال استمرار تراثها فيها، لا في عضويتها في تنظيم متأخر عنها. وهذا الفرق يحفظ معنى الامتداد دون أن يخلط الأزمنة.

قمران وعمران: تقارب يستحق الاختبار

يدعو تقارب «قمران» و«عمران» إلى السؤال، وخصوصاً عند اجتماعه مع صورة البيت الكهنوتي. غير أن الوصول من تقارب الاسم إلى تاريخ له يحتاج معرفة قِدم اسم الموقع وصوره في اللغات، ثم بيان التحول الصوتي بالشواهد.

ويتطلب البحث اللغوي فحص كل مقابلة صوتية على حدة. فالقاف والغين والعين لا تكفي مجاورتها لتكوين طريق إبدال يصلح لكل اسم؛ وإنما تفيد الصور المؤرخة والشواهد التي تبين كيف نطق أهل اللسان الواحد الاسم وكيف نقله غيرهم.

تبقى الصلة بين «قمران» و«عمران» اقتراحاً نبحث عما يوضحه. وقد يفيد فيه ظهور صيغة قديمة وسيطة، أو خبر يصل الجماعة بالبيت نفسه. وإلى أن نجد ذلك، نضع التشابه اللفظي إلى جانب المقارنة التاريخية والروحية، ولكل منهما مادته.

وتبقى المقارنة الروحية والتاريخية قائمة حتى لو لم يثبت الاشتقاق: النذر، والكهنوت، والطهارة، وحفظ الكتاب، وانتظار تجدد الهداية. هذه عناصر يمكن درسها مباشرة في النصوص.

وهكذا يبقى اسم الأسرة القرآنية في موضعه من القصة، وتعيننا وثائق قمران على البحث عن ورثة تراثها. وما نريده من جمع الأخبار أكبر مما يمكن أن يستقل به تشابه اسمين.

ومن هنا نتابع حركة الذاكرة: من البيت الذي خرج منه عيسى إلى الجماعات التي حفظت خبره، ثم إلى البيئات التي أعادت تفسيره. وفي هذه المرحلة يظهر دور بولس بوضوح، إذ نقل مركز الرسالة إلى بناء عقدي سيكون له أثر بالغ فيما تلاه.

الفصل ١١ ـ بولس: الرجل الذي لم يلتقِ المسيح وصنع المسيحيّة

نشأ شاول، الذي عرف لاحقاً ببولس، في طرسوس بكيليكيا، عند ملتقى عالمين: الشريعة اليهودية والثقافة اليونانية. وتقدمه الأخبار يهودياً بالمولد، فريسياً بالتربية، ذا جنسية رومانية. ويروي سفر أعمال الرسل حضوره رجم استفانوس وحفظه ثياب الراجمين. ثم سيغدو الرجل الذي شارك في اضطهاد الدعوة أحد أوسع مبشريها أثراً.

يروي سفر الأعمال تحوله على طريق دمشق في أكثر من موضع، وتحدثنا رسائله عما تلقاه من كشف وعن دعوته إلى التبشير. وللتجربة الروحية مكان معتبر في قراءتنا، لذلك نبدأ من أثرها عند صاحبها، ثم ننظر في التفسير الذي أقامه عليها. لم يعرف لنا لقاء بين بولس ويسوع قبل الصلب، لكنه التقى بعد ذلك بطرس ويعقوب وغيرهما، كما تخبر رسائله. وهذا الفرق بين التلمذة المباشرة والاتصال اللاحق بالجماعة يفيد في فهم مصدر سلطته فيها.

يعطي جيمس تابور في «Paul and Jesus» دور بولس وزناً تأسيسياً في الصورة التي صارت إليها المسيحية، ويبرز اختلافه عن يعقوب والجماعة الأولى. وتوجد قراءات أشد نقداً، منها قراءة هايم ماكوبي في «The Mythmaker»، وأخرى تعارض تفسير نشأة التعبد بيسوع بمجرد استعارة وثنية. لا يلزمنا أن نتبنى كل تفصيل في أي منها لكي نرى حجم التحول في نصوص بولس نفسها: مكان المسيح في الدعاء، وتفسير موته، وموقع الشريعة، وانفتاح الجماعة على الأمم.

وفي غلاطية ١: ١٧–١٨ يذكر ذهابه إلى بلاد العرب، ثم عودته إلى دمشق، وصعوده إلى أورشليم بعد ثلاث سنين. وتستوقفنا الرحلة لما عرضناه من حياة دينية في شمال الجزيرة: لعلها أتاحت له الاتصال بمن يحفظون خبراً أقدم عن المسيح. لا تفصل الرسالة غرض الرحلة ولا مدتها، ومن هنا يبدأ البحث في صلتها بتلك البيئات.


كيف قرأ الباحثون تجربة بولس

يتضح موضع الخلاف إذا قرأنا أيضاً التفسير الذي يقدمه الباحثون الأقرب إلى فهم بولس من داخله. ففي أعمال N. T. Wright وLarry Hurtado وJames D. G. Dunn مناقشات لتجربته وعلاقته بالجماعة الأولى والشريعة. ويمكن جمع أهم ما يفيدنا منها في النقاط التالية.

أولها أثر التجربة في حياته. فقد تحول من مضطهد إلى مبشر، واحتمل السجن والجلد في سبيل الدعوة؛ وهذا يرجح عند المدافعين عنه صدقه فيما اختبر. وفي كورنثوس الأولى، الإصحاح ١٥، يسرد أسماء من ظهر لهم يسوع بعد قيامته: بطرس، والإثنا عشر، وخمسمئة أخ معاً، ويعقوب، ثم يقول: «وآخر الكل كأنه للسقط ظهر لي أنا أيضا». فهو يضع تجربته في آخر السلسلة، ويميزها من تجارب من سبقوه.

وثانيها قدم الرسائل. فأقدمها يؤرخ بنحو ٥٠م، بينما يؤرخ إنجيل مرقس بنحو ٧٠م؛ فهي تسبق الأناجيل المحفوظة في التدوين. ولهذا تكون شهادة بولس قريبة العهد بالجماعة الأولى، حتى مع غياب لقائه بيسوع في حياته. وينبه الباحثون هنا إلى أن علاقة كتبة الأناجيل بالمشاهدة المباشرة نفسها مسألة بحث، فلا يكفي هذا الاعتراض وحده لإسقاط رسائل بولس مع قبول سائر الروايات المنقولة.

وثالثها اتصاله بالأعمدة. يقول إنه أقام عند بطرس خمسة عشر يوماً بعد ثلاث سنوات (غلاطية ١: ١٨)، ثم عاد بعد أربع عشرة سنة مع برنابا وتيتس، وعرض إنجيله على يعقوب وكيفا ويوحنا، فأعطوه «يمين الشركة» (غلاطية ٢: ٩)، وذكروه بـ«الفقراء». ويقرأ المدافعون هذا الاتفاق توزيعاً للعمل بين الأمم واليهود، ودليلاً على قدر من الاعتراف المتبادل، مع ما بقي بينهم من خلاف.

ورابعها فهم موقفه من الشريعة. يفرق هؤلاء بين إعفاء الداخلين من الأمم من أحكام الختان والطعام والسبت بصورتها اليهودية، وبين إسقاط القيمة الأخلاقية للشريعة. ففي رومية ٧ يقول: «الناموس مقدس، والوصية مقدسة وعادلة وصالحة». ويرون أنه جعل الشريعة تكشف الخطيئة، وجعل المسيح يتمم مقصدها؛ ثم يصلون ذلك بقول يسوع في متى ٥: ١٧ عن التتميم.

ويرى لاري هورتادو أن التعبد بيسوع، كما يظهر في رسائل بولس، يمتد إلى جماعات يهودية مؤمنة سابقة على نشاطه، ولا يفسَّر بمجرد استيراد ديانات الأسرار. وهذا اعتراض مؤثر على القول إن بولس ابتكر كل عناصر التصور وحده. لكنه لا يلغي دوره في صياغتها ونشرها داخل جماعات واسعة. انظر عرضه المباشر في «Jesus-Devotion and Historical Questions».

موضع اعتراضنا

لهذه القراءة ما تستند إليه من حياة بولس ورسائله. نأخذ ذلك في حسابنا، ثم نعيد السؤال إلى موضعه في الكتاب: ماذا صنعت هذه التجربة بالتراث الذي وصل إليه، وكيف تغير مركز الرسالة في تبشيره؟

تكشف المصادر اتصالاً واختلافاً بين بولس والأعمدة، كما تكشف صيغاً تلقاها وعملاً واسعاً بين الأمم. والذي يعنينا ما فعله بهذه المادة. فقد صاغ بناء جعل المسيح محور الدعاء والخلاص، وغير حدود الدخول إلى الجماعة وصلتها بالشريعة. وكان الخلاف على المائدة والختان من صميم هذه الحدود. ومن هنا ننقد مشروعه: من التحول الذي يظهر في رسائله وعمله، وهو أمر يمكن تتبعه، وإن لم نعرف نياته الباطنة أو نجعل كل تقليد إنجيلي صادراً عنه.

نرى بولس، لهذا، من أبرز صانعي المسيحية الجديدة. فقد جمع مرويات ومعاني متداولة، وأعاد ترتيبها في تصور امتلك قدرة واسعة على الانتشار. وقيمة دوره في البناء والنشر أوضح من سؤال من سبق إلى كل عنصر منفرد؛ فالمشروع الذي صاغه هو الذي ترك هذا الأثر في ما جاء بعده.

ولنعد إلى الرحلة العربية التي ذكرناها. يربط هنغل وشفيمر، في «بولس بين دمشق وأنطاكية» (١٩٩٧)، «بلاد العرب» في غلاطية ١: ١٧ بمملكة الأنباط زمن الحارث الرابع؛ ويقارن ذلك بذكر «والي الحارث الملك» في دمشق (٢ كورنثوس ١١: ٣٢). يفيدنا هذا التعيين الجغرافي في البحث عن بيئة الرحلة. أما غرضها فيُقرأ عادة بوصفه نشاطاً تبشيرياً مبكراً، ونقترح نحن أن نبحث أيضاً في احتمال لقائه هناك بتراث توحيدي أقدم. فالرحلة معلومة من كلامه، ويبقى ما تلقاه خلالها موضوع السؤال.


وقد قرأ الدكتور محمد مصطفى منصور الرحلة على هذا الوجه أيضاً: ذهاباً إلى من يحفظون خبر المسيح، وطلباً للمعرفة قبل استقرار التبشير. نستفيد من لفت النظر إلى هذا الاحتمال، ثم نعود إلى أخبار الرحلة والبيئة بحثاً عما يفسره أو يقويه.

بولس ضد الحواريين

يمثل الفرق بين بولس ومن عرفوا يسوع في حياته سؤالاً عن مصدر السلطة في الجماعة: فبولس يدافع عن رسوليته بما تلقاه من إعلان، لا بالتلمذة الأرضية وحدها. وتُظهر غلاطية ٢ خلافه العلني مع بطرس، بينما يعرض أعمال ١٥ اتفاقاً حول مطالب الداخلين من الأمم. ولا يقول يعقوب في هذا الفصل بفرض الشريعة كلها عليهم؛ لذلك نقارن الصورتين كما هما، ثم نبحث مقدار ما حفظته التقاليد الأخرى من الخلاف.

وتحفظ «التعارفات» المنسوبة إلى إكليمندس، في الكتاب الأول، مشهداً يهاجم فيه عدو يعقوب ويطرحه عن درج الهيكل. ربط باحثون هذا العدو ببولس، لكن النص أدب جدلي متأخر وصل في تحريرات لها تاريخها. نقرأه شاهداً على ذاكرة صراع مع الاتجاه البولسي، ولا ننقله كأنه محضر معاصر يثبت واقعة اعتداء محددة.

وفي الأدب الكليمنتي أيضاً تصور «النبي الحق»، واستمرار الهداية عبر الأنبياء. نصل هذا المعنى بفكرة وحدة النور وتتابع الرسالات، ونقارن صورة معارضة النبي بما نعرفه، مثلاً، عن السامري في مقابل موسى. وهذه المقابلة الأخيرة من عملنا نحن؛ نضع بها الموروثين أمام السؤال نفسه عن الهداية وما يعترضها.


افتتاح مرقس وإعادة قراءة النبوءة

يبدأ مرقس بنص يجمع ألفاظاً قريبة من خروج ٢٣: ٢٠ وملاخي ٣: ١، ثم من إشعياء ٤٠: ٣، ويضعها في سياق يحيى ويسوع. فهو يعيد قراءة النبوءات من خلال القصة التي يرويها، ويجعل طريق الرب الوارد فيها طريقاً لظهور الشخصية الإنجيلية. وتظهر أهمية ذلك في المقام الذي يمنحه ليسوع. ففهم هذا التركيب أوسع من ملاحظة تغير ضمير، وأقرب إلى بيان الطريقة التي بُني بها المعنى الجديد.

وكانت معان عالية عن المسيح حاضرة في رسائل بولس قبل تدوين الأناجيل، وفق التأريخ البحثي الغالب. ولذلك نرى صوراً متعددة تتجاور وتتطور، بدلاً من خط واحد يتدرج فيه التبنّي البشري إلى الألوهية عند يوحنا. وألقاب الرب وابن الله والمخلص تتحرك بدورها في أكثر من مجال: لها استعمالات كتابية ودينية، ولها صلات بلغة عبادة القياصرة. والمقارنة بين هذه المجالات تعين على فهم ما سمعه المخاطبون في الألقاب حين وصلت إليهم.

يرى روبرت برايس أن كثيراً من القصص الإنجيلية يمكن فهمه من خلال إعادة كتابة مواد أقدم، ويجعل هايام مكّوبي في The Mythmaker لبولس دوراً تأسيسياً في الصياغة المسيحية الجديدة. نستفيد من قوة السؤال الذي يطرحانه، ونميز آراءهما في المصادر وبولس من الوقائع التي تنطق بها الرسائل نفسها. فلا يتوقف نقدنا للتحول على قبول جميع فرضياتهما عن ديانات الأسرار أو هوية بولس.

وفي How Jesus Became God يتتبع بارت إرمان فهم الأتباع لمكانة يسوع، ويجد الاعتقاد بوجوده السابق وتجسده عند بولس، وربما في مادة تلقاها. فهذا التصور حاضر مبكراً، ثم تتغير صياغته وعلاقته بالمؤسسة الدينية والإلزام. وعند هذا التغير نضع جانباً أساسياً من سؤالنا.

ويميز إيرمان بين تصور يبدأ بإنسان يُرفع، وآخر يبدأ بكائن سابق يظهر إنساناً، ويضع بولس ضمن الثاني. وقد شرح ذلك في «Incarnation Christology, Angels, and Paul». تساعد هذه التفرقة على قراءة الرسائل من داخل لغتها، وعلى تجنب اختزالها في تبن روحي بسيط.


المادة الأقدم التي دخلت في البناء

تقودنا هذه الدراسات إلى سؤال عما دخل في العقيدة اللاحقة من أخبار ومعان أقدم. تختلف إجابات أصحابها، ويختلف جوابنا عنها أيضاً. ولذلك نفيد من مناقشاتهم في تعيين موضع التحول، ثم نقدم تفسيرنا على أساس المادة التي جمعناها لهذا الكتاب.

نرجع بهذه المادة إلى الطبقة التي نقترحها في زمن نبونيد. وهنا تبدأ إضافة الكتاب إلى النقاش؛ فأبحاث إيرمان وهورتادو وماكوبي لا تقرر هوية عيسى ونبونيد، وإنما نصل نحن بينها وبين قراءة النقوش والقرآن والمرويات. إن البحث في تكون العقيدة يفتح الطريق إلى هذه الطبقة، وتقوم المقارنات السابقة ببيان حجتنا فيها.

ويمكن الآن أن نقرأ لغة بولس بأفق أوسع، من رسائله نفسها. ففي كورنثوس الأولى ٨: ٦ يقابل بين الله الآب الذي منه الكل، والرب يسوع الذي به الكل. الفرق بين «منه» و«به» يتيح النظر في المصدر والوساطة، لكنه يضع يسوع أيضاً في علاقة كونية تتجاوز خبر المعلم في حياته الأرضية. وفي فيلبي ٢: ٦–١١ يجمع صورة الله وإخلاء النفس والطاعة، ثم ترفيع الله له وسجود الركب والاعتراف بربوبيته لمجد الآب. فالخضوع لله وعلو المقام حاضران في المقطع نفسه.

ثم يشتد أثر هذا البناء في رومية ١٠: ٩–١٣، إذ يتصل الاعتراف بيسوع والإيمان بقيامته بالخلاص، وتدخل الدعوة باسمه في هذا السياق. هنا يتضح ما فعله بولس بالمعاني التي تلقاها: صارت صورة المسيح مركزاً للإيمان والنجاة، وانتقلت من مجال الخبر والتفسير إلى حياة الجماعة ودعائها. ولذلك نعطيه في كتابنا هذا الوزن في صناعة المسيحية الجديدة؛ فدوره يظهر في ترتيب هذه العناصر وربطها بمصير الإنسان، ثم نشرها على هذا الوجه بين الأمم.

وتظهر الثنائية في افتتاح كثير من رسائله بذكر الله الآب والرب يسوع، ويجاورها في ختام كورنثوس الثانية ١٣: ١٤ ذكر نعمة المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس. وهذه المادة تبين حركة اللغة قبل أن تصوغ المجامع تعريفاتها التفصيلية. نقرأ ما صنعه بولس من داخل هذه الحركة، ونسأل كيف تغيرت معاني البنوة والوساطة والتعبد في البناء الذي صار غالباً. (١ كورنثوس ٨؛ فيلبي ٢؛ رومية ١٠؛ ٢ كورنثوس ١٣.)

وقد يكون وراء جانب من هذه اللغة تصور للحقيقة الأولى أو الكلمة والنور السابقين للظهور البشري. إذا أنصفنا كلام الصوفي عن النور المحمدي، وجب أن ننصف النص المسيحي حين يتكلم عن الكلمة. نسأل في الحالتين: هل المقصود حقيقة مستمدة من الله ودالة عليه، أم ذات تُمنح استقلالاً ومشاركة في الألوهية؟ ثم نسأل كيف انتقل التعبير من شرح مقام الهداية إلى حصره في فرد وجعل الإيمان بشخصه شرط النجاة. هنا يضع الكتاب موضع التحول الذي يريد نقده، ولا يجعل كل تعبير عن النور شركاً بمجرد ارتفاع لغته.


ما بقي تحت الطبقة البولسية

فماذا يبقى من صورة المعلم إذا قرأناها خارج البناء البولسي؟ تحفظ أخبار الأبيونيين صورة مسيح بشري، ملتزم بشريعة موسى، تتصدر تعليمه عبادة الله والطهارة والأخلاق. ونجد لهذا وجوهاً نقارنها بتعاليم الإيسيين في قمران، ثم بالدعوة القرآنية: «وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم» (المائدة: 72). مركز هذه العبارة عبادة الله الذي هو رب المعلم ورب مخاطبيه. وهذا المركز هو ما نتتبعه في التيارات التي حفظت صورة أخرى للمسيح.

كان لبولس، إذن، أثر كبير في إعادة تشكيل الرسالة: جعل مصير يسوع محوراً للخلاص، وبدل علاقة الجماعة بالشريعة، ومهد لقراءات حصرت النور في شخص مؤله. نفهم هذا الأثر من رسائله، بما فيها من ذكر المسيح والروح، وبما يفرقها أيضاً عن الصيغ المجمعية اللاحقة. ومن هنا ننتقل إلى الجماعات التي قاومت جوانب من هذا التحول، وحفظت وجهاً آخر للذاكرة المسيحية.

الفصل ١٢ ـ الأبيونيّون: الفقراء الذين عرفوا المسيح الحقيقيّ

«أبيونيم» في العبرية هم الفقراء. ونقرأ في الاسم معنى الافتقار والزهد، إلى جانب الحال الاجتماعية التي عرفها أصحابه. تصف المصادر الكنسية جماعات يهودية مسيحية تتمسك بالشريعة، وتعترض على بولس وعلى رفع يسوع فوق بشريته. وبهذا تحفظ لنا وجهاً من المسيحية بقي خارج الصيغة الغالبة. وحين نتتبع صلتها بكنيسة يعقوب وهجرة بيلا نميز بين الأخبار؛ فيوسابيوس يروي خروج جماعة أورشليم إلى بيلا، لكنه لا يسمي الخارجين جميعاً أبيونيين.

وتختلف الأخبار عن معتقدهم: ينسب بعضها إلى فئة منهم ولادة يسوع من أبوين، ويذكر بعضها فئة تقبل الميلاد العذري. ويلتقي جانب معتبر من هذه الأخبار في رفض الوجود الإلهي السابق للمسيح والتمسك بالشريعة ومعارضة بولس. أما النباتية ورفض الذبائح وبعض تفاصيل المعمودية فترتبط بمواد وجماعات معينة في عرض إبيفانيوس والأدب القريب منه. نقرأ هذه الفروق لأنها تكشف حياة التقليد وتنوعه، ولا تختزل قيمته في صورة واحدة.

ما حفظته المصادر عنهم

نصل إلى الأبيونيين من خلال كتب من خالفوهم. فقد نقل إيريناوس وأوريجانوس وإبيفانيوس وجيروم وأوغسطين شذرات من معتقداتهم وأناجيلهم في معرض الرد عليهم، في مدونة تمتد من القرن الثاني إلى الخامس. ولم يصلنا كتاب كامل لهم في صورته الأصلية نستطيع أن نقرأ فيه صوتهم من أوله إلى آخره. وهذا يضعنا أمام مهمة مزدوجة: نستخرج ما حفظته تلك الكتب، وننظر في أثر الخصومة في انتقاء الخبر وعرضه.

إيريناوس، الذي كتب نحو سنة ١٨٠م، سابق لنيقية بمدة طويلة؛ وإبيفانيوس، الذي كتب في القرن الرابع، ينتمي إلى عالم أعادت فيه المجامع رسم حدود الاعتقاد المقبول. تختلف لذلك المسافة الزمنية والبيئة الجدلية لكل شاهد. وقد يجمع المصنف المتأخر تحت اسم واحد أخبار جماعات متمايزة، فيحتاج الباحث إلى رد كل خبر إلى موضعه.

وتبقى لهذه الشهادات قيمتها. فحين يعترض الكاتب على بشرية المسيح أو التزام الشريعة، نعرف أن هذه المسائل كانت حية بين جماعات عصره أو في المصادر التي نقل عنها. وبتتبع صلات النقل، والفروق بين أخبار النصارى والأبيونيين والكليمنتيات، تتضح خريطة التيار وتتضح تنوعاته.

نرى، من مجموع هذه المادة، تياراً مسيحياً يهودياً مبكراً في فلسطين والأردن وسوريا، يتمسك بالشريعة ويرفض تأليه يسوع وسلطة بولس. أما تفاصيل التعليم والطقوس فنقرأها بحسب المصدر والجماعة التي يصفها. وهذه هي الصورة التي نعتمدها في المقارنة التالية مع الإسلام.


أوجه الالتقاء مع الإسلام

يلتقي هذا التيار بالإسلام في إبقاء المسيح في مقام العبودية والاصطفاء، وتعظيم الشريعة والعمل والطهارة. وتظهر الفروق عند الدخول في التفاصيل: فنقد تفسير الصلب فداءً غير إنكار وقوعه، ولا تنقل المصادر عن الجميع معنى الآية ﴿وما قتلوه وما صلبوه﴾. وكذلك تختلف النباتية ونقد ذبائح الهيكل عن أحكام الطعام والذبح في الإسلام. ومن الجمع بين الصلة والفرق نفهم ما استمر من الاتجاه النبوي، وما جرى عليه من تغير.

تناولت دراسات شوبس وباينز وآيزنمان ودو بلوا صلات مختلفة بين المسيحية اليهودية والنصوص والجماعات اللاحقة. تفيد هذه الأعمال في فتح مواد المقارنة، لكنها لا تقدم نتيجة واحدة متفقاً عليها عن الأبيونيين أو نشأة الإسلام. ونستخلص نحن منها ما يخص سؤال استمرار الرسالة، مع إبقاء تعيين كل صلة منسوباً إلى صاحبه.

وتلتقي هذه الصورة، من جهة أخرى، بقراءة Geza Vermes، المؤرخ المجري البريطاني وأستاذ الدراسات اليهودية في أكسفورد وأحد دارسي مخطوطات البحر الميت. ففي «Jesus the Jew» (1973) و«The Religion of Jesus the Jew» (1993) يقدم يسوع رجلاً يهودياً تقياً من طراز «الحسيد» الجليلي، يعظ ويشفي في إطار الشريعة الموسوية، ويفصل بين دعوته وبين المؤسسة التي نشأت باسمه لاحقاً. ويعبر عن ذلك بقوله:

يسوع، المبشّر المتحمس بملكوت الله الوشيك، لم يكن ليتصوّر فكرة تأسيس مؤسسة منظمة مقدَّر لها أن تستمر عصوراً.

تلتقي قراءة فيرمز هنا بصورة المعلم اليهودي الملتزم بالشريعة التي حفظتها أخبار الأبيونيين. ويهمنا وجه الالتقاء هذا في النظر إلى التعليم والحياة، بعيداً عن صورة مؤسس الكنيسة المؤله التي استقرت فيما بعد.

ويقدم هورتادو خلفية أخرى للخلاف؛ فهو يرجع التعبد بيسوع إلى جماعات يهودية مؤمنة سابقة على اتساع نشاط بولس بين الأمم. وعلى هذه القراءة تصبح مقاومة الأبيونيين جزءاً من نزاع مبكر داخل الذاكرة المسيحية. وهو يختلف في تفسير أصل التعبد عن القراءات التي ترجعه إلى استعارة يونانية، وإن كانت المقارنة بين هذه الآراء جميعاً تفيد في تحديد موضع التحول.

وفي «Beyond the Essene Hypothesis» يدرس غابرييلي بوكاتشيني تنوع تيارات يهودية الهيكل الثاني، ويقترح صلات بين التراث الأخنوخي وقمران. نستفيد من هذه الخريطة في تصور الجماعات فروعاً داخل محيط ديني متحرك، ثم نضيف بحثنا عن الأصل الأقدم في عيسى ونبونيد. فالامتداد الأخير من بناء هذا الكتاب، وتعرض دراسة بوكاتشيني المادة الأقرب إلى زمن الجماعات التي تبحثها.


المصادر التي نعرف بها الأبيونيين

تساعدنا معرفة زمن كل مصدر وما حفظه على تقريب الصورة. وغياب الكتب الكاملة خسارة كبيرة، ترتبط بتاريخ غلبة تقاليد وتراجع أخرى وتوقف نسخ نصوصها. أما ما جرى لكل كتاب بعينه فنبحث عنه في الأخبار التي تخصه.

فأقدم إشارة محفوظة إليهم في الأدب المسيحي تعود إلى إيريناوس أسقف ليون في كتابه "ضد الهرطقات" (Adversus Haereses) الذي ألّفه نحو سنة 180 ميلادية، فيحدّثنا في الفصل السادس والعشرين من بابه الأول عن جماعة تنكر التجسّد وتعتبر المسيح إنساناً كاملاً وُلد من زواج طبيعي بين يوسف عليه السلام ومريم، وتلتزم بالشريعة الموسوية التزاماً تاماً، وتقرأ إنجيل متى وحده دون سائر الأناجيل. ثم يأتي بعده أوريجانوس السكندري في "ضد كلسس" (Contra Celsum)، المؤلَّف نحو 248م، فيميّز بين صنفين من الأبيونيين بحسب موقفهم من الولادة العذراء: فريق يرى يسوع ابن يوسف ومريم بالطريقة البشرية الطبيعية، وفريق آخر يقبل ولادته من عذراء لكنه يرفض ألوهيته جذرياً. ثم تأتي الشهادة الموسوعية الكبرى عند إبيفانيوس السلاميسي Epiphanius of Salamis في كتابه "Panarion" (المؤلَّف بين 374 و377م) في الباب الثلاثين المخصّص للأبيونيين، حيث يحفظ لنا مقتطفات ثمينة من إنجيلهم الخاص الذي كان يدور بين أيديهم، ويُعرف بـ "إنجيل الأبيونيين" (Gospel of the Ebionites)، لا يزال بين أيدينا اليوم ما يقارب ثماني شذرات منه منقولةً في كتاب إبيفانيوس ذاته. ومن هذه الشذرات نعلم أن الإنجيل الأبيوني كان يبدأ بمعمودية يسوع لا بولادته، وأن يسوع فيه يقول: "جئت لأُبطل الذبائح، وإن لم تكفّوا عن الذبح فلن يرفع عنكم الغضب"، وهذا نصّ صريح في أن المسيح الأبيوني جاء ناقضاً نظام القرابين الهيكلية لا مؤسّساً لها.

تضم الكليمنتيات الزائفة مواد عن يعقوب وبطرس والشريعة، وقد بحث ف. ستانلي جونز وغيره مصادرها المسيحية اليهودية. يختلف الباحثون في صلتها الدقيقة بالأبيونيين وفي تعيين «العدو» ببولس. لهذا نقرأ فيها شاهداً على الخلاف والذاكرة، ولا ننسب كل فقرة فيها مباشرة إلى جماعة واحدة في القرن الأول.

وتستحق رسالة جيروم ١١٢، الفقرة ١٣، أن تقرأ بكامل وصفها: فـ«النصارى» عنده يؤمنون بالمسيح ابن الله، المولود من العذراء، والذي تألم في عهد بيلاطس وقام. فهي تكشف اجتماع الارتباط بالشريعة مع إيمان مسيحي خاص، وتبين لنا أن اسم «النصارى» لا يطابق كل ما تنقله مصادر أخرى عن «الأبيونيين». ولهذا لا نستدل بهذه الرسالة على إنكار الألوهية أو الصلب.


الحواريون: أبيضو الثياب

يرد جذر ح–و–ر في معنى البياض، ومنه تفسير الحواريين ببياض الثياب، أو بصفاء الخدمة والنصرة. ويصف يوسيفوس الإيسيين باللباس الأبيض، إلى جانب الطهارة والحياة المشتركة. تجمع المقارنة بينهما صورة أهل السلوك، ثم يبقى البحث التاريخي في صلة الجماعات بعضها ببعض. أما وصف يوسيفوس فلا يتناول عقيدة الإيسيين في يسوع، وإنما يفيدنا هنا في ملامح حياتهم.

وقد طرحنا احتمال اجتماع الصفة مع الموطن في اسم الحواريين، بالنظر إلى حوران وحران والحيرة. فقد يحمل لقب الجماعة معنى الخدمة وذكر المكان معاً. ونتابع هذا الاحتمال من خلال النصوص التي تسمي أهل المواضع وتصف انتقالهم.

وللجذر وجه آخر يفتح معنى العودة. يجعل ابن فارس في «مقاييس اللغة» للحاء والواو والراء ثلاثة أصول، منها اللون والرجوع. فنجد «الحور» في البياض، ونجده في الأوبة، كما في ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ (الانشقاق: ١٤)، وفي «نعوذ بالله من الحور بعد الكور»، أي الرجوع إلى النقص بعد الكمال. نجمع في قراءتنا هذين المعنيين في صورة الحواري: صفاء وأوبة إلى الله. وبهما نصل الاسم بقراءة «الذين هادوا» في الفصل الثاني، ثم بمعنى «عودة المسيح» الذي يدور عليه الكتاب.

وفي الأكدية يدل «حرانو» على الطريق والرحلة، وتسمي أعمال الرسل الدعوة «الطريق»، ويكثر في القرآن ذكر السبيل والنصرة. ونقارن لفظ الحواريين أيضاً بالجعزية ḥawārəyā، الدالة على الرسول. تتجاور هذه الألفاظ في معنى حمل الرسالة والسلوك؛ أما صلاتها الاشتقاقية فلكل منها بحثه. وفي وظيفتها الدينية نجد المدخل الأوضح للمقارنة.


كنيسة المساكين: الخيط من عيسى إلى النبي الخاتم

والفقر إلى الله خيط نراه واصلاً بين تعليم عيسى وأهل السلوك الذين حفظوه، ثم بمعنى العبودية في الرسالة الخاتمة. حملته جماعات بأسماء مختلفة، منها «الفقراء»، ونتتبع آثاره وإن لم يصلنا سجل متصل لتسليم المشيخة بين جميع هذه الجماعات. ولا ينافي الافتقارُ الملكَ؛ فقد يملك الإنسان ويظل عالماً بأن حوله وقوته من الله. وهذا هو المعنى الذي يلائم قراءتنا لعيسى النبي الملك.


الصابئة الحرانيون: الفرع الآخر

عرفت حران جماعة حملت اسم الصابئة وحفظت تقاليد دينية وفلسفية مميزة. ويروي ابن النديم قصة اتصال اتخاذ الاسم بتهديد المأمون؛ نذكرها بوصفها خبراً منقولاً لا محضراً مباشراً للواقعة. وتجمع أوصاف ديانتهم بين تعظيم أصل أعلى وطقوس كوكبية، وهي مادة تحتاج إلى فهم رموزها. ومن هذه البيئة خرج ثابت بن قرة، المتوفى سنة ٩٠١م، الذي أسهم في نقل الرياضيات والفلك وتطويرهما.

وفي حران يعود السؤال عن استمرار التراث على نحو خاص. فقد مرت بنا المدينة في خبر إبراهيم، وفي حياة نبونيد وتعظيم سين، ثم في تاريخ الصابئة والفلسفة. فماذا حفظت طقوسها وأخبارها من الدين الأقدم، وماذا تغير في أثناء انتقاله؟ هذا هو وجه اهتمامنا باجتماع هذه الطبقات في موضع واحد، وبصلتها المحتملة بالجماعات التي حملت تعليم المسيح.


من هم «الصابئون» في القرآن؟

يقول القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾. ويدل ص–ب–أ في العربية على الخروج من الدين. ونقرأ الوصف هنا في معنى من خرج من ملة قومه يطلب الله، ونبحث عن صلته بالمندائيين والحرانيين وغيرهم ممن حفظوا طلب الأصل الأعلى. ثم ترد الآية الحكم إلى شرط بيّن: «من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا». فالاسم يفتح البحث في تاريخ الجماعة، والإيمان والعمل هما معيار الأجر. وهذه التفرقة تعين على فهم الآية من غير أن نحصر معناها في انتساب موروث.


مقارنة في العقيدة والطريق

توزعت المقارنة السابقة بين مقام المسيح والشريعة والطهارة وموقف الأبيونيين من بولس. نجمع هذه المسائل الآن، لتظهر صلاتها بعضها ببعض وما يترتب عليها في فهم التيار.

ويضع الجدول مواضع الالتقاء إلى جانب الفروق التي تؤثر في تفسيرها:


الجدول

المسألةما تنقله المصادر عن الأبيونيينوجه المقارنة
مقام المسيحبشرية المسيح ورفض سابقية إلهية له عند جماعات يصفها أوريجانوس ويوسابيوسصلة واضحة بصورة العبد الرسول في القرآن
الميلاداختلاف بين قبول الميلاد العذري ورفضهلا تُنسب مخالفة القرآن في هذا إلى الجميع
الشريعةتمسك بالختان والسبت وأحكام الطعاماشتراك في مركزية التكليف، مع اختلاف أحكام الشرائع
بولسرفض لسلطته عند الأبيونيين في أخبار الآباءشاهد على خلاف مسيحي مبكر؛ القرآن لا يسمّي بولس
الصلب والفداءلا يكفي المتاح لتقرير موقف واحد من كل تفاصيلهمايُفصل وقوع الحدث عن تأويله كفارةً كونية
الذبائح والطعامنقد الذبائح والنباتية في مواد معينةالإسلام يقر الذبح المشروع؛ فليس هذا تطابقاً تشريعياً
الطهارة والزهدحضور الاغتسال والنسك في وصف جماعات متصلة بهذا المجالمقارنة في تربية الإنسان والعبادة، مع تمييز الطقوس

قراءة الجدول

تظهر المقارنة بقاء اتجاه نبوي وشريعي داخل المسيحية المبكرة، لا نظاماً مطابقاً للإسلام في كل حكم. وفي تصور الكتاب يفسر الأصل المشترك هذه القرابة، ثم تعمل الرسالة الخاتمة على إحياء الهداية وتصحيح ما اختلف الناس فيه. تتقوى هذه القراءة كلما عرفنا الجماعات والطرق التي حملت الموروث، لا بمجرد تشابه شعيرة مفردة.

ومن هذه الزاوية نقرأ استقبال الدعوة الإسلامية في بيئات عرفت قبلها أنبياء وكتباً وطرقاً للتعبد. كان فيها ما يستجيب للتذكير وما يقاومه أيضاً. لا نرد انتشار الإسلام كله إلى سبب واحد، لكننا نرفض تصويره كأنه كلام بلا جذور في ذاكرة المنطقة الدينية.

وتلفت أعمال روبرت إيزنمان وجيمس تابور إلى مكانة يعقوب وأهل البيت في قيادة الجماعة الأولى. نقرأ هذه المكانة إلى جانب معنى وراثة العلم والرسالة في الإسلام. وفي الوقت نفسه تحتفظ الكليمنتيات لبطرس بدور كبير؛ فتظهر أمامنا صور متداخلة للقيادة والأهلية. ومن هذه المادة ندرس الوراثة الدينية، مع إبقاء خلافات كل عصر في سياقها.

وفي «سلالة يسوع» (٢٠٠٦) يجمع جيمس تابور مادة أثرية ونسبية ليبحث مكان الأسرة في الجماعة الأولى المحيطة بيسوع. ويقدمها جماعة لها ترابط ديني وعائلي، وهو ما يهمنا في فهم المكانة التي حفظتها أخبار الأبيونيين لتراث بني إسرائيل. ثم نصل هذا المعنى الأسري بما نبحثه من استمرار البيوت النبوية ووراثة التعليم في الإسلام.

ما يحفظه هذا التيار

ما يضيفه الأبيونيون إلى بحثنا هو شاهد على أن المسيحية لم تكن منذ بدايتها قولاً واحداً في المسيح والشريعة. بقي فيها من يدافع عن النبي البشري ويرفض الطريق البولسي. وفي هذه الذاكرة يرى الكتاب طرفاً من الخيط الذي جاء القرآن ليحييه؛ وهو خيط نتابعه في الجماعات التالية، مع اختلاف أسمائها وتجاربها.


الفصل ١٣ ـ مجمع نيقية: لحظة التأليه الرسميّ

شهدت القرون الأولى خلافات في مقام المسيح ومعنى رسالته وعلاقته بالله والشريعة. ولم تكن هذه الخلافات تيارين متجانسين فحسب؛ غير أن دخول السلطة الإمبراطورية منح الحسم العقدي قوة جديدة. في نيقية سنة ٣٢٥م اجتمع الأساقفة بدعوة قسطنطين، وصارت صياغة الإيمان قضية تمس وحدة الإمبراطورية. هنا يضع الكتاب ثقل اللحظة: التصور الديني الذي كان موضع مناظرة أصبح له سند في الحكم والإكراه.

بدأ النزاع الذي قاد إلى نيقية بين آريوس وأسقفه ألكسندر في الإسكندرية، وكان أثناسيوس آنذاك شماساً مع ألكسندر، ثم أصبح من أبرز المدافعين عن الاتجاه النيقاوي. رأى آريوس الابن سابقاً على العالم، مخلوقاً بإرادة الآب، لا مساوياً له في الأزلية؛ ولم يكن يراه مجرد إنسان بدأ وجوده بولادته. هذه نقطة تمس قراءتنا للكتاب كله: بعض لغة آريوس عن الوساطة والسابقية أقرب إلى تصور العقل الأول مما توحي به ثنائية «إله أو نبي بشري فقط». ومع ذلك لا نساوي عقيدته تلقائياً بعقيدة الصوفية؛ نقرأ موضع التعبد وعلاقة الابن بالله، ثم نقارن المعنى. وأقر المجمع وصف الابن بأنه مساو للآب في الجوهر، فحسم إحدى هذه المسائل بصيغة ستحدد حدود الانتماء الكنسي.

حين صارت الصيغة شأناً إمبراطورياً

دخل الأساقفة نيقية ومعهم تصورات مختلفة لمكانة المسيح وعلاقته بالله، منها ما رأينا له سوابق في رسائل بولس. واختار المجمع صيغة محددة، وأدان ما يناقضها، ثم استمر الصراع على تفسيرها طوال القرن الرابع. فأهمية نيقية في هذا المسار أنه وصل الاختيار العقدي بسلطان الإمبراطورية، ومنح أحد الأقوال قوة تتجاوز المناظرة.

ومن هنا ننظر إلى أثره: صار الانتماء الكنسي يقاس بصيغة، وصار الحكم قادراً على تغيير حظوظ أصحابها ومخالفيها. واستمر النقاش بعد سنة ٣٢٥م، لكن النفي والمصادرة دخلا في شروطه. وهذه الصلة بين العقيدة والسلطة تعيننا على فهم ما بقي متداولاً من التراث وما خفت صوته.

الإمبراطور والأساقفة

اشتهر عدد المشاركين في التقليد بأنه ٣١٨، وإن اختلفت الروايات، وكان أكثرهم من المشرق، مع مندوبين عن أسقف روما. وقد دعاهم قسطنطين، الذي لم يتعمد إلا قرب وفاته سنة ٣٣٧م. نرى هنا علاقة تتكون بين الإمبراطور والكنيسة: رجل الحكم يجمع رجال الدين، ويتدخل في تسوية خلاف يمس وحدة دولته.

ويصف يوسابيوس دخوله في ثوب إمبراطوري لامع، ثم جلوسه على مقعد منخفض بعدما أشار الأساقفة إليه؛ وذلك في «حياة قسطنطين»، الكتاب الثالث، الفصل ١٠. يجمع المشهد في روايته هيبة الملك وإظهار احترام الأساقفة. ويمكن أن نقرأ فيه مديح الكاتب للإمبراطور، ثم نقابله بما نعرفه من دعوته المجمع وتدخله في قراراته وعقوباته. ففي هذه الأفعال يظهر وزن السلطة في الاجتماع.

أقر المجمع أن الابن «مولود غير مخلوق، مساو للآب في الجوهر». وللفظ الجوهر اليوناني تاريخ في الفلسفة واللاهوت، وقد تنازع الأساقفة دلالته وصلته بالكتاب. ثم أصبحت العبارة حداً للقبول والرفض، واقترنت بعقوبات على بعض الممتنعين عنها. وهكذا انتقل النقاش من تفسير يواجه تفسيراً إلى صيغة تملك الدولة وسائل إنفاذها.

وكانت هذه بداية مرحلة في التقنين، تلتها مناقشات القرن الرابع ومجمع القسطنطينية وما بعده، كما تبين أعمال لويس آيرز وخالد أناطوليوس. ونصل هذا المسار بما سبق عند بولس من صياغة مكانة المسيح ونشرها، مع تتبع الفروع والاختلافات التي نشأت في أثناء الانتقال.

وينقل سقراط في «التاريخ الكنسي» (١: ٩) أمراً منسوباً إلى قسطنطين بإحراق كتب آريوس، مع وعيد لمن يخفيها. لا يقدم الخبر تعداداً لما نُفذ من العقوبات أو لما فُقد من الكتب، لكنه يكشف نوع الوسائل التي دخلت في الخصومة. ثم نالت اتجاهات معارضة لنيقية حماية إمبراطورية في عهود تالية، فتبدلت مواقع القوة. وفي هذا التبدل نفسه نرى أثر اقتران مصير القول بموقف البلاط.

معنى «رب» في اللسان والسياق

وقبل متابعة المجامع نقف عند عبارة «نؤمن برب واحد يسوع المسيح». فكلمة «رب» تستعمل في اللسان السامي للسيد البشري أيضاً. وفي سورة يوسف يقول لصاحبه أن يذكره عند ربه (الآية ٤٢)، ويخبر أن أحد الفتيين سيسقي ربه خمراً (٤١)، ويرد اللفظ في حديثه عمن أحسن مثواه (٢٣). يدل هذا الاستعمال على اتساع اللفظ، ويجعل السياق هو الذي يبين المراد منه في كل موضع.

ومثلُ ذلك في اليونانيّة. فلفظُ κύριος (كيريوس) هو الذي وَضعته الترجمةُ السبعينيّة موضعَ الاسم الإلهيّ، وهو في الوقت نفسِه لفظُ المخاطبة العاديّ الذي يُقال للغريب بمعنى «يا سيّد». به خاطبت المرأةُ السامريّةُ يسوعَ عند البئر قبل أن تَعرف من هو، في يوحنّا ٤: ١١، وبه خاطب سجّانُ فيلبّي بولسَ وسيلا، في أعمال الرسل ١٦: ٣٠. فاللفظُ الواحد يَحمل المعنيَين معاً، ولا يَفصل بينهما إلّا السياق.

ولهذا نقرأ «رب» مع سائر الجملة: ماذا تقول عن العلاقة بالله، وعن الخلق والعبادة؟ وقد يغيب لفظ homoousios وتبقى دلالة الألوهية في بقية الكلام، وقد يكون اللقب وصفاً للسيادة البشرية. هذا النظر في السياق هو ما يتيح إنصاف لغة الكلمة والنور، وتحديد موضع الخلاف العقدي بدقة.

اكتمال البناء والوصف القرآني

ورد الإيمان بالروح القدس موجزاً في قانون نيقية سنة ٣٢٥م. ثم فصلت الصيغة المرتبطة بالقسطنطينية سنة ٣٨١م وصفه بالرب المحيي والمنبثق من الآب. وبمقارنة نص قانون نيقية بهذه الصيغة، نرى كيف اتسع التحديد العقدي للمعنى الذي ورد أولاً في عبارة قصيرة.

وسبق مجمع القسطنطينية مرسوم تسالونيكي سنة ٣٨٠م، الذي أصدره ثيودوسيوس مع شريكيه في الحكم، وحدد الإيمان المقبول بمرجعية أسقفي روما والإسكندرية ووصف المخالفين بالهرطقة. هنا تظهر المسألة التي يعالجها الكتاب بوضوح: لم يعد الاختلاف موضوع تعليم فقط، بل صار تصنيفاً قانونياً تمارس الدولة سلطتها بمقتضاه.

وفي ضوء هذا التاريخ نقرأ التحذير القرآني من الغلو واتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً. كان القرآن يخاطب عالماً تركت فيه المجامع أثرها، واستمدت فيه صيغ الاعتقاد حرمة تحميها المؤسسة. ومن هنا ينشأ السؤال الذي يعنينا: كيف يتحول الاعتراض على تفسير بشري إلى اعتراض يُنسب إلى الله نفسه؟ ونفهم تصحيح صورة المسيح تحريراً للإيمان من هذا الامتزاج بين الوحي وقرار رجال الدين.

المجامع السبعة: كيف تحددت الصيغة الرسمية

تابعت المجامع بعد نيقية مسائل مختلفة: الروح القدس، ووحدة شخص المسيح، وطبيعتيه، ومشيئته، والصور المقدسة. لم تكن كل مرة تعيد إنشاء الثالوث، لكنها كانت ترسم حدود القول المقبول وتحكم على المخالف بالخروج عنه.

يجمع الجدول المحطات الأساسية، ليظهر موضوع كل خلاف إلى جانب أثر القرار في أصحابه:


الجدول التحليلي للمجامع المسكونية السبعة

المجمعالسنة الميلاديةموضوع القراردلالته في هذا البحث
نيقية الأول٣٢٥علاقة الابن بالآب والمساواة في الجوهرإدانة آريوس وصيغ معينة في خلق الابن؛ تثبيت صيغة بمساندة الدولة
القسطنطينية الأول٣٨١تأكيد الإيمان النيقاوي وتحديد أوسع لمقام الروح القدستضييق مجال الصيغ المخالفة وتوطيد الدعم الإمبراطوري
أفسس٤٣١وحدة شخص المسيح ولقب والدة الإلهإدانة نسطور؛ خلاف في كيفية التعبير عن الاتحاد لا بين إيمان بالألوهية وإنكارها
خلقيدونية٤٥١طبيعتان في شخص واحد بلا اختلاط ولا انفصالترسخ انقسام مع رافضي الصيغة؛ وهم لا يعدّون أنفسهم منكري بشرية المسيح
القسطنطينية الثاني٥٥٣إدانة الفصول الثلاثة ضمن نزاع تفسير التراثمحاولة لتحديد القراءة المقبولة للمجامع السابقة ومعالجة الانقسام
القسطنطينية الثالث٦٨٠–٦٨١مشيئتان وفعلان في المسيحإدانة القول بالمشيئة الواحدة؛ وقع بعد ظهور الإسلام
نيقية الثاني٧٨٧إقرار تكريم الأيقونات مع تمييزه من العبادة في لغة المجمعخلاف في الصورة وممارستها، مع اشتراك الطرفين في أصول عقدية مسيحية

وخلفت هذه النزاعات كنائس ما زالت متمايزة في تقاليدها: الخلقيدونية، والأرثوذكسية الشرقية غير الخلقيدونية، وكنيسة المشرق. ولأهل كل منها عبارتهم في الاتحاد؛ فغير الخلقيدونيين يتمسكون بإنسانية المسيح، وكنيسة المشرق لا تلخص اعتقادها في شخصين منفصلين. سنقرأ هذه الصيغ كما شرحها أصحابها، ثم نقارنها بالمعاني التي يتتبعها الكتاب.

قراءة النمط

إذا نظرنا إلى هذا المسار مجتمعاً ظهرت ثلاث مسائل:

أول ما يظهر هو تراكم الحدود العقدية: قد يُقبل تعبير في مرحلة، ثم يصير بعد النزاع علامة انحراف. وهذا يؤثر في قراءة النصوص القديمة نفسها؛ إذ تعاد محاكمتها بألفاظ لم تكن قد استقرت عند أصحابها. من هنا ضرورة إنصاف لغة النور والكلمة قبل إسقاط جميع حدود المجامع عليها.

والثانية أن الحكم شارك في تقرير مصير الخلاف. كانت للمتناظرين أسئلة فكرية حقيقية، لكن الحماية والنفي والتعيين الكنسي أثرت في انتشار الأجوبة. فما يستطيع الناس تعليمه ونسخه وتوريثه يتأثر بمن يحمي المعلم والكتاب، ومن يمنعهما.

والثالثة ما بقي عند اتجاهات هُزمت من اعتراض على المذهب الغالب، كرفض مساواة الابن بالآب أو الاعتراض على عبادة الصورة. نرى لهذه المقاومة أثراً أوسع مما يتركه لها تاريخ المنتصرين، ونتتبع فيه بقايا التوحيد الأقدم. ثم نقرأ كل جماعة في مجموع اعتقادها، لنعرف أين حفظت هذا المعنى وأين اختلفت عنه.

سلطان الصيغة الدينية

بهذا نرى كيف ضاق مجال تعبيرات قديمة، وكيف صار للإيمان الرسمي جهاز يحمي حدوده. وهذه هي الصلة التي يعقدها الكتاب بين تاريخ المجامع وفتنة الدجال: انتقال صورة المسيح من مجال الهداية والبحث إلى بناء عقدي ملزم تحرسه الدولة. أما المسيح والرجل الذي حملت الروايات اسمه، فلا تختصر حقيقتاهما في هذا البناء.

ويتابع الملحق الرابع صلة هذه المجامع بالنصوص والسلطة والذاكرة التي بقيت خارجها. أما الفصول التالية فتقربنا من الجماعات والكنائس نفسها، بما لكل منها من تجربة وتعليم.


الفصل ١٤ ـ المندائيّون: شهود التوحيد الأحياء وحُرّاس الذاكرة الآراميّة

ما زال الصابئة المندائيون، في العراق وإيران وبلاد المهجر، يحفظون كتباً وطقوساً بالآرامية المندائية. وهذه حياة دينية مستمرة تتيح لنا سماع رواية من خارج المدونة الكنسية. وقد فرقت الهجرة أبناء الجماعة، لكن بقاء اللسان والطقس يجعل شهادتهم ذات مكان خاص في هذا البحث.

واسمهم مشتق من «مندا» (manda)، أي المعرفة، التي تقابل γνῶσις (گنوسيس) (gnōsis) في اليونانية. فهم «أهل المعرفة»، بمعناها الديني الذي يجمع الوحي والتطهر والطقس، لا بمعنى التأمل المجرد وحده. ويحملون أيضاً اسم «الصابئة» الذي ورد في القرآن ثلاث مرات، ومنها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ﴾ (المائدة: 69).


كنزا ربا والنصوص الآرامية الحرة

وفي قلب كتبهم «كنزا ربا»، أي الكنز العظيم، بما فيه من أخبار العالم والهداية ومصير النفس. مادته ذات طبقات، يرى الباحثون لبعضها صلات بالعصور القديمة المتأخرة، وتختلف تواريخ هذه الطبقات عن تواريخ النسخ التي بقيت. ولهذا نقرأ الخبر في موضعه، ونتتبع ما نعرفه من زمن تحريره وانتقاله.

نشأ هذا التراث خارج قانون الكتب الكنسي، وعاش مع ذلك في صلة بجيرانه وبالجدل الديني من حوله. فتميزه عن المدونة الكنسية يمنحنا زاوية أخرى للنظر، وتاريخه في النقل والتحرير يعين على فهم ما حفظه وما أعاد صياغته.

ليحيى، الذي تسميه النصوص يهيا يهانا، مكانة بارزة معلماً ومُعمِّداً. وتحيط به في العالم المندائي شخصيات نورانية وأخبار خلاص ومعرفة لا يصح اختزالها في ترتيب مألوف للأنبياء وحده. الذي يستوقفنا هو بقاء يحيى مركزاً للتعليم والطقس في تقليد لم يندمج في الكنيسة.

تعيد هذه المكانة النظر في الصورة التي تقصر عمل المعمدان على تمهيد قصير لظهور يسوع. فهي تفتح أمامنا أخبار المعلم والتلميذ من جهة أخرى. ثم نلاحظ أن بعض النصوص المندائية يهاجم يسوع نفسه، بخلاف موقف الأبيونيين؛ ونميز كلا الموقفين من فهمنا الذي يجعل الرجل صالحاً، وينقد البناء العقدي الذي حمل اسمه.

والمصبتا (maṣbuta)، طقس التعميد المتكرر في الماء الجاري، من صميم الحياة المندائية. ومن شروطه نفهم صلة الجماعة بالأنهار في جنوب العراق وجنوب غرب إيران؛ فالماء جزء من الحياة الدينية اليومية، يتجدد التطهر به. ونقارن هذا الحضور للماء بما ورد في قصة مريم: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (مريم: 24)، والسري في أحد معانيه النهر الصغير. ففي اقتران الخبر المقدس بالماء الجاري نبحث عن أثر تقليد سامي يصل الطهارة بالحياة والولادة، ونقرأ المشهد القرآني والطقس المندائي على ضوء هذه الصلة.


«مشيحا كدابا» في الذاكرة المندائية

وترد في نصوص مندائية تسمية «مشيحا كدابا»، أي المسيح الكاذب، في سياق جدل ديني حاد. لا نلغي حدتها، ولا نفترض أنها وصف محايد لنية الرجل التاريخي. إنها تخبرنا كيف رأت الجماعة خصمها، وما الذي رفضته من التصور المنسوب إليه.

تصور مواضع من الجنزا يسوع ضمن جدل عن الكذب والدعوى الدينية، وتقابله بشخصيات نورانية مثل أنوش عثرا. تُراجع هذه المادة في الجنزا اليمين، الكتابين الأول والثاني، وترجمة لدزبارسكي (١٩٢٥). هذه صورة يصوغها التقليد المندائي لخصمه، وليست شهادة بأن يسوع التاريخي نطق حتماً بكل ما نسبته إليه. وفي قراءتنا يطال النقد الصورة العقدية التي رُكبت على اسمه.

وفي الفصل الثلاثين من «كتاب يحيى المندائي» نقرأ لقاء يسوع ويحيى في سياق التعميد والصدق والدعوى. وتتيح طبعة هيبرل ومكغراث (٢٠٢٠) متابعة ألفاظ الخبر في سياقها. تكمن أهميته في الخلاف الذي يحفظه حول هوية المسيح ومعنى عماده. أما لفظ «المسيخ» بالخاء في عنواننا فهو صياغة عربية لمعنى التشويه الذي ندرسه، وتظل التسمية المندائية على صورتها في نصها.

قد تحمل هذه المشاهد ذاكرة أقدم في صياغة جدلية متأخرة، ولذلك نبحث عن زمنها من ألفاظها وقرائنها التاريخية. فحدتها تخبرنا عن شدة الخصومة، ثم يحتاج تعيين العصر الذي نشأت فيه إلى مادة أخرى من النص وتاريخه.

نميز في هذه القراءة بين يسوع كما نراه رجلاً صالحاً، وصورته في الجدل المندائي، والمنظومة التي تشكلت باسمه. بهذا نستفيد من شهادة الرفض والصراع على الذاكرة، ونبقي تفسيرنا للرجل منفصلاً عن التهم التي صاغتها الخصومة.

ونقرأ شخصيات النور المندائية بالإنصاف نفسه. فـ«عثرا» و«أنوش» يفهمان من مرتبتهما وصلتهما بالمصدر الأعلى ووظيفتهما في الهداية، كما نفعل مع الكلمة المسيحية والنور المحمدي. ومن هذا الباب نقارن أنوش بصورة المسيح في مشروعنا. أما وصله بنبونيد فيبقى امتداداً لقراءتنا؛ فالاسم البابلي لا يرد في النص المندائي.

هنا يظهر وجه الصلة بعنوان الكتاب. نقابل أدبياً بين «المسيح» و«المسيخ»، وتحفظ النصوص المندائية عبارة «مشيحا كدابا» في رفضها صورة المسيح التي تعارضها. لا تتطابق القراءتان في كل ما تقولانه عن الرجل، لكنهما تلتقيان في السؤال عن الفرق بين الرسالة الأصلية والصورة التي جرى تعظيمها لاحقاً.

ونصل بهذا السؤال صوراً من النبوة العبرية. ففي زكريا: «ونظروا إلي الذي طعنوه فناحوا عليه» (וְהִבִּיטוּ אֵלַי אֵת אֲשֶׁר־דָּקָרוּ (وِهِبّيطو إيلاي إيت أَشِر داقارو)، ١٢:١٠)، ثم «اضرب الراعي فتتبدد الغنم» (١٣:٧). ويطبق التلمود البابلي، سوكا 52a، خبر المطعون على «المسيح بن يوسف» المقتول. نجمع هذه الصور لنبحث في تاريخ الممسوح الذي يطعن أو يضرب، وفي ما قد يقع على خبره من تبدل. وهذه المقارنة من بناء الكتاب؛ نضع النصوص بعضها إلى جانب بعض، من غير أن نفترض معرفة المندائيين بزكريا أو نقلهم عنه، أو نجعلها مادة مفسرة لأصل الوحي القرآني.


الأصل الجغرافي وخيوط الإيسيين

اختلف الدارسون في أصول الجماعة بين بيئات غربية ورافدية. يفتح التفسير الغربي البحث في الصلات المعمدانية، ويفتح التفسير الرافدي المقارنة بتراث العراق. وفي الحالتين نتتبع النصوص والطقوس والطرق التي انتقل الناس فيها؛ فمن هذه التفاصيل نعرف ما يصلح لبحثنا في هوية المسيح وما يبقى من تاريخ الجماعة الخاص.

توجد أوجه مقارنة بين المندائيين وجماعات الطهارة القديمة: مركزية الماء، والتعليم الخاص، واللسان الآرامي، والتمييز بين داخل الجماعة وخارجها. وتوجد فروق مؤثرة أيضاً، منها مكانة الزواج والأسرة عند المندائيين في مقابل نزعات العزوبة لدى بعض الجماعات النسكية. هذه الفروق تساعدنا على تمييز الفروع داخل مجال ديني مشترك، ولا تمحو القرابة التي نبحث عنها.


رواية الانتقال إلى بلاد الرافدين

يحفظ «حران كويثا»، الذي نشرته إثل دراور سنة ١٩٥٣، رواية مندائية عن الهجرة والحماية والانتقال نحو مواطن الجماعة. نقرأه أولاً خبراً ترويه الجماعة عن أصولها، ثم نقارنه بما يمكن تعيينه من الملوك والأمكنة.

وتذكر الرواية مواضع غربية، و«حران الداخلية»، وحماية ملك اسمه أردبان، ثم انتقالاً إلى بلاد الرافدين. اختلف الباحثون في تعيين أردبان وفي تأريخ مراحل الخبر. لذلك لا نجزم من الاسم وحده بأن الهجرة وقعت في سنة محددة قبل خراب أورشليم.

يهمنا من الخبر انتقال الجماعة إلى حماية شرقية، ومرورها ببيئات آرامية متعددة. أما موضع «حران الداخلية» فيحتاج إلى تعيين من سياق الرواية وجغرافيتها، فلا يكفي الاسم لرده إلى مدينة حران التي عرفناها في سيرة نبونيد. ويظل لكل موضع شأنه في الطريق الذي نبحثه.

وقد اختلف المختصون في مقدار ما يحفظه «حران كويثا»، المتأخر التدوين، من تاريخ، وما صيغ فيه لتفسير أصل الجماعة. ونستفيد منه أولاً في معرفة كيف روت الجماعة رحلتها، ثم نقابل ما يسميه من ملك وموضع بما يأتي من خارج الرواية.

شهادات مختلفة في محيط واحد

تلتقي هذه الشهادات في الاعتراض على وجوه من المسيحية الرسمية، وتختلف في وصف يسوع. يقبل الأبيوني معلماً بشرياً، وقد يهاجم النص المندائي الشخصية نفسها، ويثبت القرآن مقام عيسى وينفي الغلو فيه. نقرأ هذا الاختلاف أثراً للصراع على الذاكرة، ونرى أن الفصل بين عيسى ويسوع والبناء اللاحق يفسر جانباً منه. أما بولس فيرد باسمه في مواد الخلاف المسيحي، ولا يسميه القرآن؛ فنحن الذين نقارن بين هذه المواد لنتتبع التحول.

وللمكان نصيبه في هذه المقارنة. فقد عاش المندائيون على أنهار العراق، بين الفرات ودجلة وشط العرب، في المجال الذي حمل الحضارتين السومرية والبابلية. وإلى الشمال تقع حران بما مر من أخبار إبراهيم ونبونيد والصابئة، وتبرز في وسط العراق الحيرة والتنوخيون والأديرة، وبجوارها الكوفة والنجف وما اتصل بهما من ذكر الإمام علي والتعليم الشيعي والانتظار المهدوي. فتجتمع على الخريطة الرافدية، من أعالي الجزيرة إلى البصرة، طبقات مختلفة من الذاكرة الدينية. وإلى جانبها يمتد الطريق الحجازي من تيماء إلى فدك وخيبر ويثرب ومكة. وبين هذين الطريقين نرسم المجال الذي انتقلت فيه أخبار التوحيد وتنوعت جماعاته.


سعة اسم الصابئين

ورد الصابئون في القرآن ثلاث مرات، في سياق نقرأه مقربا لهم من أهل الكتاب وأهل العمل الصالح، واختلف المفسرون في تعيينهم. يذكر الطبري في «جامع البيان» أقوالاً تجعلهم بين النصارى والمجوس، وأخرى تصلهم بأهل الكتاب وقراءة الزبور. وفي العربية «صبأ» انتقال من دين إلى دين، ومنه تسمية قريش المسلمين الأوائل «الصباة». ويميز بعض الدارسين بين صابئة حنفاء على دين إبراهيم وإدريس، وصابئة دخل في طقوسهم تعظيم الكواكب، ويصلون الفريق الثاني ببعض الحرانيين. أما قراءتنا فتنظر إلى الاسم من جهة اتساعه لمن خرج يطلب التوحيد خارج الحدود الطائفية المستقرة. نرى المندائيين بقية حية من هذا المجال الأوسع، ونبحث صلته بالحنفاء والإيسيين، وربما بالأبيونيين الأوائل. والجامع الذي نستحضره هو طلب الله والعمل الصالح، قبل أن يصير الاسم حداً لجماعة بعينها.

تكمن قيمة المندائيين في هذه الذاكرة الآرامية الحية التي حفظوها خارج الحدود الكنسية. وقد حقق الباحثون كتبهم ودرسوها؛ ونريد إدخال مادتها في صميم المقارنة بين النقوش والقرآن والأناجيل، مع فهم لغتها الروحية كما نحاول فهم لغة بقية الشهود.

وفي موضع يحيى من هذه الذاكرة ما يهم أطروحتنا خاصة. فالمعلم المعمد يحتل فيها مكاناً مركزياً، إلى جانب رفض صورة يسوع في بعض نصوصها. ونفسر ذلك في ضوء تصورنا للجماعة وريثةً لطريق يحيى؛ فمن الطبيعي أن تحفظ للمعلم الذي طهر وعمد مقامه البارز. ثم نقارن هذه الذاكرة بخبر الشافي في صلاة نبونيد، وباقتراحنا أن عيسى هو الملك الذي حفظ السجل البابلي اسمه. تمنحنا هذه المقارنة تفسيراً لتصدر يحيى وللاضطراب حول هوية المسيح، وتبقى تسمية الشافي بيحيى والمطابقة بنبونيد من عمل هذا البحث. ويضاف إلى ذلك وقوع الجماعة في الجغرافيا الرافدية نفسها التي نبحث فيها عن أصل الموجة.

الصابئةُ الحرّانيّون: شهودُ الشمال

تحتفظ حران بتاريخ طويل من عبادة سين، ثم تظهر فيها جماعات سميت بالصابئة في المصادر الإسلامية. وتتيح هذه الصلة المكانية البحث عن وجوه الاستمرار، لكن إثبات بقاء كل طقس أو مبنى بعينه من عصر نبونيد إلى القرون الإسلامية يحتاج إلى شواهده الخاصة.

تجمع أخبار الحرانيين بين الحديث عن العلة الأولى، ومكانة الكواكب والوسائط، والاشتغال بالعلوم. ولفهم تقليدهم نقرأ هذه الجوانب معاً: ما يعنونه بالأصل الأعلى، وكيف تصلهم به الرموز والطقوس. عندئذ يمكن أن نعرف موقع التوحيد في تصورهم، وما يفرق هذا التصور عن البيان القرآني.

نرى وراء بعض هذه الرموز معرفة متوارثة بالإله الأعلى. ونتتبعها في كلام أصحابها وفي أوصاف من خالفوهم، مع النظر في الطقس نفسه. فخصومة المصدر جزء من تفسير خبره، ثم تبقى المادة التي يمكن فحصها هي ما يرجح القراءة.

وهكذا نجمع حران في الشمال والمندائيين في الجنوب على خريطة للمعرفة والعبادة في الرافدين، ونبحث الصلات الأقدم بين هذه البيئات. وما زلنا نتتبع طريق الانتقال، ولم يكتمل لدينا نسب مؤسسي يصلها كلها. ويدعونا اسم الصابئين في القرآن إلى مواصلة السؤال عن سعة هذا المجال، وعن الجماعات التي حفظت أجزاء منه.

الفصل ١٥ ـ خريطة الجماعات والاعتراض على العقيدة الرسمية

بعد الأبيونيين والمندائيين يمكن توسيع الخريطة لنرى صوراً أخرى للاعتراض على العقيدة الرسمية. بعضها رفض مساواة المسيح بالله، وبعضها اختلف في فهم التجسد أو العبادة أو سلطة الكنيسة. يرى الكتاب في هذه الأصوات بقايا بحث متصل عن الأصل، مع اختلاف ما بقي لدى كل جماعة.

نجمع هنا جماعات متباعدة الأزمنة، ونرتبها بحسب ظهورها في المصادر، لنرى كيف عادت الأسئلة في صور مختلفة. وقد تتشابه خبرتان من غير أن يكون بينهما انتقال تنظيمي مباشر. وأدرجنا بعض حالات الاضطهاد لما تكشفه من عمل السلطة، مع بيان معتقد أصحابها في كل حالة.


الخريطة الشاملة

الجماعةالمرحلةالمجالوظيفتها في المقارنة
الناصريونالقرون المسيحية الأولىالشام وفلسطينالتزام بالشريعة مع إيمان مسيحي تختلف تفاصيله في المصادر؛ لا يساوون جميعاً الأبيونيين
الأبيونيونمن القرن الثاني في الشهادات المسماةفلسطين وشرق الأردن والشامحفظ بشرية المسيح والشريعة ومعارضة بولس في الأخبار المنقولة عنهم
الإلكسائيونمن القرن الثانيالمشرقتعميد ووحي وصورة ملائكية للمسيح؛ لا تختزل في نبوة بشرية بسيطة
المندائيونتراث من العصور القديمة المتأخرة باقٍالعراق وإيران والمهجرذاكرة معمدانية وعالم نوراني ونقد لشخصية يسوع في بعض النصوص
الآريوسيون واتجاهات قريبةمن القرن الرابعالإمبراطورية وممالك لاحقةالابن غير مساو للآب في الأزلية، مع مقام سابق للعالم وتعبد مسيحي
بريسيليان وأتباعهمن القرن الرابعإسبانيا وغالةحالة نسك ونزاع وقمع؛ لا نعتمدها دليلاً على إنكار ألوهية المسيح
المسلمونمن القرن السابع في التأريخ المتداولالجزيرة ثم أقاليم واسعةعيسى عبد الله ورسوله، ونفي الغلو فيه
السوسينيونمن القرن السادس عشربولندا ومناطق أوروبيةنقد الثالوث وإعادة تفسير نصوص المسيحية
اتجاهات التوحيد المسيحيمن عصر الإصلاح وما بعدهأوروبا ثم مناطق أخرىاتجاهات متعددة ترفض الثالوث؛ تختلف في مقام يسوع وممارساتها

الخيط الذي لم ينقطع

يكشف هذا التعاقب أن الاعتراض على تأليه المسيح أو على صيغ التعبير عنه لم يكن صوتاً واحداً انطفأ. عادت الأسئلة في بيئات متباعدة، ومنها من رجع إلى النصوص نفسها وقرأها على غير قراءة المؤسسة. في نظر الكتاب يدل هذا على قابلية الأصل النبوي للاستعادة، لكنه لا يجعل معتقد كل جماعة مطابقاً لمعتقد الأخرى.

جغرافيا تتحدّث عن نفسها

للمشرق مكان خاص في هذه الخريطة، بما حفظ من لغات وكتب وطرق حملت ذاكرة الأنبياء. وقد نشأ فيه أيضاً كثير من اللاهوت الذي صار رسمياً، في الإسكندرية وأنطاكية والكنائس السريانية. فالمسألة حركة معان وأخبار بين مراكز متعددة، يبقى بعضها خارج المذهب الغالب ثم يعود إليه السؤال في زمن آخر.

أثر القمع في بقاء التراث

تتكرر في هذه الأخبار صلة الاتهام الديني بالقرار السياسي، ويتبعها تغير في تداول الكتب وفي قدرة الجماعات على البقاء. وتختلف شدة ذلك وترتيبه من عصر إلى عصر. وبمتابعة كل حالة نعرف الوسائل التي استخدمت، وما تركته في ذاكرة الجماعة التي تعرضت لها.

الإسلام: عودةُ الأصل المطروح

ظهرت الدعوة المحمدية في مشرق يحمل تراثاً نبوياً ومسيحياً متنوعاً. اشتدت فيه الصراعات، وبقيت أسئلته عن الله والإنسان والخلاص حية. ومن هذا الرصيد نفهم جانباً من الاستجابة للقرآن، ونتتبعه فيما وصل من كتب الناس وأفعالهم وتحولات جماعاتهم.

ويتيح تصور فريد دونر في «Muhammad and the Believers» للحركة الأولى جماعةً أوسع من الحدود التي استقرت لاحقاً. نستفيد منه في التفكير في الصلات بين المؤمنين، ثم نضعها نحن ضمن التاريخ الأقدم الذي نقترحه للرسالة. فالمطابقة بين عيسى ونبونيد من إضافتنا، وتظل أدلتها في المقارنات التي عرضناها في مواضعها.

الذاكرة خارج المذهب الغالب

حين نجمع ما حفظته هذه الجماعات نرى أن الذاكرة أوسع من الكتب التي غلب تداولها. لقد استمرت أسئلة عن النبوة والهداية، وعاد الناس إلى النصوص بقراءات أخرى. وفي هذا الاستمرار نبحث عن إمكان استعادة المعنى الذي حجبت جوانب منه حدود المؤسسات.

وتصل هذه الخريطة طرفي البحث: صاحب السيرة الذي تتبعه الفصول الأولى في أخبار نبونيد، ومصير السيرة في الجماعات التي حملت ذكر المسيح. فالمقارنات السابقة تقدم حجتنا في الهوية، وهذه الأخبار تعيننا على فهم كيف تفرقت الذاكرة وبقيت.

الفصل ١٦ ـ الكنيسة الإثيوبيّة التواحدو: شاهدٌ من الجناح الآخر للبحر الأحمر

وعبر البحر الأحمر نجد الكنيسة الإثيوبية الأرثوذكسية التواحدو. استقرت مؤسستها في أكسوم في القرن الرابع، على صلة بفرومنتيوس والإسكندرية، وصارت من أقدم الكنائس الأفريقية الباقية، بعد الحضور المسيحي الأسبق في مصر. وتهمنا هنا الكتب والممارسات والذاكرة التي حفظتها، وما تتيحه من طريق آخر إلى التراث القديم.

تتجمع في هذا التراث خمسة أبواب للمقارنة، تتصل أحياناً بعضها ببعض:

  • خبر النجاشي والمهاجرين، وما يكشفه عن لقاء إيماني وإنساني عبر البحر.
  • حفظ إخنوخ واليوبيلات بالجعزية، ومقارنة مواضعهما بالشظايا القديمة.
  • استمرار ممارسات ذات صلات بالتقاليد الكتابية الأقدم، مثل السبت والختان.
  • تاريخ التواحدو وصلتها بالإسكندرية ورفضها الصيغة الخلقيدونية.
  • اللسان الجعزي بوصفه طريقاً سامياً لحفظ الأسماء والنصوص.

نتابع هذه الأبواب واحداً بعد آخر، لنعرف ما يضيفه كل منها إلى المقارنات السابقة.


النجاشي ولقاء سورة مريم

تبدأ الصلة الأقرب إلينا بخبر الهجرة إلى الحبشة. حين اشتد أذى قريش، في السنة الخامسة من البعثة، المؤرخة بنحو ٦١٥م، وجه النبي ﷺ أصحابه إليها. وينقل ابن إسحاق، كما حفظ ابن هشام، قوله: «فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا». اختار لهم بلداً مسيحياً عرف ملكه بالعدل، في محيط تتنازع أطرافه الفرس والروم. وفي هذا الاختيار تقدير لرجل وبلده، وفتح لباب الثقة بين المؤمنين عبر البحر.

وأرسلت قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة بهدايا إلى النجاشي تطلب رد المهاجرين. لكن أصحمة بن أبجر أراد أن يسمع منهم. فقام جعفر بن أبي طالب وقرأ من سورة مريم: ﴿كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾، حتى بلغ خبر الولادة: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾. وتصف الرواية بكاء النجاشي وأساقفته، ثم تنقل قوله: «إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة».

في هذا اللقاء تعرف النجاشي إلى أصل مشترك للهداية. وهذه هي دلالة الخبر لبحثنا: إمكان أن يسمع المؤمن لغة أخرى فيجد فيها المعنى الذي يعرفه. وتظل الاستجابة موقف الملك ومن حضر مجلسه، ثم نقرأ تاريخ عقيدة الكنيسة الإثيوبية من مصادرها الخاصة.

وثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ صلى على النجاشي عند وفاته، فحفظت الرواية الإسلامية له منزلة الإيمان. ولا تصلح المقارنة هنا بعدم الصلاة على هرقل، لأنه توفي بعد النبي ﷺ وفق التسلسل المعروف؛ وإنما تقرأ علاقة كل رجل بالدعوة من أخباره وموقفه منها.

وما نأخذه من المجلس أن التعرف إلى الهداية بدأ بالسماع والفهم. فهذا مثال حي للطريقة التي نريد بها قراءة الكلمة والنور: نسأل عما يقصده المؤمن بلفظه، ثم نعرف موضع الاستمداد من الله وموضع الغلو. ونبقي للنجاشي شهادته الخاصة التي حفظتها السيرة والصلاة عليه.


قوس البحر الأحمر: جغرافيا الموحِّدين

رسم الفصل التاسع طريق تيماء وفدك وخيبر ويثرب ومكة، وربطه بالشام الغساني واليمن الحميري. وبإضافة أكسوم على الضفة الأفريقية تكتمل صورة المجال المحيط بالبحر الأحمر، وتتضح صلاته بالجزيرة.

كانت أكسوم مملكة أفريقية ذات لغة جعزية سامية وصلات عميقة بجنوب الجزيرة عبر التجارة والهجرة والثقافة. ولا يعني ذلك أن جميع سكانها وهوية حضارتها يختزلون في أصل واحد. كما أن قيام المملكة أسبق من تحولها المسيحي في القرن الرابع؛ فلا نسمي كل قرون تاريخها الأولى حقبة مسيحية.

ومن الوقائع التي تظهر فيها هذه الصلات اضطهاد نصارى نجران في عهد يوسف ذي نواس، الملك الحميري اليهودي، نحو سنة ٥٢٣م، ثم حملة كاليب (Kaleb) الأكسومي سنة ٥٢٥م. ويربط كثير من المفسرين بهذه الأخبار ذكر أصحاب الأخدود: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ (البروج: ٤–٧). فالآيات تبرز إيمان المضطهدين، وتكشف الروايات التاريخية عن الصراع في جنوب الجزيرة وما تبعه من تدخل عسكري عبر البحر الأحمر.

ولا تسمي سورة البروج نجران أو كاليب؛ إنما يأتي ربط أصحاب الأخدود بهذه الأخبار من الروايات والتفسير. يعنينا أن القرآن يجعل اضطهاد المؤمنين قضية أخلاقية مركزية، وأن تاريخ البحر الأحمر يحفظ وقائع يظهر فيها تداخل الحماية الدينية والسياسة والحرب.

تتسع بذلك البيئة التي وصفناها بأنها مهيأة بالتوحيد. كانت أكسوم طرفها الجنوبي الغربي، والغساسنة في الشمال، وحمير في الجنوب العربي، وتيماء والواحات في طريق آخر من طرقها. وكانت التجارة والهجرة والدين تصل هذه الأقاليم قبل البعثة بقرون. وفي هذا المحيط نفهم الإسلام عودة إلى أصل مشترك، وبياناً جديداً له في بلاد عرفت من قبل أشكالاً متعددة من ميراث الأنبياء.


الكتب التي حفظتها الجعزية: الكنون ذو الواحد والثمانين سفرا

يعرف التقليد الإثيوبي عدّاً موسعاً للكتب يبلغ واحداً وثمانين، مع تفصيل بين مجموعاته وطرائق ترتيبها. ولا تتساوى هذه الكتب في تاريخ التأليف أو الترجمة أو الاستعمال. لذلك نركز على الكتب التي تتيح مقارنة فعلية مع شواهد أقدم، وأبرزها إخنوخ الأول واليوبيلات. انظر عرض الكنيسة نفسه في قانون الكتب.

  • سفر إخنوخ الأوّل (1 Enoch / መጽሐፈ ሄኖክ) (مَصحافَ هينوك): نصٌّ كاملٌ لا يُوجد إلّا بالجعزيّة، شظاياه الأصليّة بالآراميّة لم تُعرف إلّا بعد اكتشاف قمران سنة ١٩٤٧م، فالجعزيّةُ وحدها حَفظت النصّ الكامل من الضياع.
  • سفر اليوبيلات (Jubilees / መጽሐፈ ኩፋሌ) (مَصحافَ كوفالي): إعادةُ روايةٍ لسفرَي التكوين والخروج بمنظورٍ يَهوديٍّ مُلتزمٍ بالشريعة بدقّة، وكان أيضاً من نصوص قمران الأساسيّة (شظاياه في 4Q216-228).
  • أسفار مقابيان الإثيوبيّة (Meqabyan I, II, III): ثلاثةُ أسفارٍ تَختلف عن سفرَي المكابيّين اليونانيَّين، تَعكس تقليداً مقاوماً للهيمنة الوثنيّة بإطارٍ يَهوديٍّ مُتمسّك بالشريعة.
  • سفر باروخ بفصله السادس: الذي يُعرف عند آخرين بـ«رسالة إرمياء»، وفيها هجاءٌ شديد للوثنيّة وتشبيهاتٌ مكشوفة لِما يُعبَد دون الله.

ويشهد استشهاد رسالة يهوذا بإخنوخ على تداول جانب من هذا التراث في المسيحية المبكرة. ثم يختلف تاريخ الكتب الأخرى، ومنها مقابيان الإثيوبية، بحسب التأليف والترجمة والاستعمال. فالقائمة الموسعة حصيلة طرق متعددة للحفظ، وبدراسة كل طريق نعرف كيف وصل النص إلى موضعه فيها.

يحفظ إخنوخ صوراً متعددة للشخصية المختارة وعالم السماء والحكم. ويمكن مقارنة هذه اللغة بانتظارات قمران وبمعنى النور الأول في مشروعنا. لكن «أمثال إخنوخ»، حيث يبرز ابن الإنسان، لم تُعثر على شظايا منها في قمران؛ لذلك نميزها من الأقسام التي تشهد لها المخطوطات الآرامية هناك، ونترك تأريخها لمناقشة الباحثين الخاصة بها.


الجسر القمرانيّ-الإثيوبيّ: إخنوخ واليوبيلات بين الكهوف وأكسوم

وتتيح شظايا قمران أن نختبر هذا الحفظ بالمقابلة النصية. فقد عُثر على شظايا إخنوخ الآرامية بين سنتي ١٩٤٧ و١٩٥٦، ومنها نصوص الكهف الرابع المرقمة بين 4Q201 و4Q212. نشرها J. T. Milik في «The Books of Enoch: Aramaic Fragments of Qumrân Cave 4» (١٩٧٦)، وأرخها من أشكال الخط إلى ما بين القرنين الثالث والأول قبل الميلاد. فهي مادة قديمة يمكن أن نقارنها بما حفظته الجعزية بعد ذلك.

وكان James Bruce قد حمل نسخاً جعزية من إخنوخ من الحبشة إلى أوروبا سنة ١٧٧٣، بعد غياب طويل للنص الكامل عن التداول الغربي بين القرنين الرابع والثامن عشر. وحين ظهرت الشظايا الآرامية في قمران أمكن مقابلة مواضعها بالنص الإثيوبي. فاتفق كثير من البناء والمضمون، مع فروق في انتقال النص، الذي وصلت ترجمته الجعزية عبر اليونانية. وهكذا كشف الحجر والكهوف عن قدم مادة ظلت كنيسة أفريقية تقرؤها، بينما غاب جانب كبير منها عن غيرها.

وتبقى «أمثال إخنوخ» (٣٧–٧١)، حيث تبرز صورة ابن الإنسان السماوي، حالة خاصة؛ فلم يعثر على شظاياها في قمران. وتدور مقترحات تأريخها حول مطلع العصر الميلادي وما بعده. لهذا نقرأ صورتها للمختار السماوي ونقارنها بالمسيحية المبكرة في ضوء هذا النقاش، ولا ننقل إليها تاريخ الأقسام التي وجدتها الكهوف.

وفي اليوبيلات كذلك تقابل الشظايا العبرية من قمران النص الكامل الذي حفظته الجعزية. نرى من ذلك انتقال كتاب بين الألسن وبقاءه بعد غيابه في موضع آخر. ولا يرسم هذا وحده طريق انتقال مؤسسة من قمران إلى أكسوم؛ ولكنه يرينا كيف حفظت الترجمة، ومنها الوسيط اليوناني، تراثاً كان معرضاً للضياع.

ويمتد مضمون هذا الحفظ إلى تنظيم الزمن الديني. فتشترك نصوص قمران واليوبيلات و«الكتاب الفلكي» من إخنوخ في تقويم كهنوتي تخطيطي من ثلاثمئة وأربعة وستين يوماً، تنتظم فيه مواقيت العبادة وخدمات الكهنة، كما في نصوص المشمروت 4Q320–330. وقد بقيت هذه المادة في الجعزية، وإن كان التقويم العملي للكنيسة الإثيوبية هو الإسكندري الشمسي. ونستفيد هنا من دراسة James VanderKam (١٩٧٩)، ومن الطبعات النقدية التي وضعها R. H. Charles لإخنوخ واليوبيلات (١٨٩٥–١٩١٢)، بعد عمل دلمان (١٨٥١ و١٨٥٩). فقد هيأت هذه الأعمال مادة المقابلة قبل ظهور شظايا قمران بعقود.

تقدم الحبشة بهذا مثالاً لما نبحث عنه في تاريخ الذاكرة: يبقى الخبر في تقليد بعيد عن موضعه الأول، ثم تعيد المكتشفات إضاءة قدمه ومساره. وهذا وجه إضافتها إلى حجتنا. أما هوية المسيحين أو مطابقة عيسى بنبونيد فتظل معتمدة على المقارنات التي تخصها في هذا الكتاب.

ويربط عدد من المفسرين إدريس بأخنوخ. نستحضر هذا الربط بوصفه تقليداً تفسيرياً، ولا ننسب اسم أخنوخ إلى الآية نفسها. ثم نفحص ما يمكن أن تضيفه المقارنة بين صورة النبي ومادة السفر الذي حمل اسمه.


ما بقي في الممارسة الدينية

وإلى جانب الكتب بقيت ممارسات نقارنها بتقاليد كتابية ونسكية أقدم. تشترك فيها جماعات مختلفة، ويحتاج تعيين طريق انتقالها إلى قراءة تاريخ كل منها:

  • السبت إلى جانب الأحد، وما يعكسه من استمرار مكانة الأيام المقدسة في الذاكرة الكتابية.
  • الختان وأحكام الطعام، مع اختلاف تفسيرها وممارستها عن جماعة إلى أخرى.
  • الصيام والاغتسال والاستعداد للعبادة، وهي عناصر واسعة الحضور في المسيحيات الشرقية وغيرها.
  • التابوت في الكنيسة الإثيوبية، وهو في الاستعمال الطقسي لوح مقدس له رمزية تابوت العهد، وليس بالضرورة صندوقاً مماثلاً له. أما امتلاك التابوت الأصلي في أكسوم فهو تقليد إيماني يحتاج أن يُعرض بهذه الصفة.

توضح هذه الممارسات كيف تعيش طبقات قديمة داخل مؤسسة طورت لاهوتها أيضاً. ويمكن أن نستفيد من حفظها للتراث مع اختلافنا معها في تفسيره. ويعيدنا التابوت خاصة إلى الآثار المقدسة في أخبار نبونيد: كيف تحفظ الأشياء والأماكن صلة الجماعة بالأنبياء، وكيف يلتقي الموروث المكتوب بما يتوارثه الناس في طقوسهم؟


التواحدو في القوس المقاوم لخلقيدون

معنى «التواحدو» متعلق بالاتحاد في المسيح، وتؤكد الكنيسة به كمال لاهوته وناسوته معاً. يوضح ذلك شرح الكنيسة لعقيدة الاتحاد. ومن هنا نفهم اختلافه عن التوحيد الذي ينفي تأليه المسيح في قراءتنا؛ فاللفظ يشرح علاقة اللاهوت بالناسوت في إيمان الكنيسة.

ترتبط مقاومة خلقيدونية بتاريخ الإسكندرية وبكنائس شرقية وأفريقية احتفظت بلغاتها ومؤسساتها. ولا تتطابق خريطة الخلاف مع حدود عرق أو عائلة لغوية واحدة؛ فقد وجدت جماعات خلقيدونية وغير خلقيدونية في أقاليم متجاورة.

ومن هذه اللغات السريانية والجعزية، وهما ساميتان، والقبطية والأرمنية، وليستا ساميتين. يجمعها حضورها في مسيحيات الشرق، لا أصل لغوي واحد ولا موقف مطابق من كل مسألة.

ونقرأ هذا التنوع بوصفه عاملاً ساعد على بقاء طرق متعددة لحفظ الكتب والطقوس. فقد تحمي اللغة المحلية ذاكرة لا تحميها مؤسسة المركز، دون أن تمنع عنها كل تغير أو تأثير.

نقرأ التواحدو، إذن، بما تجمعه من نصوص وممارسات وتفسير خاص لمقام المسيح. ونحاول فهم عباراتها في الاتحاد والكلمة كما فهمنا لغة النور في المواضع السابقة، ثم نعين موضع اختلافنا عنها. ففي فهم هذا التراث من داخله تظهر قيمة ما حفظه للبحث.


الجعزية ومسار الأسماء

تضيف الجعزية طريقاً آخر لدراسة اسم المسيح. وقد مر بنا الجذر العربي م–س–ح، المتصل بالمسح والتكريس، ومقابلته الأدبية بم–س–خ في عنواننا، ثم عبارة «مشيحا كدبا» في المندائية. وننتقل الآن إلى حروف الجعزية وما تحفظه من أصوات سامية تاريخية.

تحفظ الكتابة الجعزية رموزاً لأصوات سامية تاريخية، ومنها حرفان يقابلان في النقل العلمي الحاء والخاء. وقد اندمجت بعض هذه الأصوات في نطق لاحق، فلا تتساوى صورة الحرف دائماً مع أدائه المعاصر:

  • ሐ (حَ)، ويُنقل في الدراسات بـ ḥ.
  • ኀ (خَ)، ويُنقل في الدراسات بـ ḫ.

تفيد هذه الحروف في تتبع انتقال الأسماء، حين تقرأ على ضوء تاريخ نطقها. فقد يحتفظ الخط بفرق زال من الاستعمال الصوتي في زمن لاحق. ومن مراجع المقارنة مع العربية والعبرية معجم وولف لسلاو المقارن للجعزية (١٩٨٧).

وتحفظ الجعزية لقب المسيح من المادة السامية المتصلة بالمسح. أما تمييزها بين الحروف الحلقية فهو معطى لغوي؛ لا يقدم وحده لقباً موروثاً بمعنى «المسيخ» الذي اخترناه بالعربية.

وهنا تتحدد فائدة المقارنة: نتابع اسماً ونصاً في لسان آخر، بينما تبقى المقابلة بين المسيح والمسيخ صياغتنا لتمييز الأصل من صورته المشوهة. والتحول العقدي الذي ندرسه أوسع من تغير حرف أو نقطة.

فالعربية تتيح المقابلة البلاغية بين الجذرين، والمندائية تحفظ وصف الكذب في جدلها، والجعزية تحفظ الاسم في تقليد كنسي آخر. نجمع هذه الوظائف المختلفة لنعرف كيف عمل اللفظ في كل بيئة.

بهذه القراءة تصبح الألسن طرقاً إلى تاريخ الذاكرة، ويستمد كل معنى ديني دلالته من استعمال النص له.


ما الذي تشهد له الحبشة؟

تعيدنا سيرة النجاشي إلى الإنسان الذي يسمع فيتعرف ويختار. فالانتماء الكنسي لا يصف وحده كل ما في قلب المؤمن ولا كل ما يفهمه من ألفاظ عقيدته. وهذه مساحة أساسية لقراءة التدين قبل أن تحكمه التصنيفات الصلبة.

وتلتقي في الحبشة جهتان لا ينبغي إضاعتهما: حفظ نصوص قديمة، وإمكان التعرف إلى الرسالة القرآنية في خبر النجاشي. تختلف طبيعة الشاهدين، لكنهما يوسعان مجال البحث عن استمرار الهداية.

ومقارنة النجاشي بهرقل تعود بنا إلى موقف كل رجل من الدعوة التي بلغته، وعلاقته بها من موضعه في الحكم. أما الصلاة على النجاشي فتحفظ منزلته الخاصة في السيرة، ولا تكفي وحدها لترتيب الكنائس بحسب قربها من عقيدة الكتاب.

تضيف هذه القراءة للكتاب صورة أوسع من الصراع وحده: قد تحفظ جماعةٌ كتاباً، ويحفظ شخصٌ معنى، ويأتي لقاء جديد فيكشف القرابة بين ما تفرق. ليست عودة الحقيقة محواً لكل ما عاشه الناس، بل استرجاعاً لما بقي من النور وتمييزاً لما حجبه.

ومن الحبشة نعود إلى المشرق السرياني والعربي، حيث عاشت كنائس ومدارس وجماعات أخرى خارج سلطة واحدة. هناك نتابع كيف انتقلت المعرفة بين الكتاب والمعبد والمدرسة والطريق.


الفصل ١٧ ـ كنيسةُ المشرق والعالَمُ المسيحيُّ المُتشظّي: من أفسس إلى عشيّة البعثة

عرضت الفصول السابقة أصواتاً وجماعات حفظت جوانب مختلفة من التراث المسيحي. ونضعها الآن في عالمها الأوسع: كنائس لها مؤسسات ومدارس ورعاة سياسيون، وعرب يعيشون داخل هذا العالم ويشاركون في خلافاته. يساعد ذلك في فهم كيف انتقلت المعاني القديمة إلى البيئة التي خاطبها القرآن، وكيف اجتمع حفظ المعرفة مع تحول العقيدة.

من الخلاف إلى تعدد الكنائس

عرضنا أثر المجامع في تقنين العقيدة، وننظر الآن فيما تركته في المؤسسات. فقد باعدت بعض الخلافات بين الكنائس، ثم استقر التباعد عبر زمن من التنظيم والرعاية السياسية. وكانت لبعضها حياة مؤسسية أقدم من المجمع الذي اقترن اسمها بخلافه.

أدان أفسس سنة ٤٣١ نسطور، واتصل الجدل بلقب مريم وكيفية اتحاد الألوهية والبشرية في المسيح. واستقبلت كنيسة المشرق لاحقاً تقاليد لاهوتية أنطاكية ارتبطت في وصف الخصوم بالنسطورية؛ لكنها كانت منظمة قبل نسطور والمجمع. هذه الأسبقية مهمة لفهم استقلالها وصلاتها بالحيرة وفارس ثم امتدادها شرقاً.

عمّق مجمع خلقيدونية سنة ٤٥١م الانقسام حول صياغة علاقة اللاهوت بالناسوت. ولم تنشأ جميع المؤسسات المستقلة في يوم انعقاده؛ فلكنيسة المشرق تنظيم أقدم، واستقرت هياكل كنائس أخرى عبر عقود من الصراع. ومع الزمن برزت ثلاث عائلات كبرى في هذا المجال:

  • الكنائس الخلقيدونية، التي تقر بطبيعتين في شخص واحد.
  • الكنائس الأرثوذكسية الشرقية غير الخلقيدونية، التي تؤكد وحدة المسيح المتجسد مع كمال لاهوته وناسوته.
  • كنيسة المشرق، ذات التقليد السرياني الشرقي، التي تعبر عن اتحاد اللاهوت والناسوت بمصطلحاتها الخاصة.

اختلفت هذه العائلات في صيغها، واتصل اختلافها بمنافسات سياسية ومؤسسية. وحفظت لغات منها السريانية والقبطية والجعزية والأرمنية، إلى جانب اليونانية وغيرها. لا يجمع هذه اللغات نسب سامي واحد؛ الذي يجمعها هنا أنها أوعية متعددة حملت الذاكرة الدينية.

يفسر هذا التعدد إمكان بقاء أخبار وممارسات لم تعد مركزية في كنيسة أخرى. وهو ما يحتاجه مشروعنا لفهم انتقال الذاكرة: مدارس وكتبة ورهبان وأسر وطرق سفر، لا فكرة معلقة خارج حياة الناس.

كيف نقارن لغة الكنائس؟

نقرأ لغة كل كنيسة في عبارتها الكاملة: ما الذي تقصده بالكلمة والنور والسابقية، وكيف تصف الاتحاد والعبادة؟ فبهذه المعاني يتضح موقفها، وتظهر المسافة بينها وبين التصورات الأخرى التي نقارنها بها.

وتفيدنا في المقارنة ثلاثة أسئلة:

  • كيف يصف التقليد علاقة المسيح بالله، وهل يقر له ألوهية أزلية أم مرتبة مستمدة؟
  • كيف يفهم إنسانيته وصلته بالكلمة السابقة للظهور البشري؟
  • ما النصوص والممارسات التي حفظها، وكيف نقلتها مؤسساته؟

تعين هذه الأسئلة على معرفة موضع الاستفادة من كل تقليد. فقد تحفظ كنيسة نصاً نحتاج إليه، وقد تفتح لغتها الروحية مقارنة بالحقيقة المحمدية، ثم تختلف عنا في فهم مقام المسيح. ومن قراءة التفاصيل تتضح الصلة وموضع الاختلاف معاً.

التقليدالصورة العامةسؤال المقارنة
الآريوسيةالابن ذو مقام سابق للعالم، لكنه ليس أزلياً مساوياً للآبصلة التصور بمراتب الوساطة والاستمداد، مع قراءة الممارسة التعبدية
كنيسة المشرقتقر اللاهوت والناسوت واتحادهما، وتستخدم ألفاظاً سريانية لها تاريخهاتمييز حقيقة الكلمة عن الظهور البشري دون اختزال العقيدة في التبني
الأرثوذكسية الشرقية غير الخلقيدونيةتؤكد وحدة المسيح المتجسد وكمال لاهوته وناسوتهمعنى الاتحاد وكيف فهمته المدرسة من داخل لغتها
الخلقيدونيةطبيعتان كاملتان في شخص واحدصلة الصياغة الفلسفية بالنص وبالسلطة التي أقرتها

يبين الجدول موضع المقارنة في كل صيغة. ننظر في معنى الاستمداد والتجلي حيث يردان، ونتتبع أيضاً ما تقرره الكنائس من ألوهية المسيح. فكل جانب من الكلام يدخل في فهم عقيدتها.

كنيسة المشرق: الناسوت والكلمة

تستحق كنيسة المشرق قراءة خاصة، لأنها حفظت لغة سريانية دقيقة في التمييز والاتحاد. وقد أثرت تسميتها الشائعة «النسطورية» في تلقيها من خلال خصومها. لذلك نرجع إلى شرحها الذاتي قبل تحديد ما يمكن أن تضيفه إلى المقارنة.

تقر كنيسة المشرق أزلية الكلمة وكمال اللاهوت والناسوت واتحادهما، وهي بذلك لا تقصر المسيح على نبوة بشرية ولا ترفض أصل الثالوث. لكن ألفاظها السريانية تحتاج إلى فهم خاص؛ فـ«قنوما» لا يقابل آلياً مفهوم الشخص المنفصل في الاستعمال الحديث. نقرأ كيف تميز هذه اللغة بين الظهور البشري وحقيقة الكلمة، وكيف تعبر عن صلتهما، لنجد موضع المقارنة الروحية الذي يهمنا.

ونضع هذا الفهم إلى جانب التحذير القرآني من تأليه المسيح وأمه:

﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ (المائدة ١١٦)

يفسر أصحاب لقب «والدة الإله» لقبهم من جهة هوية المولود واتحاد اللاهوت والناسوت فيه، ولا يقولون به إن مريم أوجدت اللاهوت الأزلي أو صارت إلهة. ويظل للكتاب أن يبحث ما أحدثه اللقب في التدين وما اتصل به من غلو. وكذلك نفهم اعتراض نسطور على بعض استعمالاته داخل إيمانه بلاهوت الكلمة. فهنا نصل إلى موضع الخلاف في المعنى، ثم إلى أثر التعبير في حياة المؤمنين.

وما تضيفه كنيسة المشرق هو خبرة نصية وروحية مختلفة في السؤال نفسه: كيف تنسب إلى الإنسان ما يتعلق بحقيقة سابقة عليه؟ سنعود إلى هذا السؤال مع التصوف، حيث يمكن أن تساعدنا لغة النور والحقيقة على فهم النصوص قبل الحكم عليها.

كنيسةُ المشرق: مؤسّسةٌ مستقلّةٌ شرقَ روما

قامت كنيسة المشرق في بلاد الرافدين والفضاء الساساني، خارج السلطة الكنسية الرومانية. وكانت لها رئاسة وأبرشيات ومدارس وأديرة. وجود هذه المؤسسة يبين أن تاريخ المسيحية لا يختزل في قرارات القسطنطينية وروما، وأن للمشرق مساره الخاص في حفظ الكتب وتعليمها.

كان كرسي الكنيسة في ساليق–قطيسفون على دجلة، عاصمة الساسانيين المعروفة لاحقاً بالمدائن، ثم انتقل إلى بغداد في العصر العباسي. وعلى رأس تنظيمها الجاثليق (Catholicos). ومن أهم محطات هذا التنظيم مجمع سنة ٤١٠م، الذي انعقد برئاسة الجاثليق إسحاق، ورعاية يزدجرد الأول، وبحضور ماروثا الميافارقيني مبعوثاً من الجانب الروماني. أقر المجتمعون قانون نيقية، ونظموا الأبرشيات والمتروبوليتيات تحت رئاسة جاثليق ساليق–قطيسفون. وقد جمع «المجمع المشرقي» (Synodicon Orientale) أعماله وأعمال مجامع تالية، ونشره J.-B. Chabot سنة ١٩٠٢.

أكد مجمع كنيسة المشرق سنة ٤٢٤ استقلال مرجعية جاثليقها عن الغرب، بعد مجمع ٤١٠ المنظم لها. وقع ذلك قبل أفسس وخلقيدونية، لا قبل جميع الخلافات المسيحية الكبرى. وتكشف هذه المحطات أن الاستقلال الإداري والسياسي له تاريخ لا يختزل في عنوان مذهبي واحد.

وامتد هذا التنظيم من الحيرة وميسان إلى جنديسابور في خوزستان، ومرو في خراسان، وساحل الخليج المعروف ببيت قطرايي (Bēth Qaṭrāyē)، الذي ترد أخبار أساقفته في سياق المجامع منذ سنة ٤١٠م. ومر بنا خبر نحو أربعين ديراً في الحيرة، ضمن المادة التي درستها Isabel Toral-Niehoff في «Al-Ḥīra: eine arabische Kulturmetropole»، ووثق جوانب منها J. M. Fiey في «Assyrie chrétienne». هكذا تبدو كنيسة واسعة المجال، عربية في جانب من رعيتها، تتحرك فيها السريانية والعربية ضمن حياة دينية واحدة.

ويجمع تاريخها بين استقلال الإدارة والإقرار بقانون نيقية منذ سنة ٤١٠م. فنقرأ تشديدها على إنسانية المسيح ضمن إيمانها بالكلمة الأزلي، ونبحث في الصلة بين هذين الجانبين بدلاً من فهم استقلالها عن الغرب دليلاً على رفض التأليه.

تساعد هذه البيئة الواسعة على فهم اللغة الدينية التي عرفها مخاطبو القرآن. كانوا يعيشون في جوار كنائس ومدارس تتداول كلمات مشتركة، وكان للوحي بيانه الذي يخاطب هذه المعرفة ويصححها. فمعرفة البيئة تشرح المخاطبين وصلاتهم، من غير أن ترد القرآن إلى مدرسة منها.

مدرستا نصيبينَ وجنديسابور: العقلُ السريانيّ

حملت مدارس المشرق تعليماً كتابياً وفلسفياً وطبياً، واختلف نصيب المراكز منه. برزت نصيبين في اللاهوت والتفسير، وعرفت جنديسابور بالأطباء والأسر العلمية. وبالرجوع إلى أخبار كل مركز نتبين صورة التعليم التي كانت قائمة فيه.

خرجت من نصيبين أجيال من الأساقفة والكتبة والمفسرين، وتكون فيها تعليم يقرأ الكتاب بالطريقة الأنطاكية. وكانت السريانية لغة الدرس والعبادة، على صلة وثيقة بالتراث الآرامي. وتكشف رحلة مار آبا الأول، الذي رأس الكنيسة نحو ٥٤٠–٥٥٢م، اتساع هذه الحياة العلمية. فقد انتقل من أصله الفارسي الزرادشتي إلى المسيحية، وطلب العلم في نصيبين والرها والإسكندرية والقسطنطينية، ثم عاد إلى المدائن وأصلح قانون الكنيسة وعالج انقسامها. تجمع سيرته عدداً من المراكز التي كانت تتصل بالرحلة والتعليم عبر الحدود السياسية.

وترد جنديسابور في أخبار الطب والأسر التي خدمت الخلفاء العباسيين بعد ذلك. هذه الصلات تكشف طريقاً لنقل المعرفة، وإن كانت صورة المؤسسة الساسانية نفسها أقل وضوحاً من صورها المتداولة بوصفها مستشفى جامعياً وأكاديمية ترجمة. فنميز ما نعرفه من عمل الأطباء وانتقالهم، وما يحتاج إلى شواهد تفصل حجم التنظيم القديم.

كان الانتقال من اليونانية إلى السريانية ثم العربية طريقاً مهماً لنقل المعرفة، إلى جانب ترجمة مباشرة من اليونانية ومقابلة نسخ بلغات مختلفة. لم تنشأ حركة الترجمة العباسية من فراغ؛ استفادت من تقاليد ومدارس سابقة، ثم وسعت العمل وغيّرت جمهوره ومقاصده. بهذا المعنى نقرأ دور المسيحيين المشارقة في تاريخ العلم.

والصلة التي تهم بحثنا أن أهل هذا التعليم واصلوا عملهم في القرون الإسلامية. وتوضح أمثلة بعينها استمرار الأسر والعلماء في الطب والترجمة والحوار:

  • أُسرةُ بَختيشوع: أُسرةٌ من أطبّاء جنديسابورَ النساطرة، انتَقلت بكاملها تقريباً إلى خدمة الخلفاء العبّاسيّين منذ عهد المنصور (نحو ٧٦٥م)، فظَلّت تَخدم البلاط طبيبةً جيلاً بعد جيل وهي على نصرانيّتها. وقد وَثّق Michael Dols هذا الانتقالَ في دراسته عن أصول المشفى الإسلاميّ.
  • حُنين بن إسحاق (ت ٨٧٣م تقريباً): النسطوريُّ العباديُّ الحيريُّ الأصل، سيّدُ المترجمين، الذي أَتقن السريانيّةَ واليونانيّةَ والعربيّة، فنَقل جالينوسَ وأبقراطَ وكثيراً من تراث اليونان عبر السريانيّة إلى العربيّة بمنهجٍ نقديٍّ دقيق. فهو الحلقةُ الحيّةُ التي تَصِل عقلَ نصيبينَ وجنديسابورَ بعصر المأمون.
  • الجاثليقُ طيمثاوسُ الأوّل (٧٨٠-٨٢٣م): رأسُ كنيسة المشرق في أوج ازدهارها، نَقل كرسيَّه إلى بغدادَ مجاوراً قصرَ الخلافة، وعَقد مناظرةً لاهوتيّةً علنيّةً مع الخليفة المهديّ نحو سنةِ ٧٨٢م، محفوظةً في نصٍّ يُعرف بـ«الأبولوجيا» (نَشره A. Mingana في «Woodbrooke Studies»)، خاطب فيها البطريركُ الخليفةَ على مستوى نِديٍّ مُحترَم.

بقيت هذه البيئة، إذن، حية بعد تغير الحكم: مدارس تدرس، وكتاب يترجمون، ورجال دين يحاورون. وهذا استمرار بأشخاصه وأعماله، مع تنوع العقائد بين المشاركين فيه. ومن خلاله نفهم كيف عبرت المعرفة والذاكرة من عصر إلى آخر.

الحيرة وغسان بين فارس والروم

عرضنا في الفصل التاسع حياة الغساسنة والمناذرة اللخميين، وننظر هنا في موضعهما بين الإمبراطوريتين. ارتبطت الحيرة بالساسانيين، وارتبطت الجابية ببيزنطة، فدخل البيتان العربيان في منافسة فارس والروم. وصحبت هذا الارتباط صلات كنسية مختلفة، جعلت العرب مشاركين في النزاع السياسي والديني للمشرق.

كانت الحيرة مركزاً عربياً ذا حضور مسيحي وأديرة وصلات بكنيسة المشرق، تحت الرعاية السياسية الساسانية. لكن ملوك اللخميين لم يكونوا جميعاً على دين واحد في كل العصور. وعلى الجانب الآخر ارتبط الغساسنة بالروم سياسياً وبالتقليد غير الخلقيدوني دينياً؛ فالجوار والتحالف لا يفرضان دائماً تطابق المذهب.

ويتضح أثر هذا الدور في خبر الحارث بن جبلة، أريثاس عند اليونان، الذي حكم نحو ٥٢٩–٥٦٩م ورفعه يوستينيان إلى رتبة البطريق. ظل الملك الغساني متمسكاً بمذهب الطبيعة المتحدة، وسعى نحو سنة ٥٤٢م إلى رسامة يعقوب البرادعي (Jacob Baradaeus) أسقفاً متجولاً. أخذ يعقوب يجوب المشرق ويرسم الأساقفة والكهنة، فأعاد تنظيم الكنيسة التي أثقلها الاضطهاد، واقترنت باسمه التسمية «اليعقوبية». يروي يوحنا الأفسسي (John of Ephesus)، المعاصر للأحداث، هذا التاريخ، ودرسه إيرفان شاهد في «Byzantium and the Arabs in the Sixth Century». فهو مثال لرعاية عربية كان لها أثر في بقاء مؤسسة كنسية كاملة.

ساند ملك عربي بنفوذه السياسي فرعاً من مسيحية المشرق في مواجهة سياسة المركز البيزنطي. يظهر العرب هنا مشاركين في حماية الجماعات ورسم علاقاتها، لا متفرجين على نزاعات بعيدة عنهم.

وفي الحيرة وغسان نرى العرب رعاة كنائس ومدارس ومشاركين في الجدل. ثم نميز ما حفظته كل بيئة من كتب وطقوس وصلات علمية، ونقرأ عقيدتها في مصادرها؛ فليس الاختلاف بين المملكتين قسمة بسيطة بين نبي بشري وإله.

بهذا تصبح «الأرض المهيأة» حياة دينية ملموسة: أديرة ومدارس وطرق ووفود وقراء بلغات متعددة. وفي هذه الحياة يمكن أن تنتقل أخبار المسيح وتُعاد قراءتها. وهو ما يصل التاريخ المؤسسي بسؤال الكتاب عن بقاء الأصل وراء التحولات.

تغلب واستمرار المسيحية العربية

وتقدم تغلب مثالاً على استمرار المسيحية العربية في العصور الإسلامية. لا نحتاج إلى نسبة جميع بطونها إلى كنيسة واحدة كي نثبت هذا الحضور؛ فقد كانت الروابط المذهبية في الجزيرة الفراتية متنوعة ومتغيرة.

وتحفظ كتب الخراج ترتيباً يوضح موضع تغلب. فقد أنفوا أداء الجزية باسمها، وتفاوضوا على دفع صدقة مضاعفة، أي ضعف زكاة المسلمين، مع بقائهم على دينهم. سجل أبو يوسف، تلميذ أبي حنيفة، هذا الخبر في «كتاب الخراج»، ضمن أحكام السياسة المالية. وفي الترتيب نرى تفاعل الهوية القبلية والانتماء الديني مع نظام الدولة الجديدة.

ومن تغلب خرج الأخطل، غياث بن غوث، الذي بقي على نصرانيته وصار من شعراء البلاط الأموي ومادحي خلفائه. وتنقل الأخبار دخوله على عبد الملك بن مروان وفي عنقه صليبه. فالحضور المسيحي العربي هنا لا يقتصر على جماعة في أطراف الدولة؛ يظهر أيضاً في شاعر يخاطب جمهورها ويدافع عن سلطانها من مجلس الخليفة.

يجمع الخبران صورتين واضحتين للبقاء: جماعة تحفظ دينها ضمن ترتيب مالي، وشاعر يشارك في حياة البلاط وهو على نصرانيته. ومن مثل هذه الوقائع نرى كيف استمرت الحياة الاجتماعية والدينية القديمة داخل العصر الجديد.

يكشف بقاء تغلب أن التحول الديني لم يمحُ المجتمع السابق في لحظة. استمرت جماعات تتفاوض على موضعها وتحفظ دينها ولسانها. وهذا يساعد في فهم انتقال الذاكرة داخل عالم متداخل، لا داخل كتل منعزلة تبدأ كل واحدة منها حين تختفي الأخرى.

حمير ونجران وأكسوم ثم التدخل الفارسي

وفي الجنوب اتصلت أخبار حمير ونجران وأكسوم بالتدخل الفارسي اللاحق. امتدت هذه التحولات من عشرينيات القرن السادس إلى نحو سبعينياته، واجتمعت خلالها المنافسة الدينية والسياسية مع طرق التجارة في مجال واحد.

نبدأ بتحول حمير الذي عرضناه من قبل. درس كريستيان جوليان روبان (Christian Julien Robin) وزملاؤه في CNRS انتقال النقوش الملكية نحو سنة ٣٨٠م من ذكر الآلهة القديمة إلى دعاء «رب السماء والأرض»، و«إله إسرائيل» في بعضها. فدخل التوحيد، بصبغته اليهودية، خطاب الدولة قبل الإسلام بأكثر من قرنين. ومن آخر ملوك حمير المستقلين يوسف أسأر يثأر، المعروف بذي نواس نسبة إلى ذوائبه، الذي يؤرخ حكمه بنحو ٥١٥–٥٢٥م، وكان على اليهودية.

ثم تأتي أخبار اضطهاد نصارى نجران نحو سنة ٥٢٣م في المصادر السريانية واليونانية، إلى جانب النقوش التي تسجل حملات يوسف أسأر يثأر وقادته. نجمع هذه المواد مع تمييز موضوع كل منها؛ فأعداد القتلى في مجموع الحملات لا تخص بالضرورة واقعة نجران وحدها. ونضع إلى جانبها قراءة المفسرين لأصحاب الأخدود في ضوء هذه الأحداث.

﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾(البروج ٤-٧)

تجعل الآيات إيمان الضحايا وثباتهم مركز المشهد. وحين تُقرأ على خبر نجران، نرى حضور ذاكرة المؤمنين قبل البعثة في الخطاب القرآني. أما تفصيل مذاهب أولئك القوم فله مادته التاريخية التي نبحثها خارج هذا الوصف العام.

وفي سنة ٥٢٥م عبر جيش أكسوم بقيادة كاليب، أو إيلا أصبحا، البحر الأحمر بدعم بيزنطي. وهذا الملك غير النجاشي أصحمة بن أبجر صاحب خبر المهاجرين. يروي پروكوپيوس في «الحروب» (I.20) هزيمة ملك حمير وقتله وتنصيب سميفع أشوع (Esimiphaios)، بينما تحفظ رواية ابن إسحاق والطبري خبر اقتحام ذي نواس البحر بفرسه. وانتهى الحكم اليهودي المستقل، وأقيم حكم مسيحي تابع لأكسوم. وهنا نرى صلة التدخل الإثيوبي بنصارى نجران الذين ربط المفسرون خبرهم بآيات الأخدود، وهي الصلة التي تناولها الفصل السادس عشر.

ثم استقل أبرهة بالحكم نحو سنة ٥٣٥م، بعدما ثار على سميفع أشوع، وحكم حمير المسيحية نحو ثلاثين عاماً. ويذكر نقش سد مأرب CIH 541، المؤرخ بسنة ٦٥٨ حميرية، أي ٥٤٨م، في طبعة ڤالتر مولر (١٩٧٤)، استقبال وفود أكسوم وروما وفارس والمنذر اللخمي والحارث بن جبلة الغساني. فتلتقي في بلاط الجنوب القوى التي مر ذكرها في شمال المجال نفسه. وبعد ذلك دخل الفرس اليمن بقيادة وهرز نحو سنة ٥٧٠م، فتغير موقعها السياسي مرة أخرى. وبهذه المحطات نتابع انتقال السلطان في موضع ظلت فيه الحياة الدينية حاضرة.

تظهر في هذا التاريخ جماعات تعرف الكتاب والعبادة والاستشهاد، وتعيش في الوقت نفسه منافسة الممالك. وقد تجتمع حماية المؤمنين مع مصالح الحكم، وتختلف عقائد الأطراف المتنازعة. ومن هذا التشابك نفهم صلة الدين بالملك في بيئة الكتاب، وهي من الأسئلة التي بدأنا بها بحث عيسى النبي الملك.

محطات التحول في جنوب الجزيرة

نجمع المحطات في جدول يبين الفاعل والحدث والشاهد، ويضع المادة السريانية واليونانية والسبئية إلى جانب القراءة القرآنية والتفسيرية:

السنةالحلقةالفاعلالشاهدُ الخارجيّوجهُ خدمتها للكتاب
نحو ٣٨٠متَحوُّلُ حِميَر إلى التوحيد رسميّاًسلالةُ حِميَر الملكيّةنقوشٌ سبئيّةٌ توحيديّة («ربّ السماء والأرض، إله إسرائيل») ـ روبان/CNRSتحول مبكر في لغة النقوش الدينية بالجزيرة.
٥٢٣ممذبحةُ نجران (الأخدود)ذو نواس (يوسف أَسأَر يَثأَر) وقائدُه شَرَحئيل ياقبل«كتاب الحِميَريّين» السريانيّ، «شهادة أَريثا» اليونانيّة، نقوش Ja 1028 وRy 507مقارنة خبر نجران بتفسير أصحاب الأخدود، مع تمييز الإيمان في الآية من تعيين مذهب الضحايا.
٥٢٥مالثأرُ الأكسوميّ وفتحُ اليمنكاليب (إيلا أَصبحا) ملكُ أكسومپروكوپيوس «الحروب» I.20، «كتاب الحِميَريّين»تداخل حماية الجماعات الدينية وسياسة البحر الأحمر.
نحو ٥٣٥مانقلابُ أبرهة ونيابتُه على حِميَرأبرهةُ، قائدٌ أكسوميٌّ استقلّنقشُ سدّ مأرب CIH 541 (٥٤٨م)، نقشُ المُرَيغان Ry 506حضور أبرهة في النقوش؛ وفود CIH 541 شاهد على شبكة العلاقات في عهده.
نحو ٥٧٠مالفتحُ الفارسيُّ لليمنوَهْرِزُ قائدُ الساسانيّينالمصادرُ الفارسيّةُ والعربيّةُ اللاحقةإغلاقُ القوس الجنوبيّ قُبَيل البعثة، انتقالُ اليمن إلى فارس

تمتد هذه التحولات من اضطهاد نجران إلى التدخل الفارسي على نحو نصف قرن، ويضيف الجدول إليها تحولاً دينياً أقدم في حمير. تختلف الشواهد بين النقش المعاصر والرواية اللاحقة؛ واجتماعها يجعل المجال غنياً بالمقارنة، دون أن يساوي قوة كل تاريخ وتفصيل.

«الرحمن» اسماً سابقاً للوحي: شهادةُ الحجر الحِميَريّ

وتقدم النقوش الحميرية شاهداً لغوياً إلى جوار الوقائع السياسية: استعمال «رحمنن» اسماً إلهياً في نصوص قبل الإسلام. نقرأه مع تاريخ صيغ الدعاء والسلطة، ثم نقابله بمكانة «الرحمن» في القرآن.

ترد تسمية «رحمنن» في نقوش ذات سياقات يهودية، ثم في نصوص مسيحية تذكر المسيح وروح القدس. تكشف هذه الاستعمالات استمرار الاسم مع اختلاف الصيغ العقدية. والمقابلة مع القرآن لا تعني تطابق تلك العقائد، كما أن أدوات التعريف في السبئية والعربية لا تقاس بمجرد غياب «أل» في الرسم القديم.

يفتتح نقش أبرهة CIH 541، الخاص بسد مأرب، بصيغة «بقوة الرحمن ومسيحه والروح القدس». ففي سجل ملك مسيحي عن عمل عمراني نجد «الرحمن» اسماً إلهياً قبل البعثة. وتكشف العبارة استمرار الاسم في لغة الدعاء، مع الصيغة المسيحية التي جاء فيها هنا.

وفي القرآن تفتتح السور بالبسملة، عدا التوبة، ويأتي ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ﴾ (الإسراء: ١١٠). نقرأ قدم الاسم في النقوش إلى جانب هذا البيان القرآني، فنرى ما استمر من اللفظ، ثم نسأل عن المعنى الذي أعاد الوحي بيانه. فاستمرار الاسم طريق إلى تاريخ الخطاب الديني، وتفصيل العقيدة يظهر من السياق الذي يرد فيه.

خريطة الكنائس والجماعات العربية

نجمع الآن ملامح البيئات التي مرت بنا. هذه صورة لاتجاهات ومناطق، لا حدود عقائدية ثابتة تفصل سكان كل إقليم فصلاً تاماً.

تقر الكنائس الكبرى في هذه الخريطة اللاهوت والناسوت، وتختلف في شرح علاقتهما وفي تنظيمها. ونأخذ من هذا التنوع تعدد طرق حفظ التراث وصلته بالعربية، ثم نقرأ موضع الإنسان والكلمة في كل تقليد بحسب ألفاظه.

في المجال الرومي عاشت كنائس خلقيدونية وأخرى غير خلقيدونية، وفي المجال الساساني اتسعت كنيسة المشرق. وتجاورت بينها لغات وطرائق تعليم، وعبرت الكتب والأشخاص الحدود في أكثر من اتجاه. ليس الشرق كله طائفة واحدة، ولا الغرب معزولاً عن هذا التداول.

وشارك العرب في هذا العالم: غساسنة وحيريون وعباد وتنوخيون وتغلبيون، مع اختلاف تواريخهم وروابطهم. يهمنا حضورهم الفاعل في الأديرة والتعليم والرعاية السياسية، لأنه يمنح بحث انتقال الأسماء والأخبار أرضاً اجتماعية يمكن تتبعها.

تظهر أهم هذه البيئات في الجدول الآتي:

البيئةاللغةالمجالالملمح
الكنائس الخلقيدونيةيونانية ولغات محليةمراكز رومية وأقاليم متعددةطبيعتان في شخص واحد
السريان الأرثوذكسسريانيةالشام والجزيرةتقليد غير خلقيدوني يؤكد وحدة المسيح
كنيسة المشرقسريانية شرقيةالعراق وفارس ومجالات أبعداتحاد اللاهوت والناسوت في صياغة سريانية خاصة
الغساسنةعربية وطقس سريانيبلاد الشامرعاية بارزة لغير الخلقيدونيين مع التحالف السياسي مع الروم
الحيرة وعبادهاعربية وسريانيةالعراقحضور مهم لكنيسة المشرق إلى جانب تنوع المجتمع
تغلب وجماعات عربية أخرىعربية وصلات سريانيةالجزيرة الفراتيةاستمرار مسيحية عربية لا تختزل كلها في انتساب مذهبي واحد

عاش العربي، في هذا المجال، مع أسئلة النبوة والكلمة والروح والكتاب. ومن هنا نفهم أن تصحيح العقيدة خاطب معرفة سابقة، وأن ألفاظ الوحي دخلت حياة دينية لها تاريخها. يشرح هذا الحضور موضع المخاطبين، وتبقى للخطاب القرآني دلالته التي نقابل بها ما عرفوه.

الحربُ الكبرى ٦٠٢-٦٢٨ وإنهاكُ الإمبراطوريّتَين

لم تكن الخريطة الدينيّة التي رسمناها في الصفحات السابقة لوحةً ساكنة، فقد تداخلت فيها صراعات الكنائس مع حروب الدول. ومن أبرز أمثلة هذا التداخل الحرب الكبرى بين الروم وفارس (٦٠٢-٦٢٨م)، التي امتدّت ستّاً وعشرين سنةً وتركت الإمبراطوريّتَين في إنهاك شديد. نعرضها هنا لنتبيّن كيف تؤثّر الحرب في حياة الجماعات الدينيّة وعلاقتها بالسلطة، وكيف يجتمع الانقسام العقديّ مع الضعف السياسيّ والعسكريّ في تشكيل أحوال الإقليم.

بدأت الشرارةُ سنة ٦٠٢م حين قُتل الإمبراطورُ الرومانيُّ موريق في انقلابٍ دمويّ نَصّب الجنديَّ فوقاسَ مكانه. فاتّخذ كسرى الثاني (پرويز) شاهنشاهُ فارسَ من مقتل حليفه ذريعةً للحرب، وغزا أملاكَ الروم في الشرق. وتَوالت الكوارثُ على الروم سريعاً: سَقطت أنطاكيةُ، ثمّ دمشقُ، حتى بَلغ الفرسُ ذروةَ الصدمة سنة ٦١٤م.

في سنة ٦١٤م أخذ جيش كسرى أورشليم، بمشاركة حلفاء محليين، ونهبها وحمل خشبة الصليب إلى قطيسفون على دجلة. وقد كان لفقد المدينة وأثرها المقدس وقع شديد في المسيحيين، ووصف الراهب أنطيوخس ستراتيغوس الكارثة في خبر بقي في رواية جورجية. ثم دخل الفرس مصر، وشاركوا الآفار سنة ٦٢٦م في حصار القسطنطينية. فأصبحت الحرب تهدد مراكز الإمبراطورية من أطراف متباعدة، وأخذت الجماعات الدينية تعيش أثرها المباشر.

وبدأ هرقل، الذي حكم بين ٦١٠ و٦٤١م، حملته المضادة سنة ٦٢٢م، فاتجه شمالاً عبر أرمينية وأذربيجان، ونقل القتال إلى أرض فارس. ثم انتصر قرب نينوى سنة ٦٢٧م، وتقدم نحو قطيسفون. وقُتل كسرى الثاني في انقلاب سنة ٦٢٨م، وأفضى الصلح إلى رد الأقاليم التي أخذتها فارس. واستعاد هرقل الشام ومصر، وأعاد الصليب إلى أورشليم نحو سنة ٦٣٠م. انتهت الحرب بانقلاب الموازين، بعد سنوات كادت تنهار فيها سلطة الروم في المشرق.

أنهكت الحرب القوتين وأثقلت أقاليمهما، وكانت من شروط المشهد الذي دخلته الفتوح. لكن ولاءات السكان لم تكن موقفاً واحداً؛ اختلفت مصالح الجماعات واستجابات المدن والحكام. نضع الإنهاك والصراع الديني ضمن أسباب التحول، دون أن نجعل كل سكان المشرق قد تخلوا سلفاً عن السلطتين أو انتظروا تغيير الحكم بالطريقة نفسها.

وفي الربط التفسيريّ المتداول لهذه الحرب بالنصّ القرآنيّ، يُستشهد بفاتحة سورة الروم:

﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ ۚ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾(الروم ١-٤)

في هذا الربط التفسيريّ، تُقرأ هزيمة الروم وغلبتهم اللاحقة على خلفيّة صراعهم مع الفرس، وتُربط «أدنى الأرض» بميدان الحرب في الشام وفلسطين. والآيات نفسها لا تسمّي هرقل أو كسرى، ولا تذكر سنةً بعينها؛ فتعيين الوقائع والتواريخ يأتي من قراءة أخبار الحرب إلى جانب النصّ. أمّا ما يظهر في الخطاب مباشرةً فهو حضور أخبار الروم والحرب والغلبة في عالم المخاطَبين، واتصالُ رجائهم الدينيّ بما يقع حولهم.

يجمع هذا التاريخ بين الصراع الكنسي وحياة الدول. وفي القراءة التفسيرية لآيات الروم يظهر اتصال رجاء المؤمنين بأخبار العالم الذي يعيشون فيه؛ فالعرب جزء منه، يعرفون حروبه وتحولاته. ثم نرى كيف تضعف السلطة الحامية لمذهب أو تقوى، فيتغير معها وضع الجماعات. وفي هذا المحيط نفهم الدعوة إلى التوحيد إصلاحاً يمس حياة الناس ودينهم. هذا هو المراد بالأرض المهيأة: مجتمع يعرف السؤال الديني ويعيش آثاره، فيجد في خطاب الإصلاح جواباً لأزمة حاضرة.


الفصل ١٨ ـ الطريق الحي: من الحكمة إلى التصوف

لا يُحفظ الدين في الكتاب والمؤسسة وحدهما؛ يحفظه أيضاً إنسان يتعلم من إنسان كيف ينظر إلى نفسه ويهذب إرادته ويعرف ربه. ومن هذه العلاقة يبدأ هذا الفصل. نرى في تقاليد متباعدة معلماً وتلميذاً، وخلوةً وذكراً، وأدباً يسبق ادعاء المعرفة. ويقترح الكتاب أن وراء جانب من هذا التشابه ميراثاً واحداً انتشرت رواياته وطرقه مع حركة المسيح وأتباعه. نبحث هذا الميراث في الممارسة كما بحثناه في الأسماء والسير.

ملامح متقاربة في طرق التربية

السِمةالصوفيّةالبوذيّةالطاويّةالرَهبَنة المَسيحيّة
سِلسلة الشَيخ-المُريدشَيخ-مُريد، بَيعة، silsilakalyāṇa-mitra، ācārya، paramparāshīfu-túdì (師父-徒弟) (شي فو — تو دي)، نَذر، zōngpài (宗派) (تسونغ پاي)أَبّا-تِلميذ، نَذر طاعة
الذِكر التَأَمُّليّالذِكر، المُراقَبة، الفِكرsamatha، vipassanā، buddhānusmṛti (念佛 (نيان فو) niànfó / Nembutsu)zuòwàng (坐忘) (تسوو وانغ)، shǒu yī (守一) (شو يي)، xīn-zhāi (心齋) (شين تشاي)صَلاة يَسوع، hesychia، theoria
فَناء النَفس ثُمّ البَقاءالفَناء ← البَقاءanatta-realization ← bodhi / tathatā喪我 (سانغ وو) sàng-wǒ ← 真人 (تشن رِن) zhēn-rénkenosis ← theosis
الخَلوةالخَلوة (٤٠ يَوماً)vassa (٣ أَشهُر)، sesshin (٧ أيّام)صَومَعة الجَبَل (山居 (شان جيو) shānjū)آباء الصَحراء، الآثوسيّون
تَقديم الأَدَب الأَخلاقيّالآدابsīla (الفَضائل الخَمس)戒律 (جيه ليو) jiè-lǜ (مِئةٌ وثَمانونَ وَصيّةً لِلاوجُن، 老君說一百八十戒 (لاو جون شوو يي باي با شي جيه) lǎojūn shuō yībǎi bāshí jiè)طاعة، عَفاف، فَقر
تَقدير الذَوق المُباشَرالمَعرفة، الذَوقprajñā، paññāzhī (知) (تشي)، míng (明) (مينغ)theoria، gnosis
هَرَميّة الواصِلينالقُطب، الأَبدال، الأَوتادdaśa-bhūmi (العَشر مَراتب)، Mahāsiddhazhēn-rén (真人) (تشن رِن)، xiān (仙) (شيان)staretz، geron
التَلقين خارج النَصّالسِرّ، الأويسيّةkyōge betsuden (教外別傳) (كيوغي بِتسودِن)، ishin denshin (以心傳心) (إيشين دِنشين)心傳 (شين تشوان) xīn-chuán (نَقل القَلب)التَقليدُ غيرُ المَكتوب (ἄγραφος παράδοσις (أَگرافوس پارادوسيس)، أغرافوس بارادوسِس)
الرِداء والعَلامةالخِرقة، السُبحةkāṣāya، mālādàopáo (道袍) (داو پاو)، 念珠 (نيان تشو) niàn-zhūالجُبّة، komboskini
الموسيقى والشِعرالسَماع، الروميالتَرتيل، Hánshān (寒山) (هان شان)كِتاب الطاو نَفسه، Lǐ Bái (李白) (لي باي)التَرتيل البيزَنطيّ، رومانوس المُرَنِّم (Ῥωμανὸς ὁ Μελῳδός (رومانوس هو مِلُودوس)، رومانوس المِلودوس)

تجمع هذه الممارسات طرائق متقاربة لتربية الإنسان، ثم يفسر كل تقليد غايتها بلغته. فعدم الذات عند البوذي يحتاج أن يقارن بالفناء عند الصوفي في معناه، والتأله المسيحي يفهم من جهة المشاركة بالنعمة كما يشرحها أصحابه. وحين نقرأ هذا التفصيل يتضح موضع القرابة، ويصبح تتبع تاريخها أيسر.

للتَعَمُّق الأَكاديميّ في المُقابَلة: توشيهيكو إيزوتسو، Sufism and Taoism: A Comparative Study of Key Philosophical Concepts (١٩٨٤) ـ المَرجِع الكلاسيكيّ في مُقابَلة ابن عَرَبيّ بزَنغ-تزو. ورِضا شاه-كاظمي، Paths to Transcendence: According to Shankara, Ibn Arabi, and Meister Eckhart (٢٠٠٦). وهنري كوربان، Creative Imagination in the Sufism of Ibn Arabi (١٩٦٩) في التَلاقي الصوفيّ-الإيرانيّ. ومُحَمَّد لِگنهاوزن، Islam and Religious Pluralism (٢٠٠٦) لِلمَنظور الفَلسَفيّ. ومن جِهَة المَنظور الكَنَسيّ، Kallistos Ware، The Inner Kingdom (٢٠٠٠) في الهيسيكاسم وتَلاقياته الشَرقيّة.

الذكر والخلوة: كيف ينتقل العلم إلى تجربة؟

يتكرر الاسم أو الدعاء في الذكر الصوفي وفي صلاة يسوع عند الهدوئيين، ويقترن أحياناً بالنفَس وانتباه القلب. والمقصد القريب في الممارستين جمع النفس وطلب الحضور، ثم تتفاوت العبارات والتفسيرات العقدية. نرى في هذه القرابة أثراً يستحق تتبع طرق انتقاله، ونسأل عمن حمل هذه الخبرة بين الجماعات وكيف صاغها أهل كل طريق.

وتؤدي الخلوة وظيفة قريبة: يبتعد المتعلم زمناً عن الشواغل لتصير معرفته تجربة يعيشها. نجد للأربعين حضوراً في خبر موسى وبعض الأصوام والخلوات، ونجد في تقاليد أخرى سبعة أسابيع، أي تسعة وأربعين يوماً، أو ثلاثة أشهر. تختلف المدة، وتلتقي الوظيفة في تدريب الانتباه وتهذيب الإرادة.

أهل الصفة وصحبة المعلم

وفي أهل الصفة نرى صورة مبكرة للتلقي في صحبة النبي ﷺ: إقامة بجوار المسجد، وتعلم، وقرب، وافتقار. تغير أفراد الجماعة وعددهم، وبقي في خبرها معنى التربية بالمجالسة والقدوة. ومن هنا نفهم موضعها في الذاكرة الصوفية، قبل أن تستقر أسماء الطرق ومؤسساتها. ونقارن هذه الصلة بالمعلم بما تحفظه تقاليد أخرى من سلاسل التلقي:

  • سِلسلَة السانغا البوذيّة الراجِعة عَبر البَطارِكة إلى بوذا
  • سِلسلَة الطُرُق الطاويّة الراجِعة عَبر البَطارِكة إلى لاوتزو
  • سِلسلَة الرَهبَنة المَسيحيّة الراجِعة عَبر آباء الصَحراء إلى الدائرة الأَوّليّة حَول المسيح

بهذا نفهم التصوف استمراراً لطريق التزكية والمعرفة في الرسالة، لا اختراعاً بدأ حين استقرت أسماء الطرق. وللقرآن معجمه في الصراط والسبيل والهدى والتطهير والمنهاج؛ ومن هذا المعجم استمد السالكون لغة تجربتهم، وإن صاغوا لاحقاً مصطلحات أكثر تخصصاً.

شَبَكةُ الأَلفاظ: الصُفّة، الصوفيّ، الصَفا، السوفيا، كيفا

وتلتقي حول هذا الطريق أسماء الصفة والصفاء والصوفي، ويجاورها في المقارنة لفظ «سوفيا». نفهم الفلسفة في صورتها الأولى محبة للحكمة ولحملتها، تتصل فيها المعرفة بتهذيب الحياة. ومن هنا تبدأ المقارنة المعنوية، ثم نتتبع على حدة ما يمكن معرفته من صلات الألفاظ وأصولها.

حفظ أبو نصر السراج في «اللمع»، والقشيري في «الرسالة»، والكلاباذي في «التعرف» مناقشات اشتقاق اسم الصوفي: من الصوف الذي يلبسه الزاهد، أو الصفاء الذي يطلبه القلب، أو الصفة التي عرفت بصحبة النبي، أو الصف الأول بين يدي الله. تختلف وجوه الاشتقاق، لكنها تستحضر صورة متقاربة لحياة التجرد والتلقي. وكأن تفسير الاسم عاد، في كل مرة، إلى جانب من واقع أهله.

ونجد «شمعون الصفا» في بعض التراث العربي، بما يحمله من معنى الصخرة الذي يقابله كيفا الآرامي وبطرس اليوناني. نقرأ مكانته في ذاكرة التلاميذ إلى جانب مكانة يعقوب في جماعة أورشليم. أما تقارب «الصفا» و«الصفة» فيلفت النظر إلى حقل الأسماء والمعاني، ثم تبقى صلة كل منهما بتاريخ الطريق موضوعاً يحتاج إلى أخباره.

وتحفظ أخبار فيثاغورس بدورها صورة جماعة تتعلم وتمارس الفضائل وتلتزم قواعد للعيش. وقد وصل كثير من التفاصيل في سير لاحقة، ومنها خبر اختياره وصف محب الحكمة. نستحضر هذه الصورة لأنها تجمع المعرفة بالممارسة والصحبة، وهي العناصر التي نبحث استمرارها. ونصفها بما تقوله أخبارها، ثم نقارنها بنظام التلقي الذي عرف لاحقاً في الطرق الصوفية.

السوفيا والصفاء: سؤال اللفظ والمعنى

  • ἄλφα (ألفا) (أَلِف، حَرف الأَبجَديّة) ← الكَنعانيّة ʾāleph
  • χρυσός (خريسوس) (الذَهَب) ← الأَكَّديّة ḫurāṣu
  • κάμηλος (كاميلوس) (الجَمَل) ← السامِيّ gamāl
  • σάκκος (ساكّوس) (الكيس) ← السامِيّ śaq
  • μύρρα (ميرّا) (المُرّ) ← السامِيّ murr
  • σήσαμον (سيسامون) (السِمسِم) ← الأَكَّديّة šamaššammū
  • κιννάμωμον (كينّامومون) (القِرفة) ← السامِيّ

تكشف هذه الألفاظ عن اتصال قديم بين اليونانية وألسن الشرق. وفي ضوء هذا الاتصال نبحث احتمال صلة «سوفيا» بلفظ سامي، ونسأل عن صورته الأقدم وعن الطريق الصوتي الذي يفسر انتقاله. فالشواهد المعروفة تفتح مجال السؤال، ولكل كلمة بعد ذلك مادتها.

نصل طلب الحكمة بالصفاء والتطهير، ونرى في الحركة الفلسفية وجهاً دينياً لا ينبغي أن يحجبه تصنيفها المتأخر. وتفيد أخبار فيثاغورس وصلاته بالشرق في هذا النظر، مع معرفة المسافة الزمنية بين حياته والسير التي نقلت رحلاته. ثم نتتبع مواضع التعليم في الأناضول والشام والعراق ومصر، لنرى تاريخ الحكمة في مجاله الواسع، وراء حدود اليونان الحديثة.

ولهذا تعود حران إلى المقارنة: مدينة عرفناها في سيرة نبونيد، ثم مركز لفلسفة الصابئة وعلومهم. ونجد في السياق المسيحي اسم آيا صوفيا، أي الحكمة المقدسة. تجمع هذه المواضع سؤال الحكمة في المعبد والمدرسة والكنيسة، وتدعونا إلى تتبع ما وصل بينها من تعليم. أما الصلات الاشتقاقية بين سوفيا وسين والصفاء فتظل بحثاً في الألفاظ له شواهده الخاصة.

ويمكن جمع الأسماء التي تدور عليها المقارنة على هذا الوجه:

  • «سوفيا»: الحكمة في اليونانية؛ نبحث صلتها المعنوية بطريق التعلم والسلوك.
  • «الصُّفّة»: موضع في المسجد ارتبط بجماعة من الصحابة، وتستحضره الذاكرة الصوفية في صورة التجرد والتلقي.
  • «كيفا»: الصخرة في الآرامية؛ مقارنتها بالصفا معنوية وصوتية تحتاج إلى تمييز الأصلين.
  • «الصوفي» و«صفاء القلب»: نستحضر اتصال الطريق بثمرته، دون تحويل المناسبة إلى اشتقاق تاريخي محسوم.

نقرأ هذه الأسماء حول معان متصلة: صفاء القلب، وتلقي الحكمة، والصحبة، والسير إلى المعرفة. وكل صلة لغوية يتبين تاريخها تزيد الصورة وضوحاً، وتبقى الممارسة الروحية نفسها ميداناً للمقارنة بين أصحاب الألسن المختلفة.

ونعرف أهل الصفة من السيرة والحديث، ثم نقرأ حياتهم في ضوء التزكية والصحبة والهداية في القرآن. فيجتمع المعنى القرآني مع الخبر الذي حفظ صورة الجماعة، وإن لم يرد اسمها نفسه في التنزيل.

«الطريق» في تسمية الدعوة

وتتضح صلة المعرفة بالسلوك في كلمة اختيرت لوصف الدين نفسه: الطريق.

فالجَماعةُ الأولى مِن أتباع المَسيح لم تُسَمِّ نفسَها «مَسيحيّة». سَمَّت نفسَها «الطَريق» ـ ἡ ὁδός (هي هودوس) ـ وهو الاسمُ الأكثَرُ وُروداً لها في سِفر أعمال الرُسُل: يَرِد في الإصحاح التاسِع (٢)، وفي التاسِعَ عَشَرَ (٩ و٢٣)، وفي الثاني والعِشرين (٤)، وفي الرابع والعِشرين (١٤ و٢٢). أمّا لَفظُ «مَسيحيّ» فإنّما أُطلِقَ عليهم مِن خارِجهم في أنطاكيةَ (أعمال ١١: ٢٦)، ويُلاحِظ الدارِسون أنّ السِفرَ نفسَه يَمضي بَعد ذلك في تَسميتِهم بأسمائهم الأُولى ـ أي أنّ اللَقَبَ لَقَبُ الناسِ لهم، والاسمَ اسمُهم لأنفُسِهم.

وفي كل ركعة يسأل المسلم ربه: «اهدنا الصراط المستقيم». فالهداية سير له وجهة ودليل، وفيه منازل ومراحل. ومن هذه الصورة نفهم قرب لغة الطريق المسيحي من لغة السلوك الإسلامي: الدين عمل ينتقل به الإنسان من حال إلى حال.

ويَضُمّ القُرآنُ الطَريقَ إلى أهلِه في نَصٍّ جامِع: ففي سورة الشورى (١٣) أنّ ما وُصِّي به نوحٌ وإبراهيمُ وموسى وعيسى ومحمّدٌ ﷺ دينٌ واحد، وأنّ التَفَرُّقَ فيه مَنهيٌّ عنه بالنَصّ. فالطَريقُ واحدٌ في التَسميةِ وفي الأَصلِ مَعاً.

وعلى هذا الأساس نقرأ قول المسيح في يوحنا: «أنا هو الطريق». نحمله على مقام الدليل الذي يهدي الناس بسيرته وتعليمه، ونقارنه بقوله تعالى: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله» (آل عمران ٣١). ففي الاتباع وصول إلى معرفة الله ومحبته، ويكون المعلم دالاً على المقصد. وهذه هي القراءة النبوية التي نقدمها للعبارة، في مقابل حصر الغاية في ذات المعلم.

ويعود هنا التحول الذي وقفنا عنده في «ويدعوك: ابني»: ينتقل اللفظ من وصف الدعوة ومقام صاحبها إلى تقرير حقيقة مستقلة لذاته. فبعد أن كان المعلم يدل على الطريق، تصبح صورته هي الطريق والغاية معاً.

الرهبان والتواضع في الآية

وفي آية المودة يربط القرآن القرب من المؤمنين بصفات داخل الجماعة: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (المائدة ٨٢). فهي تذكر القسيسين والرهبان، وتقرن ذكرهم بانتفاء الاستكبار.

هذا التعليل يعين موضع المقارنة الذي نريده: أشخاص يعلمون ويتعبدون، وقلوب لا تستكبر عن الحق. ومن هنا ننظر إلى حياة الراهب والسالك، وإلى أثر التربية في قبول الهداية. ففي هذا الجانب من النصرانية نجد ما يضيء صلة الطريق بالدير.

ونقرأ في سورة الحديد (٢٧) أنهم ابتدعوا الرهبانية ابتغاء رضوان الله، ثم لم يرعوها حق رعايتها. ونفهم العتب متجهاً إلى التفريط فيما التزموه من طلب الرضوان. فالمسألة، في قراءتنا، وفاء الطريق بمقصده الروحي، وما يصيبه حين يبقى شكله ويضعف معناه.

والفُقَراء: اسمُ أهلِ الطَريق

ويظهر معنى الفقر في اسم الأبيونيين وفي تسمية السالك نفسه فقيراً، كما يرد في «الدرويش». نقارن هنا قيمة التجرد والافتقار، ولا نفترض أن اسم الأبيونيين كان اسم كل الجماعة المسيحية الأولى. فالمناسبة الروحية يمكن أن تتجاوز حدود الجماعة التي حملت اللفظ في عصر معين.

وتظهر القرابة في عمل متكرر يمارسه السالك. يذكر الصوفي حتى يألف القلب ما يردده اللسان، ويردد الراهب الشرقي صلاة قصيرة مع النفس في طلب السكون، أو «هسخيا» (ἡσυχία) (هيسيخيا). ويقول يوحنا السلمي: «ليكن ذكر يسوع حاضرا مع كل نفس». وفي كتابه ثلاثون درجة نقارنها بمقامات الطريق، كما نقارن الشيخ والمريد بالأب وتلميذه، والسند بالسند، والخرقة بالثوب. هذه تفاصيل حياة تتشابه فيها طرائق التربية، ثم يشرح كل تقليد معناها وغايتها.

لا تمحو قرابة الممارسة اختلاف العقائد، لكنها تدعونا إلى الإصغاء قبل الحكم. قد يفهم الصوفي لغة الراهب عن النور والحضور لأن عنده خبرة في نقل العبارة من الحس إلى المعنى. وهذا الإنصاف الذي نطلبه للنصوص القديمة يبدأ من تجربة بشرية حية: كيف يعبّر الإنسان عن قربه من الله دون أن يدعي الاستقلال عنه؟

النور السابق: شاهد أقدم من ابن عربي

لا تبدأ لغة النور المحمدي عند ابن عربي. ففي التفسير المنسوب إلى سهل التستري، المتوفى سنة ٢٨٣هـ، عند النجم ١٣، ذكر لنور سابق للخلق، ثم هذه العبارة القصيرة: «قام بالعبودية بين يديه». يجتمع في النص علو المرتبة والافتقار إلى الله، ويكون النور مخلوقاً مع هذا التقدم. فالسابقية التي يتحدث عنها أوسع من عمر النبي في الأرض، والعبودية باقية في صميم وصفها. (تفسير التستري، النجم ١٣؛ وترجمة أنابل وعلي كيلر، ص ٢١٣.)

ولنضع بإزائه كلاماً مسيحياً مبكراً. في الفصل ٦١ من «الحوار مع تريفون» يصف يوستينوس الكلمة بأنه صادر من الله قبل المخلوقات بإرادته، ويشرح ذلك بصورة نار توقد ناراً، فلا تنقص الأولى بإيقاد الثانية. ويسميه أيضاً الحكمة والابن، ويذكر طاعته لمشيئة الآب، ويطلق عليه اسم الله. هنا نفهم سبب اتساع المقارنة: حديث عن حقيقة سابقة للظهور البشري، متصلة بالمصدر الذي عنه جاءت. (الحوار، الفصل ٦١.)

ثم يظهر الفرق حين نتابع ألفاظ كل نص: التستري يجمع الخلق والعبودية، ويوستينوس يجمع التولد بإرادة الآب واسم الله؛ فلا تكفي السابقية وحدها لتفسير مذهبيهما. وكذلك لا يكفي نفي الاستقلال وحده، إذ يمكن أن يقول المتكلم بصدور الكلمة عن الله ثم يمنحها معنى في العبادة يختلف عما يمنحه الصوفي للنور. في هذه التفاصيل نرى أين تلتقي اللغة وأين يتغير معناها، ويصبح النقد أدق لأنه يصيب التحول الذي وقع فعلاً.

ويفتح يوستينوس نفسه باباً يتصل بعموم الهداية؛ ففي «الدفاع الأول» ٤٦ يجعل للبشر نصيباً في الكلمة، ويعد فيمن عاشوا على مقتضاها سقراط وهيراقليطس وإبراهيم وإيليا. فكلامه يحاول وصل الحكمة السابقة لظهور يسوع بمعنى مسيحي جامع. نلتقي معه في طلب وحدة المعرفة وراء تفرق الأسماء، ثم نختلف في حصر الحقيقة الجامعة في الهوية التي أقام عليها بناءه. وهكذا تصير المقارنة بين النور والكلمة قراءة لتاريخ فكرة حية، ولما اتسع بها من فهم الإنسان وما ضاق. (الدفاع الأول، الفصل ٤٦؛ وللغة العبادة فيه الفصل ٦.)

ومن هذا الشاهد يتغير السؤال الذي نوجهه إلى النص المسيحي. فالسابقية على الظهور البشري معنى عرفته لغة النور المحمدي أيضاً؛ ولهذا نبدأ بفهم المرتبة وصلتها بالله والإنسان. وفي هذا الأفق نرى الحركة العيسوية طريقاً إلى معرفة النور الذي ينتفع به البشر جميعاً، ونرى الرسالة الخاتمة إتماماً لهذا الفتح في المعرفة والأخلاق. ثم نقارن تفاصيل التصورين، ليتضح موضع القرابة وموضع التحول الذي ننقده.

المعنى الذي يحفظه التعليم والصحبة

تلتقي في هذا الفصل جهتان لوحدة الرسالة واستمرارها:

  • الوَجه العَقَديّ: مَبدَأ المُصَدِّق ـ كلُّ نَبيٍّ يُصَدِّق ما قَبله، والقُرآن مُصَدِّقٌ لِما بَين يَدَيه ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.
  • الوَجه المُؤَسَّسيّ: التَنَظُّم الطَريقيّ ـ حِفظُ التَزكية والتَلَقّي في سِلسِلةٍ شَيخ-مُريد، حَيّةٍ عَبر الحَضارات الأَربع إلى يَومنا.

تقترح هاتان الجهتان أن وحدة الرسالة لا تحفظها الألفاظ وحدها، بل أيضاً طرائق التربية التي تعيد الإنسان إلى معناها. وقد ينجو الشكل ويضعف المضمون، أو يبقى المضمون ويظهر في تنظيم جديد. لذلك نبحث عن آثار الحفظ والتحول معاً؛ فلا تمنح الخرقة أو السلسلة وحدها حصانة من الخطأ.

بقاء الطريق مع تغير المؤسسات

ونرى صوراً من هذا البقاء في مجالات دينية متباعدة:

  • في جماعات البرية ظهرت طرائق للنسك والطهارة والتعليم خارج المؤسسات الغالبة.
  • وفي المسيحية نشأت الرهبنة قبل نيقية واستمرت بعدها، فتفاعلت مع الدولة أحياناً وابتعدت عنها أحياناً.
  • وفي تقاليد آسيا تعددت مدارس التأمل ونقل الحكمة، وتغيرت صلتها بالممالك والمؤسسات.
  • وفي الإسلام ظلت الصحبة والتزكية والتلقي روافد حية، ثم اتخذت أسماء الطرق وأشكالها المعروفة.

وفي هذا الموضع نضع نقدنا لتقنين الدين في أجهزة الحكم، ومنه ما فعلته الدولة العباسية في تضييق المعنى الروحي وحصره في الشكل والطاعة والتفسير المقرر. وقد عاش في العصر العباسي نفسه متصوفة وأهل معرفة، وكتبت فيه كتب الحكمة؛ فالصراع الذي نقصده يدور داخل فهم الدين. أيقود الإنسان إلى المعرفة والمسؤولية والرحمة، أم يحبسه في صورة جامدة من العبادة لا يرى ما وراءها؟ واستمرار أهل الطريق يكشف أن الصراع لم يحسمه جهاز الدولة وحده.

نجد الشيخ والمريد والذكر والخلوة في مواطن متباعدة، ثم نضم إلى هذا الحضور ما تحفظه الأخبار من رحلات وأسماء وأماكن. ومن اجتماعها نقترح المنبع العيسوي لهذه القرابة، ونتتبع ما طرأ على المعاني في طرق انتشارها.

في هذا الأفق نقرأ بوذا ولاوتسو وزرادشت صوراً لسيرة المسيح نفسه في روايات ثقافات مختلفة. وقد تكون بعض تلك الروايات قد جمعت خبر المعلم بأخبار حاملي طريقه؛ فلا يتوقف تصورنا على أنه زار كل بلد بنفسه. الذي نراه هو نور هداية واحد اتسعت دوائره، واستمر طلبه في أهل السلوك. ومن هنا ننتقل إلى الدجال: كيف ينحرف فهم هذا النور، وكيف يحجب الناس عن الأصل الذي جاء لينير حياتهم؟

الفصل ١٩ ـ الدجال في الذاكرتين: قراءة في الفتنة وضد المسيح

بعد تتبع السيرة والجماعات التي حملتها في الفصول الرابع إلى الثامن عشر، ننتقل إلى المعنى الذي نعطيه للدجال. تتصل به أربعة فصول: نبدأ هنا بذاكرة الفتنة و«ضد المسيح»، ثم نبسط صورتها العقدية في الفصل العشرين، وأثرها الحضاري في الحادي والعشرين، وصلتها بالصورة الدينية في الثاني والعشرين.

المسيح الدجال: الشهادة المعكوسة

تسمي الروايات الدجال «المسيح»، وتصف انتقاله في الأرض وأياماً له يكون أحدها كسنة وآخر كشهر وآخر كجمعة. ونقرأ في اشتراك الاسم معنى الفتنة: قد يحاكي الزيفُ صورةَ الحق، ويجوب الأرض حاملاً ما يشبهها ويغير وجهتها. من هنا جاءت مقابلتنا بين «المسيح» و«المسيخ»؛ فالنقطة الصغيرة في الرسم، كما بسطها جدول الفصل الثالث، تصور بلاغيا ما قد يحدث للمعنى من تحول كبير. أما طريق التحول في التاريخ، فقد يكون عملاً مقصوداً أو تراكم روايات وتأويلات عبر أجيال، وهو ما تتبعه فصول الكتاب.

الفتنة العقدية وصورها

تحفظ كتب الحديث أوصافاً حسية واضحة للدجال: أعور العين اليمنى (البخاري ٧٤٠٧، مسلم ٢٩٣٣)، أجعد الشعر، وبين عينيه «كافر» يقرؤه المؤمن (البخاري ٧١٣١، مسلم ٢٩٣٣). وفي حديث النواس بن سمعان يخرج «من خلة بين الشام والعراق»، ويمكث أربعين يوماً (مسلم ٢٩٣٧). هذه هي مادة القراءة، ومنها فهم الموروث شخصاً يظهر آخر الزمان. ونقرأ نحن صورها في معنى فتنة عقدية وحضارية عاشها الناس، ونبحث عن الصلة التي تجمع دلالاتها.

الدجال عندنا اسم لأزمة عاشها المؤمنون بالمسيح. رأوا الصيغة المدعومة من الإمبراطور تحل محل ما عرفوه من دينهم، ثم يصبح قبولها شرطاً للاعتراف بإيمانهم. فتبدلت العبارة والهوية، وصار للتبديل سلطان يفرضه. في هذه التجربة نضع معنى الفتنة: عقيدة حملت اسم يسوع بعد وفاته، وأزمة دينية وسياسية اتسعت آثارها في حياة الناس.

لم يكن هذا الاسم أصلاً في رسالة المسيح، ولا اسماً اختارته الكنيسة لنفسها؛ نفهمه تعبيراً عن معاناة من رأوا الرسالة تتغير. ونصل الأزمة خاصة بإحلال صورة يسوع الناصري محل عيسى ابن مريم، وتأليه الصورة وإسنادها بسلطان الدولة. فالسؤال في حياة هؤلاء يمس ما يعبدون وما يجبرون على قبوله، لا مجرد خلاف في الألفاظ.

وعلى هذا نقرأ العلامة التي «يقرؤها كل مؤمن، كاتب وغير كاتب» (البخاري ٧١٣١، مسلم ٢٩٣٣). إنها، في تأويلنا، بصيرة تتعرف إلى التحريف ولو أحاطت به هيبة السلطة والقداسة. فقد يعرف القلب موضع الخلل قبل أن يعرف صاحبه قراءة الحروف.

العور: العمى عن الحقيقة

يتصل العور في العربية ومعاني مقابلاته في العبرية עָוֵר (عَوِير) والسريانية ܥܘܝܪܐ (عْويرا) بالعمى والنقص. ويمكن أن ينتقل اللفظ من وصف الجسد إلى وصف الإدراك. ونقرأ اليمنى بما تحمله في اللسان والثقافة من يمن وبركة، فيصبح عورها، في الصورة الرمزية التي نتبعها، انقطاعاً عن رؤية الحق والخير ومصدر النور.

ترى هذه العين الواحدة المادة والربح والقوة، ويغيب عنها ما يمنحها وجهتها من روح ومعنى. ونجد في نقد محمد أسد للحضارة الحديثة في «الطريق إلى مكة» صورة قريبة: تقدم في الصناعة والقدرة، يصحبه افتقار إلى معرفة حاجة الإنسان الروحية. ولهذا وجد قراء في وصفه ما يعين على فهم الدجال من جهة الاختلال في النظر، لا من جهة ضعف القدرة.

قراءة صور الحديث

نضع جهة الخروج «بين الشام والعراق» في حديث النواس إلى جانب ما مر من انتقال المعاني والصراعات في المشرق. والخلة موضع أو طريق بين الجهتين؛ ومن هذه الجغرافيا نستخلص صورة الفجوة التي اتسع فيها الخلاف الديني والحضاري. هذا هو تأويلنا للمكان في ضوء التاريخ الذي عرضناه.

وحين يقول الحديث الشريف: «معه جنّة ونار، فناره جنّة وجنّته نار» (وهو في صحيح مسلم أيضاً)، تبرز السمة الأساسية للدجّال: المقلوب التام. ففي القراءة التي نتبعها، يستر وعدُ الرفاه والسلطان فتنةً حين يجعل الاستهلاك غاية الإنسان ويشتري راحته باستعباد قلبه. وقد يبدو الالتزام بالحق وتزكية النفس تضييقاً، مع أنه يفتح سكينة القلب وحرية الروح. والرفاه وتيسير الحياة من الخير حين يخدمان الإنسان ويحفظان كرامته؛ إنما يقع القلب حين تُطلب بهما سعادةٌ مستغنية عن الله. ومن هذا الباب يقرأ الكتاب الصورة المؤلَّهة التي رُكّبت على اسم يسوع: بناءً قُدّم بوصفه تمام الإيمان، وحُجب به المعنى الذي نحاول استعادته.

ويرد في حديث النواس بن سمعان وصف الأربعين يوماً، أحدها كسنة وآخر كشهر وآخر كجمعة (مسلم ٢٩٣٧). قرأ عمران حسين هذه الصورة ضمن مراحل تاريخية لتأثير الدجال، وله تعييناته الخاصة التي لا نتبناها جميعاً. والذي يستوقفنا هو إمكان قراءة الزمن في الصورة بوصفه اختلافاً في الامتداد والأثر؛ ثم نسأل نحن عن صلته باتساع القدرة وسرعة وصول المعرفة.

وتفاوت الأيام يتيح لنا تصور تفاوت امتداد الفتنة وأثرها. أما وصل كل مدة بدولة أو قرن معين فهو اجتهاد في التطبيق، لا تقويم تتحدد به مراحل التاريخ حسابياً.

نرى في هذا المسار سلطة الكنيسة والإمبراطورية، ثم صور الاستعمار والهيمنة الحديثة، وقد تتداخل مراحلها. والذي يتغير هو وسائل الإقناع والإخضاع وانتشارها، حتى تصبح جزءاً من مألوف الحياة. عندئذ يصعب أن يرى الإنسان في ما ورثه صورة قابلة للسؤال؛ فقد ألفها حتى حسبها الحقيقة نفسها.

ومن هنا نفهم «وسائر أيامه كأيامكم»: تبلغ الفتنة درجة من الألفة يضعف معها الانتباه إلى ما تغير في الدين والمعايير. ويكون امتدادها تاريخاً لعقيدة تدخل حياة الناس ومؤسساتهم، ويحملها أفراد تتبدل أسماؤهم. فهؤلاء أصحاب أدوار في الفتنة؛ أما اسم الدجال في تفسيرنا فيدل على البناء الذي يتكرر بهم، لا على واحد منتظر يختم مراحلهم.

بل قد يصدق حامل الفكرة أنه يخدم الحق، بعدما غدت الفتنة أمراً مألوفاً. وهنا يصعب كشفها: لم تعد شيئاً غريباً يستنكره الناس، وإنما أصبحت المعيار الذي ينظرون به إلى غيرها.

«شبه لهم»: انتقال الخبر والهوية

وفي قوله تعالى «وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم» (النساء ١٥٧) نضع مفتاح قراءتنا لاختلاط الهوية. جاء «شبه» مبنياً للمجهول، فلفت نظرنا إلى الالتباس الذي وقع لهم. ونراه، في ضوء المقارنات السابقة، أثراً لتراكم في الرواية والذاكرة؛ تختلف أدوار ناقليه، وتتجمع الأخبار حتى تنسب إلى شخصية غير صاحبها الأول.

يدور ش–ب–ه حول المماثلة والالتباس: يرى الإنسان هذا فيحسبه ذاك. ونقرأ هذا المعنى في انتقال السيرة، حين تنطبق صورة المعلم القديم على رجل لاحق في وعي السامعين، ثم تستقر المطابقة في الخبر والعقيدة. وقد يبقى الأصل بعد ذلك غريباً على الذاكرة التي حملت تعليمه.

وقد صورنا هذا التحول بالمقابلة الأدبية بين الحاء والخاء في المسيح والمسيخ. ففرق الرسم قليل، وفرق المعنى كبير. ونستحضر الصورة هنا لنقرب ما حدث، في تصورنا، بين عيسى النبي وبين الصورة المؤلهة المنسوبة إلى يسوع: تقاربت الأسماء والصفات والرموز، ثم حمل التقارب تحولاً في هوية صاحب الرسالة ومقامه.

على هذا نفهم ﴿شبه لهم﴾ اختلاطاً في الهوية والخبر: نُسبت وقائع يسوع إلى عيسى، واكتسبت سيرة الرجل اللاحق أخبار النبي الأقدم. لا يفرض البناء للمجهول وحده هذا التفسير أو يحدد مدته؛ إنما يفتح النص سؤال الالتباس، ويقترح الكتاب جوابه من مجموع المقارنات. أما الحاء والخاء في عنواننا فتصوران الفرق بلاغياً بين الأصل والمسخ، ولا تفسران تاريخ انتقال الرواية بحادثة لغوية واحدة.

مريم والمرّ: رمزٌ مشروعٌ في سرديّةٍ مقلوبة

ومن المقارنات الرمزية التي طرحناها صلة مريم بالمر ودهن المسحة. نتأمل بها حقل التكريس والكهنوت والاسم؛ ولا نعتمدها اشتقاقاً محسوماً لاسم مريم، الذي تتعدد المقترحات في أصله. تبقى صلتها بعيسى صلة الأم والنسب والاصطفاء قبل أي قراءة رمزية للاسم.

وتتغير وظيفة المسح حين نقرأه في سياق آلام يسوع. ففي يوحنا ١٢: ٣ تمسح مريم أخت لعازر قدميه بالطيب، وهي غير مريم المجدلية التي اختلطت صورتها بها في تقاليد غربية منذ القرن السادس. ثم يدخل الطيب في خبر تجهيز الجسد للدفن. نرى هنا كيف تحضر مادة التكريس القديمة داخل قصة الموت، وكيف ربط التفسير البولسي والنيقاوي معانيها لاحقاً بالفداء والصلب. فقد انتقل الرمز إلى مركز تفسيري جديد عبر أجيال من القراءة.

وهذا ما نريد تتبعه في المسح والمسيح ومريم والمر والنازير: ألفاظ ورموز لها تاريخ سامي، تدخل نصوصاً جديدة ثم يعاد شرحها في ضوء عقيدة أخرى. وبمقارنة السياقات يظهر لنا ما بقي من الرمز وما تغير في وظيفته.

«ضد المسيح» في النصوص المسيحية

تفتح عبارة «الأنتي-كرايست» (ἀντίχριστος) (أنتيخريستوس)، أي «ضد المسيح»، جانباً آخر للمقارنة. ففي رسائل يوحنا نزاع على هوية المسيح، وفي نصوص أخرى، منها الرؤيا، صور للتضليل وادعاء المقام الإلهي. نقرأ كل صورة في سياقها، ثم نقابلها بالميزان القرآني. ومن اجتماعها نسأل عن إمكان أن تحل صورة مصنوعة محل الأصل، مع معرفة أن لكل كاتب موقفه وتعيينه لمن يعارضه.

الفتنة والهوية في الشواهد

تصف الرسالة الثانية إلى التسالونيكيين (٢: ٣–٤) «إنسان الإثم» بأنه يرتفع ويظهر نفسه إلهاً في هيكل الله. لا تستعمل الفقرة لفظ «أنتي كرايست»، وإن جمعت تقاليد تفسيرية لاحقة بين الصورتين. ونقرأها نحن وصفاً قابلاً للمقارنة مع جعل المخلوق مركز العبادة داخل المؤسسة المقدسة. تعيين البناء النيقاوي مصداقاً لها هو تطبيق الكتاب، لا اسم مذكور في الرسالة.

وتقول يوحنا الأولى (٢: ٢٢): «الكذاب الذي ينكر أن يسوع هو المسيح». يدافع الكاتب هنا عن مطابقة يسوع بالمسيح، ويجعل رفضها حداً فاصلاً في الإيمان. وهذا هو وجه الشهادة الذي يعنينا: كانت المطابقة نفسها موضوع نزاع. ثم نعود إلى سؤالنا التاريخي: أهو يسوع الناصري صاحب الأخبار كلها، أم اجتمعت فيه أخبار عيسى الأقدم؟ إذا صحت المقارنات التي عرضناها، كان إحلال الصورة اللاحقة محل النبي، ثم تأليهها، من وجوه التشبيه الذي نقرأه. فالرسالة تحفظ موقفاً من النزاع، وبحثنا يفحص المطابقة التي يدافع عنها ذلك الموقف؛ أما معرفة الخصوم بنبونيد فلا تقولها العبارة، ونبحثها ضمن المادة الأوسع.

وفي سفر الرؤيا صور الوحش والمرأة وبابل والجبال السبعة، التي تفتح المقارنة بروما وعلاقة العبادة بالإمبراطورية. ثم نصل نحن هذا النمط بتاريخ الكنيسة الإمبراطورية اللاحق: سلطة تستمد من المقدس حرمة تحميها. فالرؤيا أسبق من نيقية، والربط بالمجمع تطبيق نقترحه لمعنى الصورة، لا اسم ورد فيها.

وترد في الرؤيا علامة على أتباع الوحش، على اليد أو الجبهة، بينما تذكر روايات الدجال كتابة بين عينيه هو. نلتفت إلى حضور العلامة في الصورتين، مع اختلاف حاملها ووظيفتها. هذا تشابه في لغة تمييز الفتنة، لا تطابق حرفي في كل تفاصيل المشهد.

ويقول يوحنا أيضاً إنه «قد صار الآن أضداد للمسيح كثيرون» (٢: ١٨)، إلى جانب ما سمعه المخاطبون عن مجيء ضد المسيح. فالخصومة في خطابه حاضرة ومتعددة، وهذه جهة تفيدنا في فهم الفتنة بما يتجاوز الفرد. ثم نعين نحن الأزمة الكنسية اللاحقة ضمن قراءتنا لمعاناة المؤمنين وتاريخ التحريف. هكذا يجتمع الشاهد مع تفسيرنا، ويبقى لكل منهما موضعه: النزاع المتعدد في الرسالة، والعقيدة المفروضة في أطروحة الكتاب.

حين يعود التحذير إلى المؤسسة نفسها

بقيت هذه النصوص متداولة في العهد الجديد، واختلف المسيحيون في تفسيرها، واستعملها بعضهم في نقد مؤسسات كنسية أخرى. ونوجه السؤال هنا إلى كل مؤسسة تقرؤها: هل يمكن أن يظهر فيها نمط الفتنة التي تحذر منها؟ فالمعيار يصبح أعمق أثراً حين يعود به القارئ إلى نفسه وما ينتسب إليه.

بهذا تتسع المقارنة بين الأخبار المسيحية والإسلامية: تضليل يلبس المقدس، وسلطة تحميه، وعلامات يتعرف إليها المؤمن. تختلف تعيينات النصوص، ويجمعها الكتاب ليتتبع تاريخ الصورة المسيحية. ومن ألفاظ الشواهد يبدأ الحوار في هذه القراءة.

المفكرون الإسلاميون والفهم العقلاني

وللقراءة الفكرية للفتنة سوابق في الكتابة الإسلامية الحديثة. فقد دعا محمد عبده ورشيد رضا إلى النظر العقلي في فهم الموروث. وربط سعيد أيوب في «المسيح الدجال» (1987) التحول البولسي بتاريخ الفتنة وتغير صورة المسيح. ونستفيد كذلك من نقد عبد الوهاب المسيري للمادية حين نقارن حضارة تعظم الربح والقوة بصورة العين التي لا ترى إلا وجهاً من الوجود. نلتقي بهذه القراءات في السؤال، ثم نقدم بناءنا الخاص عن هوية المسيح ومعنى التحريف.

كتب الفتن واتساع المشهد

جمع نعيم بن حماد، المتوفى سنة ٢٢٨هـ، روايات واسعة في «الفتن»، وسبق وفاة البخاري ومسلم. نقرأ هذا الكتاب إلى جانب الصحيحين من جهة اختلاف نوع الجمع ومادته، وما يحفظه من صور دينية وسياسية. فتاريخ الكتب وموضوعاتها أكثر تنوعاً من خط يبدأ بخبر موجز ثم يتوسع بمرور الزمن وحده.

وتضم روايات صحيح مسلم نفسها وصفاً مطولاً، كما في حديث النواس بن سمعان. من هذه المادة الحسية ننطلق إلى القراءة الرمزية، ونسأل عن المعنى الذي يصل أجزاء الصورة بعضها ببعض.

ثم نسأل عما يحدث إذا انصرف النظر كله إلى حادثة مؤجلة. فقد يغيب عن المؤمن ما يعيش فيه من عقيدة مفروضة وسلطة تحميها، ويؤجل مقاومة التحريف إلى مستقبل بعيد. ولهذا نختار تفسير الدجال بالأزمة العقدية نفسها، مع عرض القراءة الشخصية المعروفة في الموروث. وتبقى مسؤولية البناء اللاحق على حامليه، منفصلة عن يسوع الذي نراه رجلاً صالحاً.

تعدد أخبار المصلوب وسؤال التشبيه

وتفسيرُ الطبريّ، ذلك المفسّر الكبير، يذكر عدّةَ احتمالاتٍ ورواياتٍ لهويّة المصلوب: تلميذٌ تطوّع من تلاميذ المسيح فأُلقي عليه الشَّبَه، أو يهوذا الإسخريوطيّ الخائن تحوّلت صورته، أو غَيرُهما ممّا تَناقَلَته الرِوايات. وليست فِكرةُ الإبدال حِكراً على التَفسير الإسلاميّ: فقد نَقَل إيريناوس (ضدّ الهَرطَقات ١: ٢٤: ٤) عن باسيليدس القَولَ بأنّ سَمعانَ القَيروانيَّ هو الذي صُلِب مَكانَه ـ وهو شاهِدٌ مَسيحيٌّ من القَرن الثاني على المِحوَر نَفسِه.

يكشف اختلاف روايات المصلوب أن هوية البديل وتفاصيل المشهد لم تستقرا في خبر واحد. وهذا يفتح السؤال، لكنه لا يثبت وحده صحة واقعة أو بطلانها؛ فالخبر التاريخي والقصة المتخيلة كلاهما قد يتغيران بالنقل. لذلك نقترح تفسير اختلاط الشخصيتين من مجموع البحث، لا من اختلاف الروايات وحده.

ما الدجّال إذن؟

وخلاصة هذا الفصل أنّ الدجّال هو اسمُ الفتنة في ذاكرة المؤمنين الذين رأوا دين المسيح يُغيَّر عليهم، وفق القراءة التي يقترحها الكتاب. فقد صارت صورةٌ لاهوتيّة تُنسب إلى يسوع وتُفرض بقوّة الدولة، ثم اتسع سلطانها على القلوب والمؤسّسات. ويسوع الناصريّ نفسه ليس الدجّال؛ لا ينسب الكتاب إليه اختراعَ هذا البناء أو فرضَه بعد موته. ما يسميه دجلاً هو إحلال الصورة المصنوعة محلَّ حقيقة المسيح، وما يسميه مقاومةً للفتنة هو استعادة التمييز بين النبيّ ورسالته وبين العقيدة التي حُملت على اسمه.

الأيقونوغرافيا والعور: إشارة إلى الفصل ٢٢

ونتابع في الفصل الثاني والعشرين صلة وصف العور بالصورة الدينية، فننظر في عدم تماثل جانبي الوجه في أيقونة سيناء، وفي معنى الصورة وتاريخها، من غير أن نصفها بعين مفقودة أو مغلقة. ويجمع هذا بما سبق سؤال واحد: كيف تحتفظ الصورة بعناصر موروثة، ثم تحملها قراءة لاحقة معنى آخر؟

الفصل ٢٠ ـ الدجّال كعقيدة: النظريّة المركزيّة

المعنى الذي انتهينا إليه

انتهينا من الفصول السابقة إلى فهم الدجال فتنة عقدية عاشها المؤمنون حين تبدل عليهم دين المسيح. ففي بناء الكتاب اختلطت أخبار عيسى ابن مريم بأخبار يسوع الناصري، ثم حمل اسم يسوع صورة مؤلهة ثبتتها المؤسسة وسلطان الإمبراطور. وعاش المخالفون لهذه الصيغة الإقصاء والصراع، حتى صارت القضية جزءاً من حياتهم. وفي هذه البيئة نفهم الدعوة المحمدية إلى عبادة الله ونفي الغلو جواباً لأزمة حاضرة. ثم نتتبع كيف استقرت الفتنة في العقيدة والمؤسسات، وكيف امتد نمطها إلى صور أوسع من حياة الحضارة.

لماذا يقرأ الكتاب الدجّال بوصفه أزمةً عقديّة؟

قرأ جمهور الشراح أوصاف العين والكتابة والجنة والنار والأيام على أنها صفات شخص يأتي آخر الزمان. ونقرأها نحن من داخل الأزمة التي وصفناها: حق يختلط بالباطل، وصورة تلبس القداسة، وسلطة تجمع الإقناع والإكراه. فهذه هي الوجهة التي يختارها الكتاب في فهم الدجال، بعد عرض المادة التي انطلقت منها القراءة الموروثة.

يكون العور، على ذلك، خللاً في الرؤية، وتكون الكتابة انكشافاً للخداع أمام بصيرة المؤمن، ويكون تفاوت الأيام تغيراً في مدى الفتنة وأثرها. نحفظ ألفاظ الروايات ونقرأها في هذا المعنى التاريخي والرمزي، الذي جعلنا له سياقه في الفصول السابقة.

شخصان وبناءٌ عقديّ: عيسى ويسوع والصورة المؤلَّهة

ولهذا نفصل بين عيسى ابن مريم، الذي نطابقه بنبونيد، ويسوع الناصري، الرجل الصالح اللاحق، ثم الصورة المؤلهة التي حملت اسم يسوع. الأولان شخصان، والصورة بناء عقدي تشكل بعدهما، وهو موضع الدجل في تفسيرنا. وإذا هاجمت رواية جدلية يسوع نفسه، بقي موقفنا أن نفصل الرجل عما صنع باسمه. فاستعادة الحقيقة تصحح الاعتقاد، وترفع الالتباس عن صاحبي السيرة أيضاً.

مضمون الفتنة في الآيات

يقول الله تعالى في سورة مريم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا. تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ (مريم: 88-90). ومعنى «إدًّا» في لسان العرب: الأمر الهائل الذي لا تطيقه السموات ولا الأرض ولا الجبال. ويورد ابن كثير، نقلاً عن مسند أحمد في خبر جابر رضي الله عنه، قوله ﷺ: «ما كانت فتنة ولا تكون حتى تقوم الساعة، أكبر من فتنة الدجال» (البداية والنهاية، ذكر أحاديث منثورة في الدجال). وعند جمع هذا التحذير مع وصف القرآن لهول دعوى البنوّة، يرى الكتاب صلةً بين الفتنة العقديّة وتأليه المخلوق: فالانحراف يمسّ أصل العبادة، ثم يمتدّ أثره إلى حياة المؤمنين وعالمهم.

ويرد نقد الغلو والتأليه مع فتح باب الرجوع: ﴿أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم﴾ (المائدة: ٧٤). فغاية البيان أن يعود الإنسان إلى معرفة الله وعبادته، ويكون الرجوع نفسه جزءاً من المعنى الذي نتتبعه في الكتاب.

وقد سبقت قراءة الكلمة والنور بوصفهما معنى مستمداً من الله. يبدأ موضع الغلو عندنا حين تحصر حقيقة الهداية في فرد، أو تنسب إليه قدرة تستقل عن مصدرها، أو تحتكر مؤسسة باسمه طريق النجاة. ونقرأ هذا التحول من شرح أصحاب العقيدة وممارستهم؛ فقد يقرون الألوهية ولا يعبرون عنها بإلهين مستقلين، فيحتاج موضع الخلاف إلى النظر فيما يقصدون من الاتحاد والمشاركة والعبادة.

وتضيف روايات الكهف صلةً أخرى بهذا السياق القرآنيّ؛ ففي حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي ﷺ عند أبي داود: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصم من فتنة الدجال» (سنن أبي داود، ٤٣٢٣)، وعند مسلم بلفظ «عُصم من الدجال» (صحيح مسلم، ٨٠٩). وفي الآية الرابعة من هذه العشر: ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ (الكهف: ٤). وهنا يرى الكتاب مفتاحاً لفهم الفتنة العقديّة: الآيات التي رُبطت بها الوقاية تكشف دعوى التأليه التي تقع في قلب أطروحتنا. ويفصّل الفصل ٢٣ هذه القراءة بجمع روايات الكهف ودعاء الاستعاذة مع مضمون افتتاح السورة.

كيف ينقلب معنى الصفة

بحثنا في الفصول الأولى معاني المسح في التطهير والتكريس، وقابلناها بالمسخ، أي التحول عن الأصل. ونطبق هذه المقابلة الآن على الصفات: فالشفاء الذي يقع بإذن الله قد يفسر بقدرة ذاتية، والبركة قد تصبح أساساً لسلطان المؤسسة، والسياحة التي تحمل الهداية قد تتحول إلى نشر صورة تحجبها. تبقى ملامح الصفة الأولى، ويتغير المعنى الذي تعمل به.

الصورة التي تشكلت والاعتراض عليها

تلتقي هنا المادتان اللتان فصلناهما: صور المسيح المبكرة التي استقر بعضها في الإيمان الكنسي، وذاكرة الاعتراض المندائي في «مشيحا كدابا». نرى من الأولى كيف بُني التصور، ومن الثانية كيف عارضته جماعة أخرى. وبين البناء والاعتراض نتتبع تاريخ الصورة التي ورثها الناس.

الدجال كنمط وجود في الحضارة

الدجّال، في هذه القراءة، بناءٌ فكريّ وعمليّ يعاد إنتاجه عبر الأجيال بأقنعة متجدّدة. يتتبّع الكتاب امتداد آليته من العقيدة التي ثبّتها سلطان المجامع إلى الإكراه الديني والاستعمار، ثم يقرأ نظائرها في الحياة المعاصرة حين تُجعل الذات أو القوة أو المال أو التقنية مرجعاً مطلقاً. فالإنسان يكتشف ويبتكر ويعمر الأرض بما فتح الله له؛ وينقلب معنى هذه القدرة حين يظنها قائمةً بذاتها، ويجعلها حجةً على استغنائه عن الله وسلطانه على غيره. هذا هو العور الروحي الذي نقصده: اتساع النظر في المادة مع انغلاق البصيرة عن مصدر الوجود وغايته.

وفهم هذا التحول يعين على مقاومته. فقد تمنح المعرفة والقدرة صاحبها وهماً بأنه مستغن عن الله، وقد يظن شخص أو مؤسسة أنه يملك النور ويحصر طريقه في نفسه. وعندئذ تصير العطية التي تفتح باب القرب حجاباً عن المعطي، ويكون الخلل في وجهة الانتفاع بها.

وتنطلق قراءة هذا الكتاب من أن الله أراد للإنسان علماً وقدرةً عظيمين، وأن يكون مظهراً لمعاني أسمائه العليا: يعرف ويرحم ويحكم بالعدل ويحسن الصنع. فكلما اتسعت قدرته ازداد مجال ظهور هذه المعاني في فعله. و«لا حول ولا قوة إلا بالله» معرفةٌ بمصدر القوة تصحب الإنسان وهو يتعلم ويبتكر ويعمر، وتردّ قلبه إلى الله مع كل فتح. بذلك يكون اتساعه في الرحمانية، وسكينته في حضرة الله، وعمله متجهاً إلى المراد الإلهي. أما حين ينسب الفضل كله إلى نفسه ويطلب قدرةً وخلوداً يناوئ بهما الله، فإنه يجعل العطية حجاباً عن المعطي، وتدخل قوته في الشيطنة والبعد.

ونجد داخل التاريخ الإسلامي أخبار الغلو في الإمام علي عليه السلام، وما ينقل من رفضه أن يرفع فوق مقام العبودية. وتختلف مادة هذه الأخبار، من وصف الفرق إلى أخبار ابن سبأ والعقوبات، بحسب مصادرها. لكن السؤال الذي يعنينا واحد: قد ينسب الأتباع إلى رجل مقاماً يتبرأ هو منه، كما يتبرأ عيسى في سورة المائدة من دعوة الناس إلى تأليهه. ومن هذا النمط نفهم المقارنة، ثم نبحث تاريخ كل واقعة في شواهدها.


الفصل ٢١ ـ الدجّال كحضارة: المسيريّ وأسد وحسين والنورسيّ

من العقيدة إلى الحضارة

تمتد الفتنة من بناء العقيدة إلى طريقة العيش وتنظيم القوة والمعرفة. فعندما تجعل الذاتُ نفسها أصلاً مكتفياً بذاته، يتحول ما تملكه إلى وسيلة لتثبيت هذا الوهم: يُقاس الناس بإنتاجهم أو ثروتهم، وتُطلب السيطرة لذاتها، وتُقصى الغاية الأخلاقية والروحية من معنى التقدم. وهذا هو النمط الحضاري الذي ينتقده الكتاب. أما اتساع العلم والمهارات والتقنية وتيسير المعلومات والحياة فهو من وجوه السعة التي تفتح للإنسان إمكانات جديدة؛ ويكتمل رقيّه حين تصحب هذه السعةَ معرفةٌ بالنفس ورحمةٌ بالخلق واتصالٌ بالله.

مَوقع هذه القِراءات من أَطروحة الكِتاب

تعيننا قراءات المسيري وأسد وعمران حسين والنورسي وهايدغر وجنون وإيليتش على فهم ما يختزل الإنسان وما يخضعه. ونصلها بآلية التأليه والاحتكار التي تتبعناها: يتحول ما يدل على الله إلى مرجع يحجب عنه. هذه المقارنة من عمل الكتاب، ولكل مفكر تفسيره للتاريخ. ونبحث النمط حيث يظهر، مع بقاء المعرفة النافعة والرحمة إمكاناً حياً في العصر نفسه.

المسيري واختزال الإنسان في المادة

يفرق عبد الوهاب المسيري بين العلمانية الجزئية، المتعلقة بفصل الدين عن إدارة الدولة، والعلمانية الشاملة التي تمتد إلى رؤية الوجود والإنسان. في الأولى يناقش ترتيب المؤسسات، وفي الثانية يناقش إقصاء المقدس والغاية المتجاوزة للمادة، وجعل الإنسان حكماً مكتفياً بنفسه على الحقيقة والقيمة.

ومن هذا المنظور يصبح الإنسان كائناً اقتصادياً واستهلاكياً، تقاس قيمته بما ينتج وينتفع، ويضعف معنى ما يتجاوز المادة في حياته. قدم المسيري هذا التحليل في «العلمانية الجزئية والشاملة» (٢٠٠٢)، ونقرأ فيه وجهاً حديثاً للفتنة التي نتتبعها. فبعد تأليه شخص، قد تؤله فكرة الإنسان نفسه، ويجعل المخلوق مقياساً مطلقاً لكل شيء. تغيرت لغة العقيدة إلى لغة أخرى، وبقي في قراءتنا أصل المشكلة: فصل القدرة عن مصدرها وإلغاء ما يهديها.

محمد أسد: الحضارة العوراء

وفي «الطريق إلى مكة» ربط محمد أسد صورة الدجال بالحضارة التي تتسع عينها المادية وتضعف رؤيتها الروحية. تعرف كيف تكتشف وتصنع وتعالج وتزيد الثروة، وقد تعجز عن منح الإنسان سكينة أو معنى. وأثر الصورة فينا أنها تجمع القوة والنقص في مشهد واحد: لا ينشأ العور من قلة الوسائل، وإنما من انفراد جهة واحدة بتوجيهها.

وفي الصورة التي نستخلصها من هذا النقد، تكتمل الرؤية بفتح عين الروح مع عين المعرفة المادية. فالدواء الذي يشفي، والآلة التي ترفع المشقة، والمعرفة التي تيسّر حياة الناس، يمكن أن تحمل آثار الرحمة والإحسان. ويبدأ العور حين تُحصر حقيقة الإنسان في هذه المنافع، أو تُجعل قدرته عليها دليلاً على أنه مستغنٍ عن الله. رقيّ الفكر والقلب هو الذي يهدي القوة إلى غايتها.

عمران حسين: المراحل التاريخية

ويفسر عمران حسين تفاوت أيام الدجال ضمن انتقال مراكز القوة الحديثة، ويطبق ذلك على مسائل سياسية ومالية بعينها. يفيدنا منه فتح المجال للقراءة الحضارية وتسارع أدوات السيطرة. ثم يبقى تحديد الدجال بالفتنة العقدية نفسها اختيار هذا الكتاب، وتبقى تطبيقات حسين قابلة للبحث كل على حدة.

سعيد النورسي: الدجال الخارجي والداخلي

ويميز سعيد النورسي بين «الدجال الأكبر» في العالم المسيحي و«السفياني» في العالم الإسلامي، فتكون الفتنة في الخارج والداخل معاً. ونضيف، من جهة السلوك، النظر إلى النفس الأمارة بالسوء: ما تحمله من شهوة للسيطرة وتعظيم للذات هو ما تستند إليه أبنية الجبروت في حياة الناس. لذلك يصحب نقد الحضارة عملٌ في القلب. فقد يرفع الإنسان صوته بالاعتراض على التسلط، ثم يبقى أسيراً للمعنى نفسه في نفسه وعلاقته بغيره. وبتهذيب الإرادة تصبح مقاومة الفتنة أصدق أثراً.

ومن هنا تكتسب قراءة انتصار عيسى على الدجّال معناها في طريق السلوك: حين تنكشف الحقيقة في القلب، تزول سلطة الوهم الذي استعبده. وفي القراءة التي يتبناها الكتاب، تنتصر الروح حين تهدي النفس والقوة المادية إلى غايتهما، فيصير العلم باب معرفة، والعمل باب إحسان، والقدرة وسيلة رحمة. وبقدر ما يتحقق هذا التحول في الناس، تفقد أبنية الجبروت ما تستند إليه في نفوسهم.

اتساع قدرة الإنسان في القرن الحادي والعشرين

تجعل تقنيات القرن الحادي والعشرين هذا السؤال أشد حضوراً: ماذا يصنع الإنسان باتساع قدرته؟ فالذكاء الاصطناعي والطب والهندسة توسّع إمكان التعلم والمعالجة والعمل، وتضع بين أيدينا وسائل لفهم أنفسنا والعالم. ويمكن أن تحملها غاية الرحمة والعمران، كما يمكن أن يستولي عليها وهم السيادة المطلقة. لذلك نقرأ النقد الفلسفي الآتي لفهم لحظة انقلاب الوسيلة إلى سلطان على الإنسان، ومتى تصير زيادة القدرة حجاباً عن مصدرها.

يساعد نقد هايدغر للتقنية، بمفهوم «التأطير» (Gestell) وتحويل الموجودات إلى «رصيد متاح» (Bestand)، على النظر في طريقة اختزال الطبيعة والإنسان إلى موارد للسيطرة والاستثمار. ونقرأ صورة الدجّال الذي «يأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت» على ضوء هذا السؤال: قد تُستعمل القدرة على تسخير الأسباب لإبهار الناس وإخضاعهم، حتى يظن صاحبها أنه يملك مصادر الحياة بذاته. هذا وجه المقارنة الذي نقترحه؛ أما معرفة الأسباب والانتفاع بها في خدمة الخلق فمن وجوه القدرة التي أتاحها الله للإنسان.

ويبحث رينيه جنون، عبد الواحد يحيى، في «سيادة الكم وعلامات آخر الزمان»، ولا سيما فصل «المحاكاة الكبرى أو الروحانية المقلوبة»، انقلاب المعنى الروحي إلى صورة مضادة تحاكيه وتستعمل رموزه. ومن هذا الوجه نستعين به في فهم الفرق بين القوة المتصلة بأصلها والقوة التي تحجب عنه (الفصل ٣٩). ويبحث إيفان إيليتش في «أدوات للتعايش» حدود المؤسسات والأدوات حين تتضخم حتى تسلب الناس قدرتهم على الفعل، ويطلب أدوات توسّع حريتهم ومشاركتهم (Tools for Conviviality). فما يعنينا هنا هو تيسير حياة الإنسان وحفظ فاعليته، ومقاومة تحوّل وسائل خدمته إلى أنظمة تستعبده.

وتظهر أسئلة هذه القدرة بوضوح في الترانسهيومانيزم، أو حركة تعزيز القدرات البشرية بالتقنية؛ فإعلانها يتحدث عن توسيع الإمكانات وتجاوز قيود الشيخوخة والإدراك، وعن الرفاه ومخاطر التقنيات أيضاً (إعلان الحركة). ويعرض ريموند كرزويل تصوره للتفرد واندماج الذكاء البشري والآلي (عرضه للتفرد)، بينما يناقش يوفال نوح هراري في «Homo Deus» طموحات الخلود والسعادة والقدرات الشبيهة بقدرات الآلهة وما تفتحه من أخطار وأسئلة. ويرى هذا الكتاب أن علاج المرض وإطالة الحياة وتوسيع الإدراك يمكن أن تدخل في خدمة الرحمة والعمران؛ أما مشروع «الإنسان الإله الخالد» فيدخل في الفتنة حين يُراد به إنسانٌ قائم بذاته، مستغنٍ عن الله ومناوئٌ له. فالحكم يتعلّق بهذه الدعوى وغايتها، ولا يلزم من الاشتغال بتعزيز القدرة أو الذكاء الاصطناعي تبنّيها.

ولنأخذ مثالاً واضحاً: نظام طبي يعين على اكتشاف المرض مبكراً ويتيح العلاج لمن حُرم منه، يوسع قدرة الإنسان في جهة الرحمة. والأداة نفسها إذا استُعملت لاحتكار علاج الناس أو التحكم في أجسادهم من غير إرادتهم صارت وسيلة تسلط. ليست زيادة المعرفة هي الفتنة؛ الفتنة في الغاية وفي تصور صاحب القوة لعلاقته بالله وبالخلق.

بهذا المعنى يصل الكتاب بين فتنة التأليه في صورتها الكنسية وصورها الحضارية: يُعزل ما يظهر في الإنسان من علم أو نور أو قدرة عن مصدره، ثم يُنسب إليه قيامٌ ذاتيّ يستغني به عن الله. وقد تتخذ هذه الآلية لغة العقيدة، أو لغة السلطة، أو لغة الوعد التقني. وتظل العودة إلى الأصل ممكنة في كل منها: أن يعرف الإنسان أن قوته بالله، وأن يتسع فكره وقلبه معها، فيكون أثره في العالم رحمةً وإحساناً.

صور متعاقبة للفتنة وإمكان تجاوزها

المجالالصورة التي يناقشها الكتابموضع الخلل
العقيدة والمؤسسةحصر النور والنجاة في شخص أو جهة تحتكر الكلام باسمهتحويل الدلالة على الله إلى سلطان يحجب عنه
الحكم والقوةفرض تصور واحد بالقسرإخضاع الضمير لمصلحة السلطة
الاقتصاد والثقافةاختزال قيمة الإنسان في المنفعة والاستهلاكفقد الغاية الأخلاقية والروحية
العلم والتقنيةتوهم الاستغناء المطلق أو احتكار القدرةنسيان المصدر واستعباد الخلق بدل خدمتهم

تجتمع هذه الصور في عصر واحد، ويعيش إلى جانبها علم نافع وتقدم في الأخلاق والمعرفة الروحية. فالتاريخ اتساع للقدرة وصراع على غايتها أيضاً. وكلما صحب القدرةَ فهمٌ للنفس ومعرفة بالله، أمكن أن تتحول إلى طريق للخلاص من الفتنة.

لا يسير التاريخ في انحدار لا رجعة فيه. فالأدوات التي توسع سلطان الوهم قد توسع أيضاً قدرة الناس على كشفه، والعلم الذي يُحتكر قد يصبح متاحاً، والنور الذي حُصر في صورة قد يُعرف من جديد في حقيقته. هنا تلتقي قراءة الدجال بقراءة الساعة: اتساع في الإدراك والقدرة، تتحدد وجهته بما يحمله الإنسان من معرفة ورحمة وافتقار إلى الله.

الفصل ٢٢ ـ الصورة والصليب: كيف يحمل الرمز عقيدة؟

الوجه المصوّر ومعنى النظر

تعلم الصورةُ العينَ كيف ترى المقدس. فقد يعرف المؤمن من الوجه واليد والكتاب وعلامات الملك معاني قبل أن يقرأ شرحها في النصوص. من هنا نتأمل صور المسيح، ونبحث كيف شارك الفن في تثبيت الاعتقاد، مع اختلاف الصور وتواريخها ووظائفها.

ومن أشهر الأمثلة أيقونة المسيح «الضابط الكل» في دير سانت كاترين، المصنوعة بالشمع الملون على لوح، والمؤرخة بالقرن السادس. يحمل المسيح فيها كتاباً ويشير بالبركة. وفي جانبي الوجه تفاوت فتح باب تفسيره بالرحمة والحكم أو باللاهوت والناسوت. إنها صورة للتأمل في دلالة الوجه، وليست مشهد صلب، ولا يظهر فيها ما يثبت عيناً مفقوءة أو مغلقة.

الدجال وعَوَر العين

وترد أوصاف العور في الروايات بصيغ مختلفة، يذكر بعضها اليمنى وبعضها اليسرى، وترد أوصاف العين الطافئة. وقد ناقش الشراح هذه الألفاظ ووجوه الجمع بينها. والذي يعنينا هنا هو الصورة التي تفتحها لفهم نقص الرؤية.

نقرأ العور رؤية لجهة وحجاباً عن أخرى، ونصله بما تقدم من قدرة مادية لا تصحبها بصيرة بالمصدر والغاية. يستمد هذا التأويل معناه من الفتنة التي وصفناها، ثم تبقى مناقشة ألفاظ الروايات في موضعها من التفسير الموروث.

ومن هذا المعنى ننظر إلى الأيقونة: كيف يحمل الوجه المصور وعداً بالكمال، وكيف يفهم المتعبد ما يراه فيه؟ فالمقارنة التي نقدمها تتعلق بدلالة الصورة، ولم نجد خبراً يربط رواة الحديث بهذه الأيقونة بعينها أو يجعل قصد الفنان تصوير الدجال.

وقد درس كورت فايتسمان، ضمن عمله على أيقونات الدير، تفاوت جانبي وجه أيقونة سيناء. وتبقى دلالته مجالاً للتفسير الفني والديني. نضعه هنا وجهاً من وجوه التأمل في الصورة، ثم نصل ذلك بسؤالها الأوسع في العبادة والسلطة.

الصليب: رمزٌ أقدمُ من الصَّلْب

كانت العلامات المتقاطعة معروفة في حضارات أقدم من المسيحية، واختلفت معانيها. فإذا تتبعنا شكل الصليب وجدنا له تاريخاً أوسع من حادثة الصلب، ثم احتجنا في كل أثر إلى معرفة وظيفته: ماذا كان يعني لأهله، وكيف اتصل بما جاء بعده؟

الجهات الأربع وصورة الملك

حمل نارام سين لقب «ملك الجهات الأربع»، وتداولته ممالك لاحقة، كما عرفت نصوص أقدم صورة الملك الممتد من البحر الأسفل إلى البحر الأعلى. تعبر هذه الألقاب عن سيادة تحيط بالعالم المعروف. ونضعها خلفية للمقارنة بين الملك وشكل التقاطع، ثم نبحث عن الصور التي تجسدها؛ فالنص يثبت اللقب، والأثر المصور يبين العلامة التي اقترنت به.

ومن هنا يأتي سؤالنا عن الصليب رمزاً للملك أو القداسة، وعن احتمال صلته بعيسى الملك. وقد تقرأ الجهات الأربع في شكل +، أو يقارن التقاطع بحركة الشمس والاعتدالين، لكن معرفة ما قصده أهل كل أثر تتطلب صورته وسياقه. وفي هذا الميدان ينبغي استكمال الشواهد التي تصل الفكرة الملكية بالعلامة.

ما تخبرنا به ألفاظ الصلب

درس غونار ساموئلسون ألفاظ الصلب في «Crucifixion in Antiquity»، ومن بينها σταυρός (ستاوروس)، التي تتسع في الاستعمال اليوناني القديم للوتد وأداة التعليق. تساعدنا دراسته على معرفة ما يدل عليه اللفظ، وما نضيفه إلى صورته من تصور لاحق. فشكل الأداة في واقعة معينة يحتاج إلى سياق أوسع من الكلمة وحدها، سواء أكانت جذعاً مفرداً أم ذات عارضة. ويمكن مراجعة عرض ساموئلسون لبحثه.

وقد عرض باحثون قدامى ومحدثون أشكالاً مختلفة لأدوات التعليق والإعدام، منها الجذع البسيط والأشكال المتقاطعة. يبين هذا التنوع ضرورة قراءة الشاهد في سياقه، ولا يمنحنا ترجيح شكل بعينه بمجرد وجوده ضمن قائمة الأشكال الممكنة.

وينطبق ذلك على ξύλον (كسيلون)، أي الخشب أو الخشبة. يدل اللفظ على المادة، ثم نطلب من بقية الوصف ما يبين عدد القطع وطريقة تركيبها. فلا تحمل الكلمة بمفردها رسماً تفصيلياً للأداة.

من ذكرى الصلب إلى رمز المؤسسة

وكان شكل الصليب المتقاطع حاضراً في التعبير المسيحي قبل نيقية. ففي دفاع يوستينوس الأول، الفصل ٥٥، من القرن الثاني، يقارنه يوستينوس بهيئات منها الإنسان الممدود الذراعين. ننطلق من هذا الحضور المبكر إلى سؤال تعاظم مكانة الرمز في العهد القسطنطيني وما بعده.

ومع العهد القسطنطيني وما بعده اتسع حضور العلامات المسيحية في مشهد السلطة والفن والعمارة. وينبغي تمييز علامة كي رو، المركبة من حروف اسم المسيح، من الصليب بأشكاله المختلفة. فالتاريخ هنا تاريخ استخدام وانتشار وتفسير، تتداخل فيه الدولة والعبادة والذاكرة.

انقلاب القيم في صورته الأعمق

ويدور نقدنا حول وظيفة الرمز حين يتحول. فقد يبدأ تذكيراً بالهداية أو بالألم، ثم يصبح أساساً لاحتكار معنى الخلاص. يمكن أن يقع هذا في شكل قديم أو جديد؛ فالذي ندرسه هو ما حملته الصورة من مقام وعقيدة. ومن هنا نفصل مرة أخرى يسوع الرجل الصالح عن البناء الذي أقيم باسمه.

البصيرة التوحيدية

ويقرأ المسيحي الصليب لغة تضحية ورجاء، إلى جانب ذكر الألم. نبدأ بفهم هذا المعنى عنده، ثم نسأل عن وجهة العبادة فيه: أيدل الرمز على الله، أم يصير غاية تحجب عنه؟ بهذه القراءة تعمل البصيرة التي نقصدها، فتفهم قبل أن تحكم.

ويولد الناس في تقاليد تمنح الصور معناها قبل أن يسألوا عن تاريخها. قد يصدق المؤمن في طلب الله من خلال ما ورث، وإن خالفناه في فهم الصورة والعقيدة. لذلك نوجه النقد إلى تاريخ البناء ومعناه، ونبقي للإنسان صدقه وتجربته. وبهذا يصبح البحث فرصة مشتركة لفهم ما ورثناه جميعاً، وكيف تتكون الألفة حتى تبدو بعض المعاني بديهية لا تحتاج إلى سؤال.


الفصل ٢٣ ـ سورة الكهف: افتتاحها يشرح فتنة الدجّال

حديث العشر: مضمون الآيات وطبيعة الفتنة

روى أبو داود عن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي ﷺ: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصم من فتنة الدجال» (سنن أبي داود، ٤٣٢٣). وروى مسلم الحديث بلفظ «عُصم من الدجال» (صحيح مسلم، ٨٠٩)، وجاء في طريق آخر «من آخر الكهف» (الرواية الأخرى). وفي دعاء الاستعاذة بعد التشهّد يَرِد: «ومن شرّ فتنة المسيح الدجال» (صحيح مسلم، ٥٨٨). فتعبير «فتنة الدجال» حاضرٌ في حديث الوقاية وفي الدعاء، إلى جانب الروايات التي تذكر الدجال باللفظ المختصر. وتلتقي هذه النصوص في التحذير وطلب النجاة، وتربط روايات الكهف هذه النجاة بالقرآن.

ومضمون الآيات يكشف طبيعة الفتنة المقصودة في قراءة هذا الكتاب. ففي الآيات التي رُبطت بها الوقاية إنذارٌ للذين قالوا إن الله اتخذ ولداً، ونقدٌ لقولٍ يتوارثه الأبناء عن الآباء بلا علم، وتنبيهٌ إلى زينة الأرض بوصفها ابتلاءً. ومن اجتماع هذه المعاني مع تعبير «فتنة الدجال» نقرأ الفتنة أزمةً في الاعتقاد والرؤية: يختلط فيها المخلوق بالخالق، وتكتسب الدعوى الموروثة سلطاناً على النفوس، ويُفتَن المؤمن في دينه تحت ضغط الجماعة والسلطة. هكذا يفسّر الكتاب الدجال بوصفه بناءً عقديّاً عاش الناس فتنته، وتوارثوا آثاره جيلاً بعد جيل. فأساس الاستدلال هو ترابط الروايات ومضمون السورة والسياق الذي نقرأها فيه.

والسؤال الذي يفتح طريق القراءة هو: إذا كانت أوائل الكهف حصناً من هذه الفتنة، فما المعرفة التي تضعها في يد المؤمن؟ تبدأ الإجابة من قوله تعالى: ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، ثم من وصف هذا القول بأنه موروثٌ بلا علم. هنا يتضح محور الفصل: الحديث يربط الوقاية بالآيات، والآيات تبيّن الخلل العقديّ وتمنح المؤمن معياراً لتمييزه. وعلى هذا الأساس نقرأ العشر الأُول آيةً آية.

قراءة الآيات العشر

الآيات العشر الأولى من سورة الكهف هي:

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا * وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا * فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِم إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا * إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا * أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾.

وعند قراءتها مع حديث الوقاية، نرى كيف تصل معرفة الله بنقد القول الموروث، ثم بالابتلاء الذي يعيشه الإنسان في الأرض.

الكتاب والعوج: معيار التمييز

تضع الآيات الكتابَ ميزاناً للإنذار والبشارة. ومن هنا نقرأ سائر الموروث الديني على ضوء التوحيد الذي يقرره القرآن، ثم نسأل عن المعاني التي بقيت فيه وعن المواضع التي غيّر فيها التأويل وجه الرسالة. والاختلاف في العبارة وحده لا يكفي لهذا الحكم؛ فقد رأينا كيف تتقارب لغة الكلمة والنور مع بقاء فروق حقيقية في الاعتقاد.

وهذا الميزان يعيدنا إلى النصوص التي بُني عليها تأليه المسيح. فقد عرضنا اختلاف رواياتها وطبقاتها، والبحث في نسبة بعض الرسائل وإضافات النساخ. ومن ذلك ما يناقشه Bart Ehrman في «Forged» (٢٠١١) عن «pseudepigrapha»، أي الكتابات المنسوبة إلى غير أصحابها. تفتح هذه المادة السؤال عن الأساس الذي حمل البناء العقدي، وتعين على تمييز الخبر من الشرح الذي ألحق به.

البنوّة: عصب الفتنة

وتأتي الآية الرابعة بإنذار مخصوص: ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾. وهو عندنا في قلب الصلة بفتنة الدجال التي بينا معناها العقدي في الفصل التاسع عشر، لأنه يوجه النظر إلى الدعوى التي تتصدر نقدنا للتأليه. فالبناء الذي يمنح المخلوق مقام الابن الإلهي أو الإله المتجسد يواجه هنا بياناً مباشراً: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾. وبهذا نقرأ افتتاح السورة تفسيراً لمضمون الفتنة التي طلبت الروايات الوقاية منها.

وقد جاء في الحديث النبويّ الصحيح ما يؤكّد مركزيّة هذا المعنى: «كَذَّبَني ابنُ آدمَ ولم يَكُن له ذلك، وشَتَمَني ولم يَكُن له ذلك؛ فأمّا تكذيبُه إيّايَ فقولُه: لن يُعيدَني كما بَدأَني، وأمّا شَتمُه إيّايَ فقولُه: اتَّخَذَ اللهُ ولداً، وأنا الأحدُ الصمدُ لم أَلِد ولم أُولَد ولم يَكُن لي كُفُواً أحدٌ» (رواه البخاري). فاللهُ سبحانه يسمّي دعوى الولد شتماً، لا مجرّد خطأ عقديّ. وسورةُ الكهف تُدرج هذا الشتم في صدرها وتُعلن أنّ الإنذار منه هو فاتحة الحماية.

العلم والآباء: الفتنة تتغذى بالوراثة

ثم يأتي ﴿مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾. فالآية تصل قول الأبناء بما تلقوه من الآباء، وتعيد السؤال إلى العلم الذي يقوم عليه. وقد يكتسب الموروث قوة من قدمه وانتقاله، حتى ينسى الناس أن صحة القول تحتاج إلى أساس وراء تكراره.

وتزداد قوة الموروث حين يصير اعتقاد الآباء جزءاً من نظام الجماعة وسلطتها. لقد جادلت الكنائس وكتبت وتأولت، ولم يكن كل من ورث قولاً عاجزاً عن التفكير فيه؛ لكن اتصال العقيدة بالقانون والإقصاء جعل مراجعتها أثقل على الفرد والجماعة. هذا هو الوجه الذي يعنينا عند قراءة التحذير القرآني من القول بلا علم.

ومن هنا تبدأ مراجعة الموروث: ما الذي نعرفه عن هذا القول، وما الذي قبلناه لأننا ألفناه؟ لا يسقط حق الآباء في الاحترام بهذا السؤال، لكنه يرد الاعتقاد إلى العلم، ويمنع أن تقوم الألفة مقام الدليل.

«كبرت كلمة»: عظم الدعوى

والمسيح في القرآن كلمة من الله وروح منه؛ فليست كل لغة عن الكلمة خروجاً عن التوحيد. موضع الإنكار هنا أن يُجعل لله ولد، أو أن تتحول الصلة بالله إلى مساواة ترفع العبد عن عبوديته. بهذا التمييز نفهم جسامة القول، ونحفظ في الوقت نفسه مجال اللغة الروحية التي تتحدث عن النور والاستمداد.

وتصف «كبرت» جسامة القول وفداحته. فالمسألة نسبة أمر إلى الله بغير علم، حتى يدخل في تصور الألوهية ما ينفيه الوحي عنها. وهذا ما يجعل نقد الكلمة هنا متصلاً بأصل العبادة.

ونضع إلى جانب هذا الوصف تاريخ القول حين تتراكم شروحه ويشتد سلطانه على الناس. فالآية تبين عظم الدعوى، وتكشف لنا مقارنة المذاهب كيف انتقلت الدعوى في التاريخ، وما أضيف إليها حتى حجبت صاحب الرسالة الأول.

الأسف والزينة: موقف المؤمن من الفتنة

ثم يخاطب القرآن النبي ﷺ: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِم إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾. يجتمع في المشهد حرصه على الناس وحزنه لإعراضهم، ويأتي الخطاب رفقاً به وتوجيهاً لمن يتبعه. فشدة الإنذار لا تمنع الرحمة بمن وقع في الخطأ، ولا تجعل البلاغ إهلاكاً للنفس أسفاً على من لم يقبل.

ويلي ذلك ذكر زينة الأرض والابتلاء بالعمل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾. نصل هذا المعنى بفتنة الاعتقاد؛ فقد يستمد القول سلطانه أيضاً مما يحيط به من ثروة وهيبة ومظهر، ثم يذكر القرآن بزوال زينة الأرض. وبعدها تبدأ قصة ﴿أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ في الآيتين التاسعة والعاشرة. وبذلك يصل افتتاح السورة بين معيار الإيمان وتجربة الفتية الذين احتاجوا إليه في حياتهم.

خريطة الحماية

تضع هذه الآيات أمام المؤمن طريقاً للتمييز: يبدأ بالكتاب، ويمر بتنزيه الله وطلب العلم، ثم بالصبر وفهم زينة الحياة وابتلائها.

تلتقي هذه المعاني في سؤال العلم بالله: ماذا نعرف، وممّن أخذنا معرفتنا، ومتى يصير الموروث حجاباً عن أصل الرسالة؟ وفي أطروحة هذا الكتاب، تقع فتنة الدجال حين يكتسب القول المحرِّف قوة المعلوم المقدس، فتغيب وراءه حقيقة المسيح الذي جاء بالهداية.

من هنا نفهم الصلة بين الاستعاذة من فتنة الدجال والاعتصام بسورة الكهف. فحفظ الآيات يصحبُه تدبر المعاني التي تحملها: التوحيد، وطلب العلم، والصبر على ما لم نحط به، ومقاومة اغترار الإنسان بسلطانه. وفي هذه المعاني نلتمس وجه الحماية من الفتنة العقدية التي يناقشها الكتاب.

التقاء مع محور الكتاب

هنا تعود السورة إلى محور بحثنا. نرى أن اختلاط عيسى بيسوع، وبناء صورة مؤلهة باسم يسوع، كانا من صميم الأزمة التي عاناها المؤمنون. ونقرأ الدعوة المحمدية إلى عبادة الله إحياءً للأصل الذي دعا إليه المسيح. فالدين في الرسالتين واحد، وإزالة ما ألحق بالمسيح تعيد للمؤمنين معرفتهم بهذا الأصل. ومن هنا تتصل روايات التحذير والاستعاذة بحاجة حاضرة إلى النجاة من التحريف.

يجتمع الاستدلال هنا من ثلاثة مواضع: تكرار التحذير من فتنة الدجال في الروايات، وربط الوقاية بأوائل الكهف، ومضمون تلك الآيات الذي ينذر من دعوى البنوّة الإلهيّة والقول على الله بلا علم. والربط بين هذه المواضع وبين الأزمة التاريخيّة هو قراءة الكتاب التي تتصل بما عرضه في الفصول السابقة.


الكهف والدجّال: خمسُ قصصٍ بإزاء خمسِ فتن

بعد قراءة العشر الأُول، نوسّع النظر إلى قصص السورة لنرى كيف تمتدّ معاني الوقاية في بنائها. فحديث الكهف الذي افتتحنا به الفصل يربط النجاة بالقرآن، وقراءتنا تتتبع ما يمنحه هذا القرآن للمؤمن من ثباتٍ وبصيرةٍ في مواجهة صور الفتنة.

ونقرأ في بقية السورة خمسة مشاهد تقابل وجوهاً من الفتنة: الاضطهاد، والاغترار بالمال، والحكم قبل إحاطة العلم، واختبار السلطة، والفساد الذي يحتاج إلى دفعه. نميز مشهد يأجوج ومأجوج داخل قصة ذي القرنين لغرض المقارنة، ثم ننظر في الدرس الذي يقدمه كل مشهد لحياة المؤمن.


جدول التوازيات الشامل

القصّةالفتنة التي تُجسّدهاصورتها في القراءة العقديّة للكتابالدرس العملي
أصحاب الكهفالاضطهاد الديني والإكراه على التدين الكاذبيُضطَهد الموحّدون ويُكرَه الناس على قبول الصورة المؤلَّهة المفروضة عليهمالثبات على الدين، الهجرة المعنوية والجسدية، رفعُ الهمّة فوق ضغط المجتمع
صاحب الجنّتَينالمال والكِبر والغرور بالثروة والقوّةيُزيَّن البناء العقديّ بالثروة والقوّة، وينشأ الاغترار بدوامهالتواضعُ أمام الإله الحقيقي، ودوامُ ذكر المشيئة: «ما شاء الله لا قوّة إلا بالله»
موسى عليه السلام والخضرالحكم بالظاهر والانخداع بالمظاهرتتبادل الحقيقة والباطل مظهرَيهما، فتُقرأ صورتا «الجنّة والنار» رمزاً لاختلال المعيارتنميةُ البصيرة الروحية فوق الظاهر الحسي، وعدمُ الاستعجال في الأحكام
ذو القرنَيناختبار القدرة والسلطانتحوّل السلطةُ العقيدةَ إلى أداة هيمنة وتطلب الخضوع باسمهاالعدلُ في الحكم، الخدمةُ لا الاستعباد، الاستعانةُ بالله قبل القوّة
يأجوج ومأجوجالفوضى والفساد الشامل والانحلال الكلّيرمزُ الانحلال الأخلاقي والديني الكامل للبشريةالاستعدادُ الروحي والنفسي، التشبّثُ بالعقيدة، الاعتصامُ بالله وحده

كيف تتصل المشاهد

وجوه التربية في القصص

تحمل هذه المشاهد وجوهاً متكاملة للتربية. يعلم أصحاب الكهف الثبات أمام ضغط الجماعة، ويكشف صاحب الجنتين خطر الاغترار بالثراء، وتدعو قصة موسى والخضر إلى الصبر على ما لم يحط به العلم. ثم يقدم ذو القرنين صورة السلطان الذي يحمي، ويظهر يأجوج ومأجوج أثر الفساد حين يعم. بهذه الدروس تتصل قراءة القصص بمعنى الوقاية.

من الاستضعاف إلى القدرة

ينتقل القارئ في السورة من مؤمنين مستضعفين إلى صاحب مال مغترّ، ثم إلى حدود المعرفة البشرية، ثم إلى صاحب قدرة يسخّرها لحماية الناس. لا نحتاج إلى جعل هذا الترتيب تقويماً حرفياً لتاريخ العالم حتى نرى وحدته: الإيمان والعلم والقدرة تختبر جميعاً علاقة الإنسان بربه. وفي خاتمتها، حيث لا تنفد كلمات الله ويُؤمر الرسول أن يعلن بشريته، يكتمل المعنى الذي نحتاجه: اتساع المعرفة لا يصنع إلهاً بشرياً، والكرامة لا تلغي العبودية (الكهف: ١٠٩–١١٠).

لماذا عشر آيات من أولها؟

تُخصّص رواية أبي الدرداء رضي الله عنه العشر الأُول بالذكر. وفي قراءتنا، تحمل هذه الآيات المفتاح العقديّ للسورة: تنزيه الله، والتحذير من دعوى البنوّة، والتمييز بين العلم والقول الموروث بلا بيّنة. بهذا المفتاح تتصل القصص اللاحقة بمحور التوحيد، ويجتمع حفظ الآيات مع تدبّر معناها في منهج الوقاية الذي يشرحه الفصل.

الوقاية علماً وعملاً

نقرأ سورة الكهف هنا بوصفها منهجاً للعصمة: أصحاب الكهف يعلّمون الثبات تحت الضغط، وصاحب الجنّتَين يعلّم التواضع أمام المال، وموسى والخضر عليهما السلام يعلّمان البصيرة فوق الظاهر، وذو القرنَين يعلّم العدل في السلطان، ويأجوج ومأجوج ينبّهان إلى خطر الفساد الشامل. وتنتظم هذه الدروس حول الأصل الذي كشفت عنه أوائل السورة: عبادة الله وحده والتحرّر من القول عليه بلا علم. ومن هذا الأصل نفهم صلة حفظ الآيات وتدبّرها بالنجاة من الفتنة.

الفصل ٢٤ ـ «وإنّه لعلم للساعة»: الرفع والنزول كحركةٍ معرفيّة

الآية الجامعة

﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (الزخرف: ٦١). من الأقوال التي ذكرها ابن كثير وغيره أن الضمير يعود إلى المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، وهو القول الذي تتبناه قراءة هذا الكتاب. ونقرأ صلته بالساعة من جهة العلم أيضاً: فكشف حقيقته واستعادة معنى رسالته يفتحان للإنسان معرفةً كانت محجوبة. إنهما، في هذه القراءة، من علوم زمن الساعة وعلاماته.

ونميّز هنا بين زمن الساعة وقيام الساعة. فنحن، في تصور الكتاب، في زمنها الذي تتكشف فيه التحولات، أما قيامها فلم يقع وموعده لا يعلمه إلا الله. ونستشعر في الساعة إشارةً إلى السعة والاتساع: اتساع الوعي والمهارات، وإدراك الإنسان لنفسه، والتكنولوجيا التي تيسّر المعلومات والحياة، حتى تصبح حقائق كانت محجوبة متاحة. ومن هذا الوجه تكون عودة معرفة المسيح جزءاً من ذلك الانفتاح، ويتصل هذا الفصل بما شرحناه في الفصل ٢١ عن القوة التي يهديها القلب إلى الرحمة والعمران.


تعدد صور الانتظار في قمران

نعود إلى قمران لأنها حفظت صوراً للانتظار أوسع من الصورة الكنسية اللاحقة. ففيها ذكر النبي ومسيحي هارون وإسرائيل، وفيها صيغ أخرى تجمع الألقاب والوظائف على وجوه مختلفة. ومن هذا التنوع نبحث عن الشخصيات والمعاني التي بقي أثرها في الذاكرة.

تذكر قاعدة الجماعة (1QS 9:11) النبي ومسيحي هارون وإسرائيل، وترد في الوثيقة الدمشقية مواضع بالمفرد: «مسيح هارون وإسرائيل». وفي قانون الجماعة الاحتفالي (1QSa 2) يتقدم الكاهن في البركة، ويحضر مسيح إسرائيل مشهد الوليمة. وقد فصلنا هذه الفروق في الفصل العاشر؛ وهي مادة للبحث في صلات الوظائف قبل تعيين أصحابها.

نصل «مسيح هارون» بالنسب والتكريس الكهنوتي، مع ما نقرره من اجتماع النبوة والملك في عيسى. ثم يبقى تعيين الشخصيتين بيحيى وعيسى، أو وصل أحد أفقي الانتظار بمحمد ﷺ، سؤالاً نواصل جمع مادته. فالتتابع الذي نراه في الرسالات أوسع من تقسيم الروح والحكم بين رجلين.

4Q541: صورة الكاهن الذي يواجه المعارضة

تظهر في شذرات 4Q541، المنشورة عادة بين النصوص الآرامية المتصلة بلاوي، شخصية كهنوتية يتسع أثر تعليمها وتواجه أقوالاً معادية، مع ذكر التكفير. نقارنها بصورة المعلم الذي يمتحن ويتألم، ونقرأ التكفير في سياقه الكهنوتي. أما اسم صاحب الشذرة وتفسير عمله فهما موضع البحث؛ فلا يتضمن هذا الوصف وحده تقديم جسده ذبيحة.

الملك والمعلم في قراءتنا

عيسى ابن مريم عليه السلام، في المطابقة التي يتبناها هذا الكتاب، هو نبونيد ملك بابل: ملك ونبي مختار، تجمع سيرته الحكم والمعرفة والشفاء. ونقرأ المحنة بوصفها امتحاناً في سلوكه إلى الله وترقياً في معرفته، على مثال الابتلاء الذي يسبق تمام الإمامة في قصة إبراهيم. لا يبدأ اختياره بعد المرض، ولا يعني شفاؤه انتقال ملك كافر إلى الإيمان. وتبقى صلة هذا الشفاء بتعليم يحيى والتعميد قراءة نجمع فيها أخباراً متفرقة، لا تفصيلاً تسميه صلاة نبونيد صراحة.

وفي السيرة الناصرية اللاحقة نجد نسباً داودياً وانتظاراً مسيحانياً ونزاعاً في زمن الحكم الروماني، ينتهي بتهمة الملك ولافتة «ملك اليهود». تختلف هذه البيئة عن حكم نبونيد وآثاره في الرافدين والجزيرة. ونرى أن أخبار النبي الملك وصفاته اختلطت بأخبار يسوع، ثم نسب إلى الشخصية المركبة مقام إلهي. فموضع بحثنا اختلاف الزمن والسيرة وما حملته العقيدة من معنى؛ أما اجتماع الحكم والهداية في عيسى فجزء ثابت من أطروحتنا.

ويبحث جيمس تابور (James D. Tabor) في The Jesus Dynasty (2006) احتمال صلة يسوع ويوحنا معاً بانتظار المسيحين، ويعرض كولينز في The Scepter and the Star (1995) تنوع المنتظرين بين النبي والكاهن والملك. نستفيد من هذه المناقشات في فهم جمع الأدوار أو توزيعها في الذاكرة المسيحية. ثم نضيف قراءتنا الخاصة للهوية والزمن. فاجتماع الملك والكهنوت عندنا ممكن في عيسى–نبونيد، والاعتراض يتجه إلى إلحاق الألوهية بالبشر، لا إلى اجتماع الوظائف فيهم.


أربع مراحل لمصير المعرفة

يمكن الآن تتبع مصير هذه المعرفة في أربع مراحل متصلة:

الرفع: بقيت نقوش نبونيد وأخبار ملكه، لكن معرفة الناس بهويته النبوية وحقيقة رسالته تفرقت وضاعت، في القراءة التي يقترحها الكتاب. فهذا رفع للمعرفة المتصلة بالرجل، لا محو لوجوده وآثاره. وقد تحفظ ذاكرة الملوك اسماً وأعمالاً، بينما تحفظ جماعات أخرى تعليماً وسيرة لا تعود تصلها بذلك الاسم. ومن هذا الانفصال يبدأ عملنا في استعادة الصلة.

تفرّق الذاكرة: لم تكن القرون التالية صمتاً كاملاً؛ فلو انقطعت الرسالة من كل وجه لما بقي ما نبحث عنه اليوم. حملتها جماعات وروايات وطقوس وطرق في المعرفة، وتبدلت الأسماء مع اللغات والأمكنة. الذي غاب، بحسب الأطروحة، هو معرفة الأصل الجامع لهذه الأخبار، لا جميع الأخبار نفسها.

الشَّبَه: ظهر يسوع الناصري في بيئة ورثت شيئاً من هذا التراث، ونراه رجلاً صالحاً لا متعمداً لخداع الناس. ثم امتزجت أخبار حياته بأخبار المسيح الأقدم؛ وقد يبدأ الامتزاج بحسن نية قبل أن يتصل ببناء مذهبي وسلطة رسمية. وكان لبولس أثر مركزي في الصياغة التي جعلت يسوع محور الإيمان والخلاص. وفي هذا البناء، حين يحجب الأصل ويحتكر معناه، نقرأ فتنة الدجال.

عودة المعرفة: تتيح النقوش وقراءة المخطوطات ومقارنة التقاليد جمع ما كان متفرقاً. فصلاة نبونيد نص قمراني متأخر عن زمن الملك يحفظ رواية مرضه وشفائه، والآثار توثق ملكه وصلته بتيماء، وأخبار الجماعات تكشف تنوع فهم المسيح. لكل شاهد موضوعه، ومن وصل هذه الموضوعات تنشأ فرضية الكتاب. هذه هي العودة المعرفية التي نعمل لها: أن يصبح الإنسان قادراً على رؤية الصلات التي حجبتها القرون.


الرفع والنزول: حركة معرفية لا جسدية

نقرأ الرفع والنزول في مصير المعرفة بالمسيح: تغيب حقيقته عن الناس، ثم تنكشف لهم من جديد. ويفتح الاستعمال القرآني مجالاً لنزول المعنى على القلب، كما في ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ۝ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾ (الشعراء: ١٩٣–١٩٤). من هذا الباب نفهم عودة المسيح عودة حقيقته ورسالته إلى الوعي والحياة، ونصل اللفظ بالسياق الذي نقرأه فيه.

وفي هذا السياق نفهم قتل الدجال إبطالاً للخديعة بانكشاف حقيقة المسيح. فالذي يواجه منظومة محرفة يحتاج إلى ظهور الحق الذي قامت على حجبه؛ وحين يسقط ذلك الحجاب ينتهي سلطانها على من عرفه. وهذا هو المعنى الذي نستحضره من قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: ٨١).


الإنجيل: الوحي والمعرفة والكتاب

ويبقى سؤال الإنجيل الذي آتاه الله عيسى، وعلمه إياه مع الكتاب والحكمة والتوراة، كما في آل عمران ٤٨ والمائدة ٤٦. فإذا وضعنا عيسى في القرن السادس قبل الميلاد، فما صلة هذا الإنجيل بالأناجيل المدونة في القرن الأول الميلادي؟ للإجابة نرجع إلى ما يصفه القرآن بالإنجيل، ثم نميز ذلك من الكتب التي حملت الاسم لاحقاً.

ولم تَرِد الكلمةُ في القرآن إلّا مُفرَدةً مُعرَّفة، في اثني عشر مَوضِعاً: «الإنجيل» لا «الأناجيل»، ولا مُضافةً في مَوضِعٍ واحدٍ إلى اسم كاتب. وأمّا ما يُثبِته لها التنزيلُ فطَبَقاتٌ مُتمايِزة: الإنزالُ، فآل عمران ٣ تُخبِر أنّ الله أنزل التوراة والإنجيل، وآل عمران ٦٥ تَقرِن بينهما قَرْنَ النظير بالنظير وكِلتاهما مُنزَلة؛ والإيتاءُ، كما في المائدة ٤٦ والحديد ٢٧؛ والتعليمُ، كما في آل عمران ٤٨ والمائدة ١١٠؛ والاحتِواءُ، فالمائدة ٤٦ تُخبِر أنّ فيه هدىً ونوراً وموعظة، والمائدة ٤٧ تأمُر أهلَه أن يَحكُموا بما أنزل الله فيه؛ والتصديقُ لِما بين يديه من التوراة؛ والكِتابةُ عند أهله، فالأعراف ١٥٧ تُخبِر أنّهم يَجِدون وصفَ النبيّ ﷺ مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل؛ والإقامةُ، وهي في المائدة ٦٦ و٦٨ فِعلُ عملٍ يُقام؛ ثمّ نِسبةُ مَثَلٍ بعينه إليه في الفتح ٢٩. وفي مقابل هذا كلِّه ليس في القرآن حرفٌ يقول إنّ عيسى كَتَبه بيده، ولا أنّه دُوِّن في حياته، ولا أنّه أسفارٌ ذواتُ فصول.

والقراءة المعروفة عند جمهور المفسرين تجعل الإنجيل كتاباً منزلاً أوتيه عيسى، كما أوتي موسى التوراة. يسندها اقترانه بالتوراة في الإنزال (آل عمران ٦٥)، والحكم بما «فيه» (المائدة ٤٧)، والعثور على الوصف «مكتوبا» عند أهله (الأعراف ١٥٧)، ونسبة المثل إليه في الفتح ٢٩. وهي تستقيم داخل التأريخ الذي نقترحه أيضاً: أوتي عيسى الوحي في عصره، ثم تفرق سجل رسالته واندفع بعضه إلى نصوص حملت أسماء أخرى. فالبحث عن إنجيله جزء من البحث عن معرفته التي غابت صلتها باسمه وسيرته.

وتفتح أوصاف الإنجيل في القرآن وجهاً آخر متصلاً بالأول: فهو مما يُعلَّمه عيسى، وفيه هدى ونور وموعظة، ويُطلب من أهله أن يقيموه. لذلك لا نستنفد معناه حين نتصور صفحات مجموعة؛ إنه أيضاً معرفة وبشرى وطريقة في الهداية والعمل. وقد يبقى من هذا العلم في الناس ما بقي، ولو ضاع اتصالهم بمصدره أو اختلطت عندهم سيرة صاحبه. فلا تعارض بين البحث عن نصه والبحث عن المعنى الحي الذي حمله.

ويَنضمّ إلى هذه القراءة احتمالٌ لسانيٌّ نَعرِضه على سبيل الاقتراح. فالمشهورُ عند الدارسين أنّ «إنجيل» مُعَرَّبٌ عن اليونانيّة euangelion بمعنى البُشرى، دَخَل العربيّةَ عبر السُريانيّة أو الحبشيّة، وعليه آرثر جِفِري في «المُفرَدات الدَخيلة في القرآن». وقد أوردَ لسانُ العرب في مادّة ن-ج-ل قولاً آخَر: أنّ الكلمةَ على مِثال «إكليل» و«إخريط»، «وهو من الفِعل إفْعيل»، و«اشتِقاقُه من النَّجْل». وقد فسّر النَّجْلَ في ذلك المَوضِع بالأصل والطَّبْع، وفي المادّة نفسِها من حَقل الإخراج: نَجَلْتُ الشيءَ استَخرَجتُه، والنَّجْلُ الوَلَدُ والنسل، والنَّجْلُ النَّزُّ يَخرُج من الأرض، والمِنجَلُ ما يُحصَد به. فيَجوز على هذا أن تُقرأ «إنجيل» قراءةَ الآلة: ما يُستَخرَج به مَكنونُ الكتاب، مِنجَلٌ يَحصُد الحقلَ ولا يَستَبدِله؛ وهو أليَقُ بما وَصَف به القرآنُ الإنجيلَ من تصديق التوراة التي قبله. ويُناسِبه أنّ المَثَلَ الوحيدَ الذي يَنسِبه القرآنُ إلى الإنجيل في الفتح ٢٩ مَثَلُ زَرعٍ يُخرِج فَرعَه الصغير فيَشتدّ ويَقوم على ساقه، والإخراجُ مَدارُ الجِذر. ونَطرَحه على وجه الفرضيّة المفتوحة لا الإجماع؛ فالقولُ اليونانيُّ أوسَعُ انتِشاراً بين الباحثين، والتخريجانِ يَنتهيان معاً إلى بِشارةٍ تُبَلَّغ، ولا يَفصِل واحدٌ منهما في مسألة التدوين.

أما الأناجيل المتداولة فتقدم سيرة وتعليماً منسوبين إلى يسوع. وفي أطروحتنا تحتفظ هذه المدونات بمادة من أخبار عيسى الأصلية اختلطت بأخبار يسوع الناصري، فلا نسقطها كلها ولا نجعلها سجلاً صافياً لشخص واحد. ومهمة المقارنة أن تسأل عن كل مشهد: ماذا يحفظ من الخبر الأقدم، وما الذي يربطه بالسياق اللاحق؟

سواء نظرنا إلى الإنجيل من جهة النص المنزل أو من جهة العلم والهداية، يبقى سؤال الكتاب واحداً: كيف نصل ما بقي من الرسالة بصاحبها الأول؟ وإسنادها إلى عيسى في زمانه هو موضع البحث؛ أما هيئة تدوينها الأولى ومقدار ما بقي منها داخل المدونات اللاحقة فلا يحسمهما مجرد اختيار أحد الوصفين.


محمد ﷺ وتجدد رسالة المسيح

«على فترة من الرسل»

يقول تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (المائدة: ١٩). نستحضر هنا امتداد الزمن بين الرسالتين وما وقع فيه من تفرق المعنى، دون أن نستخرج من لفظ «فترة» عدداً من السنين. فتعيين زمن عيسى في هذا البحث يقوم على المطابقة التي نقترحها مع نبونيد، لا على حساب مضمر في الآية.

الفترةُ وستُّ مئةِ سنة: نصٌّ أم حساب؟

وتواجه تأريخنا رواية مشهورة تجعل الفترة بين عيسى ومحمد ﷺ ست مئة سنة. فالحساب من البعثة سنة ٦١٠م يعود إلى القرن الأول الميلادي، موافقاً تاريخ يسوع المعروف. ولأن الخبر في «صحيح البخاري»، نحتاج إلى قراءته من جهة قائله وما يقرره، ثم النظر في أصل حساب المدة.

نبدأ بالفرق بين الآية والخبر: يذكر القرآن «فترة من الرسل» (المائدة ١٩) من غير عدد للسنين. أما تحديد مقدارها فيأتي في الروايات، ونقرأه مع ما عرفه أصحابها عن زمن الشخصيتين.

أخرج البخاري الخبر في «كتاب مناقب الأنصار»، «باب إسلام سلمان الفارسي»، برقم ٣٩٤٨ في العد المشهور، عن أبي عثمان عن سلمان: «فترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم ست مئة سنة». فالقول موقوف على سلمان، لم ينسبه إلى النبي ﷺ. يثبت الإسناد نسبته إلى الصحابي، ثم يبقى تقدير المدة موضوعاً تاريخياً نبحث كيف عرفه وعلى أي تأريخ بناه.

وتكشف الأقوال الأخرى عن تفاوت في تقدير الفترة يزيد على قرنين:

  • ٦٢٠ سنة ـ وَهبُ بنُ مُنَبِّه، يَزيد عِشرين على السِتّ مئة.
  • ٦٠٠ سنة ـ سَلمانُ الفارسيّ رضي الله عنه، ويُروى مِثلُه عن قَتادة ومُقاتِل والضَحّاك.
  • ٥٦٩ سنة ـ الكَلبيّ.
  • ٥٦٠ سنة ـ قَتادة، أَخرَجه عبدُ الرَزّاق عن مَعمَر عنه، فيما نَقَله ابنُ حَجَر.
  • ٥٤٠ سنة ـ الكَلبيّ أيضاً، في رِوايةٍ أُخرى عنه.
  • «أربعُ مئةٍ وبضعٌ وثلاثون» ـ الضَحّاك.
  • ٤٠٠ سنة ـ قَولٌ بلا نِسبة، يَحكيه ابنُ حَجَر بصِيغة «وقيل».

ويذكر ابن حجر في «فتح الباري» اختلاف الأقوال، ويقول: «وتعقب بأن الخلاف في ذلك منقول». فأمامنا تقديرات متعددة، تحتاج معرفة أصولها وطريقة حسابها، إلى جانب صحة نسبتها إلى أصحابها.

وتبقى مسألة مصدر الحساب ضرورية: هل نُقلت هذه المدة بوصفها معرفة مستقلة، أم حُسبت على أساس التأريخ المتداول ليسوع؟ قد يعكس الرقم ذلك التأريخ، لكن الخبر الموجز لا يشرح طريقة حسابه، فلا نجزم بمصدر لم يذكره. الذي نستطيع قوله أن تقدير المدة ينبغي أن يُبحث مع الأدلة التي عُيّن بها طرفاها.

وجوابنا عن الست مئة سنة يبدأ من هوية من يبدأ به الحساب. فإذا كانت الرواية المتداولة قد جمعت عيسى بيسوع، كما نقترح، انعكس ذلك في تقدير الفترة. ولهذا نعيد مقابلة الأخبار بالسجل البابلي لنبونيد. ونفهم اتفاق تقاليد كثيرة على التأريخ المعروف من جهة استقرار الرواية المركبة وانتشارها؛ وهذه الصلة من أجزاء التفسير الذي نحاول بيانه بمجموع الشواهد.

دانيال 7: ابن الإنسان

وفي دانيال ٧: ١٣–١٤ نقرأ صورة «مثل ابن إنسان» يعطى سلطاناً وملكوتاً لا يزول. نقارن هذا الأفق برسالة محمد ﷺ، وما انتظم بها من جماعة ودولة وامتداد عبر البلدان. وللصورة الرؤيوية قراءات متعددة، يتجاوز بعضها الملك الأرضي. نعرض المقارنة من جهة اتساع أثر الرسالة، مع بقاء عيسى–نبونيد ملكاً في قراءتنا؛ فلا يقوم التعيين على نفي الملك عنه.

البارقليط وأحمد

يعد إنجيل يوحنا بالبارقليط، وتدل اللفظة اليونانية في النص المتاح على المعين أو الشفيع أو المعزي. وفي المقابل ينقل القرآن بشارة عيسى برسول يأتي من بعده ﴿اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (الصف: ٦). نقرأ البشارة في الكتاب ضمن معنى اكتمال الحمد وظهور المعلّم الذي يعيد وضوح الرسالة. أما الجذر ح-م-د فتتجاور فيه عبر اللغات معاني الثناء والرغبة والمحبوبية، من غير أن تصبح كل كلمة منه اسماً للنبي أو ترجمة للفظ البارقليط. مركز الاستدلال هنا هو البشارة القرآنية والقراءة الوصفية للاسم، ثم تأتي المقارنات لتوسع أفقها.

اكتمال الدائرة

تلتقي هنا خيوط الاستمرار التي يتتبّعها الكتاب: عيسى، الذي نطابقه بنبونيد في القرن السادس قبل الميلاد، ملكٌ ونبيّ حمل رسالة التوحيد وفتح طريق المعرفة والشفاء، ثم توارث الناس رسالته واختلفت الروايات عنها. وفي أطروحتنا، رُكّبت على اسم يسوع الناصري لاحقاً صورة عقدية حجبت الأصل، وكان لبولس ومن جاء بعده دور في ترسيخها. ثم جاءت الرسالة المحمدية مصدّقةً لما سبقها ومتمّمةً لطريقه: ﴿تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. وتمامها، في القراءة التي نبنيها، يشمل رقيّ الأخلاق والفكر ومعرفة الإنسان بنفسه، وفتح باب التزكية والمعرفة لمن يسلكه. فالإنسان مدعوّ إلى أن يتحقق فيه النور، وأن تظهر الرحمة والحكمة في علمه وعمله وعمرانه؛ وكل ما يتسع له من قدرة يظل بالله وبه. ومن هذا الوجه نفهم استمرار الطريق في التصوف وعودة معنى المسيح في القلوب والحياة.

ومن هنا نفهم إمكان مشاركة الإنسان في نور الهداية ومعرفة ما غاب عنه. فإذا استُعملت في هذا السياق لغة النبوة أو المسح، فالمراد معناها المجازي: الإنباء بالمعرفة والتزكية والاتصال بالغيب بإذن الله، لا نبوة تشريع ولا دعوة إلى دين جديد. وتمام مكارم الأخلاق يشمل رقي الفكر كما يشمل حسن المعاملة؛ إذ يزداد الإنسان قدرة من غير أن ينسى أن قوته بالله.


قرابة الوظيفة: ملاحظة طقسية

تلفت المقارنة بين أغطية المسكن في سفر العدد (٣: ٢٥–٢٦) وكسوة الكعبة إلى عناية التقاليد الدينية بحفظ حرمة المكان وخدمته. يذكر النص وظيفة بني جرشون في الأغطية والستائر، وتستمر في التقليد الإسلامي خدمة البيت وتجديد كسوته. نرى في ذلك مدخلاً إلى مقارنة معنى الخدمة والتكريس، مع اختلاف الموضع والطقس والتاريخ.

يفتح التشابه سؤالاً عن استمرار معاني البيت والحفظ والخدمة في تراث إبراهيم وبني إسرائيل والعرب. أما نسب الخدام وطريق انتقال كل طقس فنبحثهما بأخبارهما، إلى جانب هذه المقارنة في الوظيفة الدينية.

الفصل ٢٥ ـ الخاتمة: خيوط الكتاب تتقاطع

ما انتَهَينا إليه

بعد هذه الرحلة عبر الفصول، تتضح الأطروحة التي جمعت خيوط الكتاب: البحث عن حقيقة عيسى ابن مريم وراء الأسماء والروايات التي تفرقت في الذاكرة الدينية.

نقترح أن عيسى ابن مريم عليه السلام هو الملك الذي تحفظه السجلات البابلية باسم نبونيد، وأن محنته ومعرفته وصلته بتيماء جزء من سيرة نبوية غابت هويتها الجامعة. ونقرأ في صور زرادشت وغوتاما ولاوتسو روايات محتملة عن الشخصية نفسها، حملتها اللغات والبلدان بوجوه مختلفة؛ وقد يكون ذلك بسفر صاحبها أو بانتقال تلاميذه واندماج أخبارهم بأخباره. ثم نرى أن مادة من تلك السيرة الأقدم انتقلت إلى أخبار يسوع الناصري، الرجل الصالح الذي عاش بعده بقرون. ومن وراء هذا الانتقال تشكل بناء عقدي حجب أصل الرسالة، حتى أعاد القرآن طرح السؤال عن المسيح وحقيقته.

في الجانب التاريخي، بدأنا بما تحفظه الآثار عن نبونيد وملكه وتيماء، ثم جمعنا القرائن التي نرى أنها تصله بعيسى. ومع الانتقال إلى الروايات الآسيوية اتسع البحث في الأسماء وطرق حمل القصص. فلكل صلة مادتها، ويستطيع القارئ العودة إليها في موضعها ومناقشة ما تقوم عليه؛ ومن مجموعها تتكون الصورة التي قدمناها.

تضافرت في هذا العمل قراءة اللسان، ومقارنة الأخبار، ودراسة الأثر والمكان. وقد أضاء كل منها جوانب لا يكشفها الآخر وحده، فصار من جمعها إمكان لرؤية ما تفرق في المصادر.


السلاسل الثلاث

في اللسان عدنا إلى أسماء عيسى ومريم والمسيح، وما يقابلها أو يقاربها في التقاليد الأخرى. بدأنا بالمادة المعجمية، ثم اقترحنا استرداد ألفاظ ومعان نرى أن النقل حجبها. وهكذا عاد الاسم الذي ألفنا تلقيه إلى السؤال، وصار فهمه متصلاً بالنص والبيئة والتاريخ.

وفي التاريخ بدأنا بنبونيد، ملك بابل بين ٥٥٦ و٥٣٩ ق.م، الذي أقام في تيماء نحو عشر سنوات من عهده. ثم قابلنا صلاة نبونيد، الرواية القمرانية اللاحقة عن محنته، بأخبار عيسى ويحيى وزكريا، وتابعنا صور المسيح لدى الجماعات. ومن اجتماع الملك والشفاء والتعليم والخلاف في الهوية بنينا المقارنة، وما زالت فيها حلقات تدعو إلى استكمال البحث.

وفي الجغرافيا، أعادت تيماء وحران وبابل والواحات العربية توجيه النظر إلى المجال الشرقي الذي تحرك فيه الملك وتداولت فيه الجماعات تراثها. ثم ظهرت الحيرة وغيرها في تاريخ انتقال المعرفة اللاحق. لا يجعل ذلك كل موضع محطة مثبتة من رحلة واحدة؛ فما زال بلوغ نبونيد مكة أو يثرب سؤالاً مفتوحاً. لكنه يردّ إلى هذا المجال دوره في القصة التي يبحثها الكتاب.


آليّةُ التَحريف: من المسيح إلى المسيخ

لم تتكون صورة المسيح الكنسية في خط واحد بسيط، ولا بدأ كل عنصر منها في التاريخ نفسه. نجد في رسائل بولس المبكرة مكانة ليسوع تتجاوز النبوة البشرية، ونجد في الأناجيل أخباراً وطبقات مختلفة، ثم نرى المجامع تصوغ الاعتقاد وتربطه بحدود الجماعة وسلطان الدولة. لذلك نبحث التحريف في انتقال الخبر وتغيير معناه وفرض تأويله معاً. ومقياسنا هنا لا يرفض لغة النور والكلمة لمجرد علوها، بل يسأل عما تصنعه بعلاقة الإنسان بالله: أتفتح طريق المعرفة والعبودية، أم تحصر حقيقة النور في صورة مؤلَّهة تحتكرها مؤسسة؟


شهادات تلتقي وأسئلة تصل بينها

نقرأ ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ مفتاحاً للتمييز الذي انطلقنا منه. وإلى جانبه تحفظ الآثار سيرة الملك، وصلاة نبونيد محنته، والجماعات اختلاف صور المسيح، والتقاليد الشرقية أخبار المعلم والحكيم. وصلُ هذه المواد هو عمل الكتاب؛ أما «المسيح» و«المسيخ» فهما صورتنا الأدبية للفرق بين الأصل وما طرأ عليه، كما بينا في مواضعهما.


موضعنا من الدراسات السابقة

وقد أفدنا في هذا الطريق من دراسات غربية أعادت بحث النصوص المسيحية وتاريخها وصور المسيح فيها. التقت أسئلتها بأسئلتنا في مواضع، ثم افترقت أجوبتنا في مواضع أخرى، ومن هذا التلاقي والاختلاف تبينت إضافتنا.

تختلف مناهج الباحثين الذين أفدنا منهم: يدرس إرمان تنوع التصورات المبكرة وتاريخ نسبة بعض الكتابات، ويجعل مكّوبي لبولس دور المؤسس في الصياغة المسيحية الجديدة، ويعيد فيرمس يسوع إلى بيئته اليهودية، وتبحث باجلس التعدد والصراع على تعريف الاعتقاد الصحيح. ويذهب برايس وماكدونالد بعيداً في دراسة البناء الأدبي والمقارنة بالنصوص الأقدم. هذه دراسات وأطروحات نناقشها، وليست نتائج متفقة على هوية بديلة واحدة للمسيح.

سؤالنا الخاص هو ما إذا كانت وراء بعض المادة الإنجيلية سيرة أقدم بقرون، وما إذا كان نبونيد طرفاً تاريخياً يمكن أن يعيد وصل تلك السيرة. بهذا السؤال نفارق كثيراً من الباحثين الذين استعنا بأعمالهم. فنحن نستفيد من نقدهم ونقدم اقتراحنا، ولا ننسب إليهم الموافقة على المطابقة التي نبنيها.


ما يبقى مفتوحاً

وتبقى مسائل يحتاج فيها البحث إلى مزيد من الجمع والتحقيق.

يبقى التأريخ الدقيق من أكبر أسئلة المطابقة: كيف نجمع الحوليات الملكية بأخبار المحنة والتعميد والدعوة؟ وأين يقع زكريا من هذا التسلسل، مع ما يثيره تأريخ سفره من فجوة؟ تعيين القرن السادس قبل الميلاد إطاراً للبحث لا يغني عن حل هذه التفاصيل.

وفي الجغرافيا نتابع سؤال المولد: أكان في وادي النخلة بالحجاز وتهامة، أم على ضفاف الفرات، أم في تيماء التي بقيت فيها آثار نبونيد؟ لكل تعيين ما يدعو إلى فحصه في النص والمكان.

ثم يبقى طريق انتقال الذاكرة: كيف وصلت أخبار المسيح من بيئتها السامية الأولى إلى فلسطين الرومانية، وكيف اجتمعت هناك بأخبار يسوع وأعيد تفسيرها في صورة الإله المتجسد؟

وفي المصادر نبحث عما يضيفه كنزا ربا وغيره من النصوص المندائية: أي تفاصيل لم تدخل المقارنة العربية بعد، وأي مواضع تحتاج إلى قراءة أدق في أصلها وترجماتها؟

أبحاث يمكن أن تواصل الطريق

يتقدم هذا البحث حين تتحول الصلات المقترحة إلى أسئلة يمكن فحص مادتها. ومن أكثرها نفعاً في المرحلة التالية:

  • مقابلة الأسماء بأقدم صيغها في النقوش والمخطوطات، مع تتبع التحولات الصوتية والمعاني المستعملة في كل بيئة.
  • إعادة جمع أخبار نبونيد الدينية والملكية، ومقارنة روايات مرضه بأخبار التعليم والشفاء والتعميد، من غير ملء فجوات النصوص سلفاً.
  • دراسة كيف انتقلت القصص بين الجماعات، وأي تفاصيل انفرد بها كل مصدر وأيها يمكن أن يكون منقولاً.
  • جمع روايات المجوس والميلاد والتابوت وآثار الأنبياء من أصولها، وتمييز طبقاتها وطرق روايتها.
  • استكمال قراءة النصوص المندائية والكليمنتيات، مع الاستفادة من الترجمات الموجودة والرجوع إلى الأصول في مواضع الخلاف.
  • بحث صور المسيحين في نصوص قمران قبل تعيين أصحابها، وجمع الشواهد الشرقية على لغة النور والعقل والكلمة.
  • تتبع أخبار الجماعات العربية وطرق انتقال المعرفة في الحيرة وحران والحجاز، وصلتها ببيئة الدعوة المحمدية.

وكل من يتابع مسألة من هذه المسائل يشارك في الكشف الذي نريده. فما قدمناه يفتح عملاً آخر، وقد تعيد دراسة صغيرة في اسم أو نقش ترتيب جانب واسع من الصورة.


الإضافة الأصيلة

نستند إلى أعمال سبقتنا في تحقيق الأجزاء: دراسة شوبس للأبيونيين، وتحقيق بوليو لتاريخ نبونيد، ونشر ميليك لصلاة نبونيد، وبحوث آيزنمان في يعقوب والجماعات المبكرة، ودراسة لوسن لتاريخ تفسير آية الصلب. لكل عمل منها موضوعه ومنهجه ونتائجه التي تحتمل النقاش؛ وإضافتنا المقترحة هي جمع الأسئلة التي تثيرها حول الذاكرة والهوية، ثم اختبار صورة جديدة لما يصل بينها.

نعمل إذن بالجمع والمقارنة: نصل التاريخ باللسان، والنقش بالرواية، والجغرافيا بالذاكرة، ونقرأ ذلك في ضوء القرآن. ويقوى هذا الجمع حين يفسر تفصيلاً كان غامضاً، وحين يبقى قابلاً للمراجعة إذا ظهر ما يغيره. فغاية النسيج أن يتيح رؤية الصلات، لا أن يمنع إعادة النظر في خيط منها.


باب البحث يبقى مفتوحاً

قدمنا ما انتهينا إليه، وبقي أن يقابل بما نعرف وما سيظهر من مادة لم نطلع عليها. نرحب بما يوضح الصلة وبما يكشف خطأ فيها، لأن مقصدنا أن نزداد قرباً من الحقيقة وفهماً لكتاب الله. وقد يصح أصل نظر وتحتاج تفاصيله إلى تصحيح، وقد يفتح الاعتراض نفسه طريقاً لم نكن نراه. بهذه الروح نضع الكتاب بين يدي قارئه.


الكلمة الأخيرة

حين نقرأ ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ على عود الضمير إلى عيسى عليه السلام، كما ذكر ابن كثير وغيره، نرى في كشف حقيقته واستعادة معنى رسالته باباً من علوم زمن الساعة الذي شرحناه: زمن تتسع فيه معرفة الإنسان بنفسه وقدرته على الوصول إلى ما حُجب عنه. وتظل غاية هذا الاتساع أن يهتدي العلم والقلب معاً، وأن تعود القوة إلى خدمة الرحمة والعمران. يسعى هذا الكتاب بتواضع إلى المساهمة في ذلك الكشف، وفتح باب البحث الذي نرجو أن يصل الذاكرة بالمعنى والحياة.

عيسى ابن مريم عليه السلام، في القراءة التي يختم بها هذا الكتاب رحلته، نبي وملك ندعوه باسمه القرآني ونبحث عن سيرته في أخبار نبونيد. ونقترح أن صورته رويت في بلدان أخرى بأسماء زرادشت وغوتاما ولاوتسو، وأن أخباراً منها انتقلت لاحقاً إلى سيرة يسوع الناصري. بقيت آثار الرجل وتفرق العلم بحقيقته، ثم حفظ القرآن اسمه ورسالته وفتح لنا باب إعادة السؤال. وما نرجوه هو أن تصل هذه القراءة بين بقايا الذاكرة ومعنى الهداية.

والعودة التي نعمل لها أن تنكشف رسالة المسيح في المعرفة والقلوب والحياة. فكلما اتضحت الصلة بين صاحب الرسالة وما بقي من خبره، ضعفت الحجب التي أحاطت به. ونرجو لهذا الكتاب نصيباً في ذلك المسير: أن يعود المسيح إلى معرفة الناس، وأن يعود العلم به إلى أثر من هداية ورحمة في حياتهم.


اللهم إن كنا اجتهدنا صادقين فاغفر تقصيرنا ونقصاننا. وإن أخطأنا فأرنا الخطأ بوضوح وبيان. وإن كان ههنا حق فثبتنا عليه وانشره في القلوب. وإن كان ههنا باطل فسارع إلى نفيه والقضاء عليه.

﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: 29)

﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81)

والله أعلم وأحكم بحكمته البالغة.


ملحق ١: صلاة نبونيد (4Q242) ـ شاهدٌ آراميٌّ على جذور الشفاء بالمغفرة

تحفظ «صلاة نبونيد» (4Q242) رواية آرامية عن ملك بابل ومرضه في تيماء، يرد فيها ذكر المغفرة وشخص يوصف بأنه «گازر» يهودي. وهي من أهم النصوص التي نقابل بها أخبار المحنة والشفاء، لأنها تحمل اسم الملك والمكان معاً. أما هوية الرجل المرافق له، وصلته بيحيى، وكيف نفهم الرواية في ضوء السجل الملكي، فهذه أسئلة القراءة التي نبنيها.

حالة الشذرات وطريقة عرضها

وصلت الصلاة في شذرات جلدية من الكهف الرابع بقمران، لا في مخطوطة تامة. نعرض هنا النقحرة التي أوردها تاكوما سوغي متبعاً طبعة جون كولينز في DJD XXII، ثم ترجمة عربية لها. الأقواس المعقوفة تميز الحروف والكلمات المستعادة؛ والفراغ الذي لا يستكمل يبقى فراغاً. وتختلف بعض الترميمات بين المحققين، وخصوصاً في وصل جمل المغفرة والشفاء.

بقيت من أول النص أجزاء العنوان وخبر المرض والسنوات السبع في تيماء، وفقدت مواضع أخرى حروفاً وكلمات، وأحياناً ما يتسع لكلمتين أو ثلاث. لذلك يدل [...] على فجوة لم تستكمل، ويدل [النص بين الأقواس] على ترميم مقترح بحسب السياق. وبهذه العلامات يستطيع القارئ أن يرى موضع الحرف الباقي وموضع القراءة التي تصل ما انقطع.

نقابل النص بطبعة كولينز (١٩٩٦، ص ٨٣–٩٣)، وبما في The Dead Sea Scrolls Study Edition لغارثيا مارتينث وتيغشيلار من نصوص وترجمات. ثم ننتقل إلى مقارنتنا بأخبار الأنبياء. أما المشهد الأدبي الوارد بعد النص فيقرب تجربة المحنة كما نتخيلها، ولهذا يفصل عن الترجمة والتحقيق.

المادة التي بقيت من الصلاة

يحفظ النص اسم الملك والموضع، ومرضاً يمتد سبع سنين، والمغفرة، وشخصاً يوصف بأنه «گازر» يهودي، وأمراً بالإخبار والكتابة لتعظيم اسم الإله. وترد فيه أيضاً آلهة من مواد مختلفة، وهو تفصيل سنعود إلى دلالته. أما عجز الأطباء والسحرة، وشباب المرشد وعمله في القصر، فلا تصرح بها الشذرات الباقية.

النَقحَرةُ والتَرجمةُ الحَرفيّة

هذه نقحرة الحروف الآرامية سطراً بعد سطر، بحسب الدراسة المفتوحة التي تتبع طبعة كولينز في DJD XXII (١٩٩٦). وتحيط الأقواس بما استكمله المحقق من المواضع المفقودة:

(1)  mly ṣ[l]tʾ dy ṣly nbny mlk [bb]l mlk[ʾ rbʾ kdy ktyš hwʾ]
(2)  bšḥnʾ bʾyšʾ bptgm ʾ[lh]ʾ btymn[ʾ ʾnh nbny bšḥnʾ bʾyšʾ]
(3)  ktyš hwyt šnyn šbʿ wmn [dy] šwy ʾ[lhʾ ʿly ʾnpwhy wʾsʾ ly]
(4)  wḥṭʾy šbq lh gzr whwʾ yhwdy m[n bny glwtʾ ʿl ly wʾmr]
(5)  hḥwy wktb lmʿbd yqr wr[bw] lšm ʾ[lhʾ ʿlyʾ wkn ktbt ʾnh]
(6)  ktyš hwyt bšḥnʾ b[ʾyšʾ] btymn [bptgm ʾlhʾ ʿlyʾ]
(7)  šnyn šbʿ mṣlʾ hwy[t qdm] ʾlhy kspʾ wdhbʾ [nḥšʾ przlʾ]
(8)  ʾʿʾ ʾbnʾ ḥspʾ mn dy [hwyt sb]r dy ʾlhyn h[mwn]
(9)  [      ]t [ ]myhwn[

وتَرجَمتُها الحَرفيّةُ، مع إبقاء الأَقواس في مَواضِعها:

(١) كَلِماتُ الصَ[لا]ةِ التي صَلّاها نَبوناي مَلِكُ [باب]ل، المَلِ[كُ العَظيم، حينَ كان مَضروباً]
(٢) بقَرحٍ خَبيثٍ بأمرِ الإ[لـ]ه في تَيما[ء. أنا نَبوناي، بقَرحٍ خَبيثٍ]
(٣) كُنتُ مَضروباً سَبعَ سِنين، ومِن [حينِ] أن وَجَّه الإ[لهُ إليَّ وَجهَه، شَفاني]
(٤) وخَطيئَتي غَفَرها له. وكان «گازِر»، وهو يَهوديٌّ مِ[ن بَني الجَلاء، أتاني وقال:]
(٥) «أخبِر واكتُب، لتَصنَعَ كَرامةً وعَ[ظَمةً] لاسم الإ[لهِ العَليّ». وهكذا كَتَبتُ: أنا]
(٦) كُنتُ مَضروباً بقَرحٍ خ[َبيثٍ] في تَيماء [بأمرِ الإلهِ العَليّ،]
(٧) سَبعَ سِنين. كُنتُ أُصَلّي [أمامَ] آلهةِ الفِضّةِ والذَهَبِ [والنُحاسِ والحَديدِ]
(٨) والخَشَبِ والحَجَرِ والطينِ، لأنّي [كُنتُ أَحسَ]بُ أنّها آلِهة[ٌ]

نقرأ في النص اسم الملك وتيماء والمحنة والمغفرة. أما عبارة الشفاء التي يصل بها السطر الثالث فهي من الترميم، ولذلك لا نستخرج من ترتيب الأسطر وحده أيهما سبق: المغفرة أم العافية. المقارنة التي نبنيها تتعلق باجتماع هذه المعاني في الرواية، مع قراءة الوصل بينها على وجوهه.

والسطر الرابع موضع خلاف: في النقحرة «وخطيئتي، غفرها له»، وهي عبارة يتوقف فهم ضمائرها وصلتها بما بعدها على قراءة السياق المفقود. فمن المحققين من يصل المغفرة بالفعل الإلهي السابق، ومنهم من يجعل للگازر دوراً مباشراً في إعلانها. ندرس الوجهين، ولا نجعل ترجيح أحدهما شرطاً لوجود الصلة بين المحنة والمعرفة والمغفرة.

المصدر: Sugie Takuma, “Nabonidus and the Curse of the Moon-God: On the Relationship between Daniel 4 and the Prayer of Nabonidus”, Bulletin of the Society for Near Eastern Studies in Japan 61/1 (2018), pp. 1–12، والنص في ص ٢. الدراسة والنص المنشور.

يقوم الخط الآرامي هنا على اثنين وعشرين حرفاً. وبالمقابلة مع العربية تتضح ألفاظ مألوفة وراء اختلاف الصوت: «دهب» بإزاء الذهب، و«أرعا» بإزاء الأرض. نتتبع هذه الفروق بوصفها من تاريخ الألسن وتحول أصواتها؛ فهي التي تعيد إلى القارئ صلة ما يبدو غريباً بما يعرفه من لغة قريبة.

ومن الألفاظ التي بقيت حروفها خارج أقواس الترميم:

  • וחטאי (وَحَطّاي)، «وخطيئتي»: قرابة ظاهرة بين لفظ الخطيئة الآرامي والعربي.
  • ודהבא (وِدَهَبا)، «والذهب»: تقابل الدال الآرامية مع الذال العربية في هذا اللفظ.
  • די (دي)، أداة صلة آرامية: تقارن بصيغ الموصول في اللغات السامية، ومنها «ذي» العربية.

ونجد أيضاً ألفاظاً تستعمل العربية الشائعة مقابلات من جذور أخرى: כספא «كسپا» للفضة، وפרזלא «پرزلا» للحديد، وאבנא «أبنا» للحجر، ثم פתגם «پتغام» للأمر أو الكلمة، وهو مما دخل الآرامية من الفارسية. فالمقارنة تكشف المخزون المشترك، وتكشف معه ما اختلف في الاستعمال وما دخل بالنقل. ومن معرفة الأمرين معاً تتضح صورة هذا اللسان وصلته بالعربية.

ويصل «شبق»، في سياق المغفرة، الشذرةَ باستعمال سرياني معروف في صلاة الرب: «وشبوق لن حوباين» (متى ٦: ١٢ في البشيطا). اختلفت الصيغة وبقي معنى الترك والإعفاء. يفيدنا ذلك في تاريخ اللسان الديني، ثم نبحث طريق انتقال الصلاة إلى الأديرة بأخبارها، ومنها أديرة الحيرة.

واختلف اسم الملك نفسه بين «نبني» في الصلاة و«نبو–نائد» في الأكدية. يبين هذا كيف يتبدل الاسم عند انتقاله بين الألسن. ومن هنا تأتي أهمية جمع صوره المؤرخة، حتى نفهم مواضع الحذف والتغير في كل اسم نقارنه.

وتقدم واحات نقش حران مثالاً عملياً لفحص قراءة الأعلام: تيماء، وددان، وفدك، وخيبر، ويديع، ويثرب. فهذه أسماء وردت في أثر مؤرخ، ويمكن مقارنة صورها القديمة بما عرف لاحقاً من مواضعها وألفاظها. ومن المفيد أن يبدأ بها اختبار المنهج، لأنها تتيح مقابلة القراءة بمادة يمكن مراجعتها.

مشهد أدبي مستوحى من المحنة

المشهد الآتي من إنشاء الكاتب، يستلهم محنة نبونيد كما يقرؤها تجربة سلوك وصبر. وهو مستقل عن ترجمة الشذرات وعن استكمال ما فقد منها.

كان الملك، في هذا المشهد، ينظر إلى ما اجتمع له من سلطان فلا يجد فيه ما يرفع ألم الجسد أو وحشة السؤال. لم تنقطع صلته بربه، لكن المحنة كانت تفتح فيها باباً لم يعرفه من قبل.

مضت عليه الأعوام وهو يتعلم الصبر، ويختبر الفرق بين أن يعرف الإنسان اسم ربه وأن يسكن قلبه إلى معيته. كلما ضاقت عليه أسباب القوة الظاهرة، عاد إلى القوة التي لا يملكها ملك ولا يمنحها عرش.

وجلس إليه مرشد من أهل المعرفة يعينه على تمام ما اختير له. في صورة هذا المرشد نلمح يحيى الذي يهيئ الطريق، وفي الماء معنى التطهر وبداية طور جديد. كان الملك يتلقى، وهو المختار صاحب السلطان، ما لا يغنيه سلطانه عن تعلمه.

ثم انفتح باب العافية، فاجتمع شفاء الجسد بانكشاف المعنى. لم تعد المحنة في عينه زمناً ضائعاً، بل طريقاً عرف فيه مولاه وعرف ضعف نفسه. ومن هذا العلم يخرج إلى الناس بالرحمة، يحمل لهم من الهداية والشفاء ما ذاق أثره في حياته.

قراءة النص في سياقه

لغةُ النصّ وصيغتُه الملوكيّة

تأخذ الرواية هيئة إعلان ملكي: تتكلم بلسان الملك وتذكر لقبه في العنوان. هذه طريقة في حفظ خبره، وقد وصلت في نسخة قمرانية بعد عصره بقرون. نقارنها بالنقوش الأقرب إلى زمانه لنعرف كيف صيغت ذاكرته الدينية، وما الذي بقي فيها من السيرة.

الدعاء والشفاء في بناء الرواية

تجمع الرواية بين الدعاء والمغفرة وتعظيم اسم الإله. ولا تخبرنا الشذرات بفشل الأطباء، فيبقى البحث في الشفاء أوسع من خصومة مفترضة بين الطب والإيمان. نرى المعرفة الشفائية نفسها من الفتح الإلهي، والأسباب التي يتعلمها الإنسان من عطاء الله.

المرشد الذي لم يبق اسمه

نقترح للگازر هوية يحيى، لأننا نقرأ نبونيد عيسى، ونصل محنته بأخبار التعليم والتعميد. فالاسم يأتي من المقارنة، بينما بقي في الشذرة وصف الوظيفة. وقد يكون الاسم ورد في موضع ضائع، أو اكتفت الرواية بالصفة؛ ولا تتيح المادة الموجودة ترجيح أحد الوجهين.

الشفاء مقروناً بالمغفرة

في مرقس ٢: ١–١٢ تعلن مغفرة خطايا المفلوج ويشفى، وفي صلاة نبونيد تجمع الرواية المحنة بالمغفرة واسترداد الحال. نقرأ هذا التقارب لفهم لغة الشفاء الدينية وعلاقة الجسد بالنفس، مع بقاء تفاصيل كل قصة وعباراتها في موضعها.

التوازي البنيويّ مع الأناجيل

وقد تنتقل صورة الشفاء من تقليد إلى آخر، أو تعود إلى ذاكرة مشتركة تتنوع رواياتها. هذا ما نبحثه عند مقابلة القصتين. ثم يضيف الكتاب سؤال صاحب السيرة الأقدم، فيربط النمط القصصي بما جمعه من الأسماء والتاريخ والجغرافيا.

من نشر النص إلى اختلاف قراءاته

نشر ميليك الصلاة سنة ١٩٥٦، ثم توالت مناقشات ترتيب الشذرات وترميمها وفهم عباراتها. ومن الأعمال الأساسية دراسة كروس سنة ١٩٨٤ وطبعة كولينز سنة ١٩٩٦. اختلاف القراءات بينها جزء من تاريخ النص المنشور، وليس علامة على امتلاكنا نصاً كاملاً اختلف الشراح في تأويله فقط.

ويضع تأريخ الخط الشذرات الباقية في القرن الأول ق.م، مع اختلاف في تضييق المدى داخله؛ أما زمن إنشاء الرواية فيبحث بمقارنتها بدانيال وبالتقاليد البابلية. ويمكن مقابلة ترتيب النص وقراءته أيضاً بالعرض الذي أعده أندرو بيرين عن الشذرات وصورها، مع الرجوع إلى طبعة كولينز. (بيرين، «صلاة نبونيد».) وقد بسطنا في الفصل الخامس المقارنة بين الملكين، ثم بين الصلاة وأخبار التعميد، لتقرأ الرواية هنا في ضوء تلك التفاصيل.

وتقع الصلاة أيضاً داخل البحث الأوسع في إعلان المغفرة بواسطة بشرية. يعالج توبياس هاجرلاند هذا الباب في Jesus and the Forgiveness of Sins (Cambridge University Press, 2012). ويهمنا منه السؤال عن الفرق بين مَن يعلن عفو الله ومَن يدعي سلطاناً مستقلاً عنه؛ وهو فرق ينسجم مع إنصاف لغة الوساطة والهداية في التقاليد التي نقارنها.

شهادةُ التلمود البابليّ

وفي التلمود البابلي، نداريم ٤١أ، خبر يصل قيام المريض من مرضه بمغفرة خطاياه، استناداً إلى المزمور ١٠٣. نضعه إلى جانب صلاة نبونيد والخبر الإنجيلي، لنرى امتداد المعنى في التقليد اليهودي أيضاً. ثم نميز تاريخ تدوينه المتأخر من العصور التي نبحث فيها عن نشأة الفكرة.

السياق التاريخيّ للدولة البابليّة

بين بول–ألان بوليو، في دراسته الصادرة عن ييل (Beaulieu, Yale 1989)، تاريخ نبونيد الملك وإقامته الطويلة في تيماء بشمال الجزيرة، داخل السعودية اليوم. وتؤكد السجلات غيابه عن بابل سنوات من حكمه. يلتقي هذا الإطار المكاني والتاريخي مع رواية الصلاة، فيمنح المقارنة أساساً خارج النص القمراني نفسه.

المصادر الأرشيفيّة التي تُسنِد النصّ

ومن أهم الوثائق «سجلات نبونيد» (Nabonidus Chronicle)، المحفوظة في المتحف البريطاني برقم BM 35382، وتعرض أحداث عهده وإقامته في تيماء، ونشر نصها في Livius.org ضمن ABC 7. وتضاف إليها مسلة نبونيد من تيماء، المدرجة في CDLI برقم P519700، شاهداً من المكان على حضور الملك. أما «حجر تيماء» (The Tayma Stone)، في اللوفر برقم AO1505، فيحمل نقشاً آرامياً يرجع إلى القرن الخامس قبل الميلاد، عن تنظيم العبادة والإصلاحات الدينية في الواحة. وتوسع منشورات التنقيب السعودي الألماني، بالتعاون مع معهد الآثار الألماني (DAI)، هذه المادة في Taymāʾ I–III، بما تجمعه من نقوش وآثار ودراسة للبيئة عبر العصور. لكل وثيقة موضعها وزمنها، ومن مقابلتها نعرف تاريخ الواحة الذي تقع فيه رواية الصلاة.

صدى القصّة في القرآن الكريم والذاكرة العربيّة

وتحفظ الصلاة أيضاً صورة تختلف عن قراءتنا لنبونيد، حين تنسب إليه الدعاء لآلهة الفضة والذهب وغيرها. أبقينا العبارة في النص، وننظر فيها على أنها جزء من رواية متأخرة عن الملك، قد تحمل حكم ناقليها عليه. ثم نقابلها بالسجلات وبأخبار الخصومة حوله. والذي نراه في أصل المحنة امتحاناً وترقياً في المعرفة، ويظل الفرق بين تفسيرنا وصورة الرجل في الرواية ظاهراً في هذه المقابلة.


هل إعلان المغفرة يقتضي الألوهية؟

يسأل بعض الكتبة في قصة المفلوج عند مرقس: من يغفر الخطايا إلا الله؟ ومن هذا السؤال نقارن حضور الرجل ذي الوظيفة الدينية في صلاة نبونيد. فما الذي يفعله من يعلن المغفرة: أيبلغ عفو الله، أم يدعي لنفسه سلطاناً مستقلاً؟ بهذا التفصيل نقرأ الإعلان البشري قبل أن نقرر معناه العقدي.

إذا كانت المغفرة في السطر الرابع منسوبة إلى الله، بقي للمرشد توجيه الملك إلى الإعلان والكتابة. وإذا وصلت القراءة إعلان المغفرة بالمرشد، بحثنا معنى الوساطة في الفعل الإلهي. وفي الوجهين تبين الوظيفة ما ينسب إلى صاحبها وما يستمده من ربه.

ونتابع هذا السؤال في المجال الديني الذي جمع العلم والشفاء وعفو الله، سواء أثبت بين الصلاة ومرقس نقل مباشر أم بقيت الصلة في التراث المشترك. ثم ننظر كيف تغير تفسير الأفعال حين دخلت في بناء عقدي لاحق.

يتصل هذا بميزان الكتاب في لغة النور والكلمة: علو الوظيفة لا يعني استقلال صاحبها عن الله. ولهذا نحاول استرداد معنى الولاية والهداية والشفاء قبل أن نتتبع كيف تحول بعض التعبير عنها إلى دعوى تأليه.


موقع الصلاة من الحجة

تجمع الصلاة اسم الملك وتيماء والمحنة في رواية دينية، فنقابلها بأخبار الأنبياء. ونقرأ نبونيد المريض في موضع عيسى، والمرشد في موضع يحيى. هذه هي إضافتنا إلى المادة: يصل النقش الملك بتاريخ معلوم، وتحفظ الرواية محنته، ثم تبحث المقارنة عن الهوية النبوية التي نرى أنها غابت عنه. ومن اجتماع هذه الجهات تستمد الصلاة مكانها في الكتاب.


ملحق ٢: الكرونولوجيا الشاملة ـ من القرن السادس ق.م إلى القرن السابع الميلاديّ

المقدمة

هذا الملحق يقدم خريطة زمنية مفصّلة تغطي نحو ألف وَمِائتي سنة من التاريخ الديني والحضاري. تركز على التقاطعات بين التاريخ البابلي والعبري واليهودي-المسيحي والإسلامي. توضّح هذه الخريطة كيفية تشابك الأحداث الكبرى من سقوط بابل إلى بعثة سيدنا محمد ﷺ.

طريقة استعمال الجدول

نعرض الوقائع والنصوص بحسب تواريخها المتداولة، ثم نبين في العمود الأخير كيف نقرأها في الكتاب. هكذا يظهر التأريخ إلى جانب المطابقة التي نقترحها بين عيسى ونبونيد وتفسيرنا لانتقال الذاكرة. ويظل تاريخ نسخ المخطوطة متميزاً من زمن تأليف القصة وزمن صاحبها.

الخريطة الزمنيّة المفصَّلة

تعين هذه المحطات على متابعة التسلسل والرجوع إلى الفصول التي تفصل مصادره وصلاته.

الحقبة البابليّة والعصر المحوريّ ـ ٦٠٥-٤٥٠ ق.م

التاريخ والمكانالحدث أو النصصلته بالبحث
القرن السادس ق.م؛ بابل ويهوذاتهجير جماعات من يهوذا إلى بابل، وسقوط القدس في عهد نبوخذنصر الثاني.يراجع الكتاب معنى المنفى في ضوء الأصول الرافدية الأقدم، مع الإقرار بوقوع التهجير.
٥٥٦–٥٣٩ ق.م؛ بابلعهد نبونيد، آخر ملوك بابل قبل الحكم الفارسي.نطابقه بعيسى ونقرأ تعظيمه سين في إطار تصورنا للتوحيد، مع عرض ألفاظ النقوش كما وردت.
منتصف القرن السادس ق.م؛ تيماءإقامة نبونيد نحو عشر سنين في تيماء؛ تختلف التفاصيل المقترحة لبدايتها.المجال التاريخي والجغرافي لرواية المحنة.
القرنان السادس والخامس ق.م بحسب تقديرات مختلفة؛ الهندالتواريخ التقليدية والبحثية لحياة بوذا غير متطابقة.نقارن سيرته بسيرة المسيح، ونبحث احتمال اختلاف التأريخ مع انتقال الرواية.
تقليدياً القرن السادس ق.م؛ الصينوضع لاوتسو في هذا العصر تقليد متنازع في دقته، وتأليف داو ده جينغ مسألة أخرى.مقارنة صورة الحكيم والطريق، لا تزامن تقويمي محسوم.
القرن السادس ق.م؛ فرضية الكتابعيسى ابن مريم هو نبونيد في المطابقة المقترحة.التعيين المركزي الذي تُقرأ عليه بقية الصلات.
٥٣٩ ق.م؛ بابلاستيلاء كورش على بابل؛ تروي أسفار عزرا سياسة السماح بالعودة والبناء.بداية سياق سياسي جديد؛ أسطوانة كورش لا تسمي اليهود أو القدس.
العصر الفارسي؛ القدسإتمام الهيكل الثاني نحو ٥١٥ ق.م، ثم نشاط عزرا ونحميا وفق روايات وتواريخ محل بحث.دراسة إعادة تنظيم الجماعة والنص والشريعة، دون نسبة تدوين التوراة كله إلى سنة واحدة.

الفترة البينيّة والقرن الأوّل الميلاديّ ـ ٤٥٠ ق.م إلى ١٠٠م

التاريخ والمكانالحدث أو النصصلته بالبحث
العصران الهلنستي والروماني المبكرتعدد النصوص الرؤيوية والجماعات وطرائق انتظار الخلاص.خلفية للبحث في انتقال الذاكرة، لا برهان على انقطاع كل دعوة نبوية.
القرون الأخيرة ق.م والقرن الأول م؛ قمراننسخ مؤلفات قديمة ومتنوعة، منها 1QS و4Q242 و4Q541.كل نص يؤرخ على حدة؛ الصلاة نسخة لاحقة عن ملك عاش في القرن السادس ق.م.
٦٣ ق.م؛ القدسدخول بومبيوس القدس واتساع النفوذ الروماني.السياق السياسي الذي يسبق ظهور يسوع.
القرن الأول م؛ فلسطينفريسيون وصدوقيون وإسيون وتيارات أخرى؛ تظهر أسماء الجماعات في مصادر متفاوتة التاريخ.بيئة محتملة ليسوع بوصفه وارثاً لتراث سابق في أطروحتنا.
نحو ٣٠م بحسب التأريخ المتداول؛ القدسخبر محاكمة يسوع وصلبه في الأناجيل.نسبته إلى يسوع اللاحق في قراءة الكتاب؛ تبقى كيفية نجاته المحتملة سؤالاً مفتوحاً.
منتصف القرن الأول م؛ شرق المتوسطنشاط بولس ورسائله، وصلاته وخلافاته مع جماعة أورشليم.دوره الكبير في صياغة الإيمان ونشره، دون الجزم بابتكاره كل عناصره.
٧٠م؛ القدستدمير الهيكل على يد القوات الرومانية بقيادة تيطس.تغير عميق في حياة الجماعات؛ ورواية الخروج إلى بيلا لا تعيّن عقيدة كل الخارجين.

القمع والتَقنين الإمبراطوريّ ـ ١٠٠-٤٠٠م

التاريخ والمكانالحدث أو النصصلته بالبحث
أواخر القرن الأول والقرنان الثاني والثالث متداول الأناجيل واتساع الجدل حول الجماعات والكتب المقبولة.تاريخ تكوّن الذاكرة وتحديد حدود الاعتقاد.
٣١٣م؛ الإمبراطورية الرومانيةإقرار التسامح الديني ورد ممتلكات المسيحيين في اتفاق قسطنطين وليكينيوس.تحول علاقة الكنيسة بالدولة، قبل اتخاذ الإيمان النيقاوي معياراً رسمياً.
٣٢٥ و٣٨١م؛ نيقية والقسطنطينيةتقنين الصيغ النيقاوية وتوسيع بيانها، مع استمرار الصراع وتغير سياسة الأباطرة.أثر السلطة في ترجيح صيغة عقدية وإقصاء غيرها.
أواخر القرن الرابع م وما بعده؛ حميرتحول لغة النقوش الدينية إلى صيغ توحيدية.تاريخ الألفاظ الدينية في جنوب الجزيرة، مع تمييز مراحلها اليهودية والمسيحية.

العالم المتغير حول الجزيرة ـ ٤٠٠–٦٣٢م

التاريخ والمكانالحدث أو النصصلته بالبحث
القرون السابقة للإسلام؛ الشام والعراقجماعات عربية مسيحية متعددة الانتماء، مع حضور الغساسنة والمناذرة.طرق انتقال المعرفة والجوار الديني؛ الاستقلال عن بيزنطة لا يعني إنكار ألوهية المسيح.
٤١٠ و٤٢٤م؛ ساليق وقطيسفونتنظيم كنيسة المشرق وتأكيد استقلال مرجعيتها.موضع الحيرة داخل تاريخ الكنيسة الشرقية.
٥٢٣م؛ نجراناضطهاد مسيحيي نجران في عهد يوسف ذي نواس.مقارنة أخبار الحادثة بتفسير أصحاب الأخدود؛ لا يُستخرج مذهب الضحايا من كونهم شهداء وحده.
٥٢٥م تقريباً؛ اليمنالتدخل الأكسومي بقيادة كاليب وانتهاء حكم ذي نواس.تداخل سياسة البحر الأحمر وصراعات الدين.
نحو ٥٤٨ و٥٥٢م؛ اليمن ووسط الجزيرةCIH 541 عن إصلاح سد مأرب ووفود، وRy 506 عن حملة أبرهة.شاهدان على عهد أبرهة؛ لا يسميان حادثة الفيل كما ترويها السيرة.
أواخر القرن السادس م؛ اليمنانتهاء الحكم الحبشي واتساع النفوذ الساساني.تغير موازين القوى حول الجزيرة.
٦٠٢–٦٢٨م؛ الروم وفارسالحرب الكبرى بين الإمبراطوريتين، وفي بدايات هذه المرحلة انتهى ملك المناذرة في الحيرة.خلفية لصراع القوى في المشرق.
بعثة محمد ﷺ؛ مكةنزول القرآن والدعوة إلى الله.تصديق رسالة الأنبياء وتصحيح صورة المسيح وإتمام مكارم الأخلاق.
الهجرة؛ المدينةانتظام جماعة المؤمنين في مجتمع له شريعته وحياته السياسية.اجتماع الهداية والعمران؛ لا تقسيم يجعل عيسى روحياً بلا ملك.
ختم الرسالة المحمديةاستمرار الهداية في العلم والتزكية والعمل بعد وفاة النبي ﷺ.المعرفة والولاية لا تعنيان نبوة تشريع جديدة.

ملحق ٣: المعجم المقارن لألفاظ الكتاب ـ قراءةٌ لسانيّةٌ ساميّةٌ في مفاتيح الأطروحة

المقدّمة

يجمع هذا المعجم الألفاظ التي يدور عليها البحث، ويعيد النظر فيها من داخل اللسان العربي وصلاته بالألسنة السامية. ننطلق من تصور للعروبة أوسع من حدود العربية المدونة في عصر واحد، ونبحث عن أطوار اللفظ ومعانيه قبل أن تستقر الترجمات المتداولة. بعض المداخل شرح معجمي، وبعضها قراءة يقترحها الكتاب؛ ويظهر الفرق من بيان الشاهد وطريقة الانتقال منه إلى المعنى.

تكشف العربية، بغنى اشتقاقاتها، معاني قد تغيب حين نتلقى الأسماء أصواتاً أجنبية فحسب. نستعين بها على السؤال، ثم نقابل اللفظ بصوره الآرامية والأكدية وغيرها، وبالتحولات الصوتية وسياق الاستعمال. وبهذا نبحث قدم المعنى وصلاته، مع تمييز أطوار الألسن التي حفظته.

تضم المداخل أسماء الأشخاص والألقاب والجماعات والمواضع، ثم مفاتيح مثل الرفع والرجوع والقطع. وفيها مقارنات معنوية، كقراءة لافتة الصليب في ضوء التغطية والتحريف، لا يصح أن تختلط بالترجمة الحرفية أو الاشتقاق اللغوي.


كيف يُستعمل هذا المعجم؟

يعرض كل مدخل اللفظ وشاهده ومعناه، ثم يصل ذلك بقراءتنا له. ونضم إلى المقارنة الصوتية تاريخ الاستعمال وما نعرفه من سيرة صاحب الاسم أو وظيفته؛ فمن اجتماع هذه الجهات يتضح سبب المطابقة المقترحة.

فمعنى «أبيونيم» هو الفقراء، أما وصل «عيسى» بالعيش فاقتراح اشتقاقي نبحثه. و«المسيخ» في عنواننا صورة للتشويه، أما INRI فاختصار لاتيني ذو معنى معلوم، نتأمل دلالته ولا نبدل ترجمته. بهذه الأمثلة يُفهم الفرق بين مادة المعجم وعمل التأويل فيها.


أسماء الأشخاص والألقاب

١. عيسى: الاسم وقراءة الحياة

المفهوماللفظاللغةالجذرالدلالة
الاسم القرآنيّعيسىالعربيّةصلة مقترحة بـ ع-ي-شنقرأ فيه معنى الحياة؛ ليس اشتقاقاً معجمياً محسوماً
الفعل العربيّعاش / يعيشالعربيّةع-ي-شبقي حيّاً، واصل الحياة
النقش الصَفائطيّʿsyعربيّة الشمالـصيغة نقشية ناقش الجلاد والمناصر صلتها باسم عيسى؛ تأريخ النقش وتفسيره يراجعان في الدراسة

نصل «عيسى» في قراءتنا بالحياة والعيش، ونرى في الشفاء والإحياء معنى يضيء الاسم. ثم يبقى بيان انتقال الشين إلى السين وصورة الاشتقاق محتاجاً إلى شواهد لغوية. وتضيف دراسة الجلاد والمناصر لنقش ʿsy مادة إلى تاريخ تداول الاسم في شمال الجزيرة قبل الإسلام.

تظهر قوة المناسبة المعنوية في قوله تعالى على لسان عيسى ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (آل عمران: ٤٩): فالحياة والشفاء في مركز صورته القرآنية. ومن هنا ندخل إلى الاسم بوصفه مفتاحاً لمعرفة الوظيفة، ثم نعيد اختبار هذا المفتاح في بقية الشواهد.

ونقابل هذا المعنى باشتقاق «يشوع» في حقل الخلاص. تضيف المقارنة وجهاً إلى اختلاف السيرتين الذي نبحثه، ثم نرجع في تعيين الهوية إلى مجموع الأخبار، لأن تغير صورة الاسم أمر مألوف في انتقال الأعلام بين الألسن.

٢. يسوع الناصريّ ـ الجذر العبريّ ي-ش-ع (الخلاص والنجاة)

المفهوماللفظاللغةالجذرالدلالة
الاسم الإنجيليّיֵשׁוּעַ (ييشوع) (Yēšūaʿ)العبريّةي-ش-عالمخلِّص، المنقذ
الصيغة اليونانيّةἸησοῦς (ييسوس) (Iēsoûs)اليونانيّةـنقل صوتيّ للعبريّ
النقل اللاتينيّIesusاللاتينيّةـعن اليونانيّة

يرتبط «يشوع» بالجذر العبري ي–ش–ع (yod-šin-ʿayin)، الذي يدور على الخلاص والنجاة والإنقاذ. ومنه «يشوعة» (yəšūʿāh)، أي النجاة، و«هوشع» (Hōšēaʿ)، أي أنقذ، و«يشعياهو» (Yəšaʿyāhū)، أي «يهوه ينقذ». وهو المعنى الذي نضعه في المقابل من قراءتنا المقترحة لاسم عيسى.

فتدخل الحياة والخلاص في سؤال الهوية: هل اجتمعت في الذاكرة شخصيتان مختلفتا السيرة والزمن؟ يضيف الاسمان دلالتهما إلى السؤال، ويقوم بحثنا في الإجابة على الأخبار والآثار التي جمعناها.

ويبين النقش السابق للإسلام أن لبعض صور الاسم تاريخاً أقدم من الترجمات العربية المتأخرة. نأخذ منه هذا الشاهد على التداول، ثم نبحث هوية المسمى واشتقاق الاسم بأدلتها الأخرى.

٣. أحمد / ܚܡܝܕܐ (حَميدا) ـ الجذر الساميّ ح-م-د في السريانيّة والعربيّة

المفهوماللفظاللغةالجذرالدلالة
الصيغة السريانيّةܚܡܝܕܐ (حَميدا) (Ḥamīdā)السريانيّةح-م-دحقل الرغبة والاستحسان في السريانية؛ لا تُساوى آلياً بـ«المحمود»
الصيغة العربيّة التفضيليّةأحمدالعربيّةح-م-دالأشدّ حمداً، أكثر من يستحقّ الحمد
الصيغة العربيّة الاسميّةمحمّد ﷺالعربيّةح-م-دكثير المحامد، من حُمد مرّةً بعد مرّة

نجد في العربية حميداً ومحموداً وأحمد ومحمداً في حقل الحمد والثناء. وتقابلها في العبرية والسريانية معاني الرغبة والاستحسان والمحبوب والمرغوب. نقرأ هذه القرابة المعنوية مع اختلاف الاستعمال، فنترجم كل صيغة بحسب موضعها، ثم نقارن ما يجمع حقولها.

ونقترح البحث عما إذا كان وصف سامي من هذا الحقل قد دخل في تاريخ البشارة التي تقابل بالبارقليط. فالنص اليوناني المتاح يحمل παράκλητος (پاراكلِيتوس)، المعين أو الشفيع، أما περικλυτός (پيريكلوتوس) فمعناه ذائع الصيت، وليس قراءة مثبتة مكانه في المخطوطات. من هنا يبقى مدخلنا إلى معنى الحمد هو البشارة القرآنية بـ«أحمد»، ثم نتتبع المقارنات اللغوية حولها.

يقول تعالى ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (الصف: ٦). نقرأ الاسم وصفاً يدل على كمال الحمد إلى جانب كونه علماً معروفاً للنبي ﷺ. وهذه القراءة تسمح بالنظر في كيفية انتقال الوصف بين الألسنة، من غير أن ننسب إلى عيسى صيغة سريانية بعينها لا نملك نصها.


محمد وأحمد: الاسم والمعنى

نقرأ الاسم في هذا الكتاب من جهة ما يقوله عن صاحبه. و«محمد» اسم مفعول من التفعيل، يفيد تكرر الحمد وكثرته، و«أحمد» أفعل تفضيل، يحتمل الأجدر بالحمد والأكثر حمداً لربه. فاللفظان وصفان صارا علمين، كما يحدث في كثير من الأسماء العربية. وعلى هذه الصلة بين الصفة والاسم بنينا جانباً من قراءة عيسى ويحيى وزكريا أيضاً.

في هذا الفهم، تتضمن آية الصف علامة في معنى الاسم: مزيد الحمد والكمال الذي يتحقق في الرسالة الخاتمة. ويمكن البحث عن نظائر لهذا الحقل في ألفاظ البشارة، مثل «حمدة» في حجي ٢: ٧، مع إبقاء معناها العبري في سياقه؛ فالتشابه الجذري لا يجعل كل ورود للكلمة اسماً صريحاً لشخص واحد.

ويصل تكرر الحمد الاسمَ باستمرار أثر الرسالة وذكر صاحبها بعد موته. ففي هذا الفهم ينطق الاسم بالوظيفة، وتجسد السيرة معناه. ومن هنا نقرأ في محمد وأحمد ﷺ وصفاً لعلو الحمد وتجدد آثاره، كما بحثنا في أسماء الأنبياء دلالاتها على ما ظهر بهم من هداية.

٤. المسيح ـ الجذر الساميّ م-ش-ح (المسح والتطهير والتكريم)

المفهوماللفظاللغةالجذرالدلالة
الاسم القرآنيّ الشريفالمسيحالعربيّةم-س-حالممسوح بالبركة؛ لقب عيسى في القرآن
الاسم العبريّמָשִׁיחַ (ماشيَح) (māšīaḥ)العبريّةم-ش-حالممسوح، المُكرَّس بالزيت
الصيغة الآراميّةܡܫܝܚܐ (مشيحا) (Məšīḥā)الآراميّةم-ش-حالممسوح
المقابل اليونانيّΧριστός (خريستوس) (Khristós)اليونانيّةـترجمة يونانيّة لـ«الممسوح»

يقول الراغب في «المفردات»: «المسح: إمرار اليد على الشيء، ومنه مسح الأرض إذا ذرعها». وتتسع استعمالاته العربية بين التطهير، كمسح الرأس في الوضوء، والتكريم والبركة، كمسح الرسول ﷺ رأس اليتيم. وفي العبرية والآرامية يبرز المسح الطقسي بالزيت لتكريس الملك أو الكاهن: «ماشياخ» מָשִׁיחַ (ماشيَح) من «ماشاخ» מָשַׁח (ماشَح)، وܡܫܝܚܐ (مشيحا) (Məšīḥā) في الآرامية. نرى هذه المعاني دائرة حول إمرار الطهر والبركة على المحل، ونقرأ في سعة العربية ما يضيء وجوه الدلالة في أخواتها.

وهذا اللفظ الشريف في القرآن الكريم يرد لقباً لعيسى ابن مريم عليه السلام في مواضع متعدّدة، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّـهِ﴾ [النساء:171]، وقوله: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّـهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران:45]. فاللقب في القرآن مرتبطٌ بعيسى عليه السلام ارتباطاً وظيفيّاً، دلالةً على أنّه نبيٌّ مُطهَّرٌ مُبارَكٌ مكرَّمٌ عند الله، لا على ما ذهب إليه التأليه النيقاويّ اللاحق من اتّخاذه إلهاً أو ابن إله.

٥. المسيخ ـ الجذر العربيّ م-س-خ (التشويه والتحويل والتحريف)

المفهوماللفظاللغةالجذرالدلالة
اللفظ الأدبي المستعمل في عنوان الكتابالمسيخ (الدجّال)العربيّةم-س-خالمُشوَّه، المُحرَّف عن أصل خِلقته
الفعلمَسَخَ يَمسَخالعربيّةم-س-خحوّل الخلقة إلى ما هو أقبح منها
الصيغة الوصفيّةمَمسوخالعربيّةم-س-خالذي حُرّفت صورته إلى صورة أخرى

اللفظ المعروف في روايات الحديث هو «المسيح الدجال» بالحاء. ونستعمل «المسيخ» بالخاء في عنوان الكتاب على جهة المقابلة الأدبية: صورة مُسخت عن أصلها. لا نقيم حجتنا على دعوى أن هذا الرسم هو أصل الحديث أو أن خطأ في النقط ولّد العقيدة.

فالجذر العربيّ م-س-خ يدور على معنى «التحويل من صورةٍ حسنةٍ إلى صورةٍ قبيحة»، كما في قوله تعالى عن بني إسرائيل الذين اعتدوا في السبت: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة:65]، وقد ورد في تفسير هذا المسخ في القرآن والسنّة أنّه تحويلٌ للخلقة والصورة. فـ«المَسخ» في اللغة العربيّة هو تحويل الشكل إلى ما هو أقبح منه، و«الممسوخ» هو الذي طُمست صورته الأصليّة واستُبدلت بصورةٍ مشوّهة.

وعلى هذه المقابلة بنينا الصورة الأدبية في «المسيح والمسيخ»:

اللقبالجذرالدلالةعلى من يُطلق
المسيحم-س-حالمُبارَك، المُطهَّرعيسى ابن مريم عليه السلام النبيّ الحقّ
المسيخم-س-خالمُشوَّه، المُحرَّفالدجّال الذي مُسخت صورة المسيح الحقّ فيه وتحوّلت إلى إلهٍ مدَّعٍ

الدجال في قراءتنا هو البناء الذي حرّف صورة المسيح وحجب رسالته. وعودة المسيح هي انكشاف حقيقته بما يبطل سلطان ذلك البناء؛ فالمقابلة بين الحاء والخاء تخدم هذا المعنى، ولا تعني اتهام يسوع الناصري نفسه بالدجل.

٦. الدجال: الكذب والتغطية

المفهوماللفظاللغةالجذرالدلالة
الاسم العربيّ الحديثيّالدجّالالعربيّةد-ج-لالخلّاط المموِّه، الكاذب
الصيغة الآراميّةܕܓܠ (د-گ-ل)، الجذر السرياني d-g-lالآراميّة السريانيّةد-ج-لالكذب؛ تراجع الصيغ المشتقة بحسب السياق
المشتقّات العربيّةدَجَلَ، تدجيلالعربيّةد-ج-لخلط الصدق بالكذب لتمويه الحقيقة

يجمع د–ج–ل في العربية التغطية والتمويه والكذب، ويقابله د–گ–ل السرياني في حقل الكذب. تكشف المقارنة قرب البيئة اللغوية، ثم يبقى اتجاه الاقتراض وتاريخه موضوعاً مستقلاً. والمعنى الذي نحتاجه هنا هو الخلط الذي يستر الأصل تحت صورة مقنعة.

ومن هذه الجهة نفهم وصف الحديث: «إنه يخرج ومعه جنة ونار، فناره جنة وجنته نار». فالدجل في الصورة تمويه يعكس ما يراه الإنسان ويختلط فيه الحق بالباطل، وهو أوسع من كذبة منفردة لا تتصل ببناء من المعاني.

وتجتمع «المسيخ» و«الدجال» و«الكذاب» حول الصورة العقدية التي ننتقدها: تشويه للأصل، وتمويه يحجب الفرق، وقول يخالف الحقيقة. أما يسوع بشخصه فنبقيه منفصلاً عن هذا البناء الذي حمل اسمه.


لافتة الصليب INRI ومعنى الستر

٧. INRI: معنى اللافتة وقراءتها في الكتاب

اللفظالمعنىنوع المقارنة
INRIIesus Nazarenus Rex Iudaeorum: يسوع الناصري ملك اليهودترجمة الاختصار اللاتيني
ك-ف-رالتغطية والستر، ومنه استعمال الكفر في سياقه الدينينقرأ به حجب الحقيقة؛ ليس ترجمة لحروف INRI

INRI اختصار لاتيني لعبارة «يسوع الناصري ملك اليهود»، ويشيع على صلبان التقليد الغربي. تروي الأناجيل لافتة تهمة الملك، وتختلف صيغ نقلها؛ ويذكر يوحنا ١٩: ١٩–٢٠ الكتابة بالعبرانية والرومانية واليونانية. ليست الصورة اللاتينية نفسها مستعملة على كل صليب في كل كنيسة.

كان معنى العنوان في خبر المحاكمة تهمة الملك، ثم حملته الصورة التعبدية في سياق آخر. لذلك نبدأ بترجمته «يسوع الناصري ملك اليهود»، ونتابع ما تغير في وظيفته. أما صلة «الناصري» بالنذر فهي البحث الاشتقاقي الذي فصلناه، وتبقى مستقلة عن ترجمة العبارة اللاتينية.

والجذر ك-ف-ر في اللغة العربيّة يدور على معنى «التغطية والإخفاء والستر». قال الراغب في «المفردات»: «الكفر في اللغة ستر الشيء، ووُصف الليل بالكافر لستره الأشخاص، والزارع لستره البذر في الأرض». ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد:20] أي الزرّاع الذين يُغطّون البذر بالتراب. ثمّ تطوّر الاستعمال الشرعيّ فصار «الكفر» تغطية الحقّ الإلهيّ وإخفاءه بعد ظهوره.

ونقارن العلامة فوق رأس المصلوب بالكتابة بين عيني الدجال من جهة ما يكشفه النظر الإيماني في الصورة. يختلف الموضعان، وتبقى INRI على معناها اللاتيني. فالربط عندنا في دلالة العلامة على الفتنة، لا في تطابق الحروف أو مكانها.

وبهذا تبقى المقارنة متجهة إلى المنظومة التي تبنت الصورة وأعطتها معناها العقدي، لا إلى إدانة الرجل الصالح الذي تنسب إليه. إن الذي نراه تغطية للحقيقة هو ما حجب عيسى ورسالة النور، لا وجود اسم يسوع على اللافتة في ذاته.


أسماء الجماعات: النصارى والأنصار والأبيونيم

٨. نصارى / أنصار / ناصورائيم ـ الجذر ن-ص-ر (النصرة والتأييد)

المفهوماللفظاللغةالجذرالدلالة
أتباع عيسى عليه السلام في القرآنالنصارىالعربيّةن-ص-ر في القراءة التي نقترحهاتسمية دينية نبحث صلتها بالنصرة وبالألقاب المشرقية
أنصار النبيّ ﷺ في المدينةالأنصارالعربيّةن-ص-رالذين نصروا الرسالة
فرقة يهود-مسيحيّة أولىNazoraioi (Ναζωραῖοι) (نازورايُوي)اليونانيّة/العبريّةأصل اللقب محل بحثلقب معروف في المصادر المسيحية؛ لا يحدد عقيدة كل من سُمّي به
الفعل العربيّنَصَرَ يَنصُرالعربيّةن-ص-رأيّد وأعان وأقام بالدعم

النصرة في العربية هي الإعانة والتأييد، وتجاورها ألفاظ ن-ص-ر في ألسنة سامية أخرى بمعاني الحفظ والحراسة. هذه المعاني متقاربة، لكنها ليست متطابقة في كل استعمال. نستفيد من هذا الحقل في قراءة اسم الجماعة ووظيفتها.

نضع تسمية «النصارى» إلى جانب جواب الحواريين «نحن أنصار الله»، فنقرأ في الاسم معنى النصرة. ثم نقابل ذلك بالتفسير الذي يصل الاسم بالناصرة وبالألقاب الآرامية المشرقية. فلكل وجه شواهده، ويعرض الكتاب سبب اهتمامه بالدلالة الدينية التي يتسع لها اللفظ.

وتبين آية الصف ١٤ معنى النصرة الذي نبحثه، واستمراره في المؤمنين. ومن هذا المعنى ندخل إلى تفسير الاسم، ثم نتابع تاريخ التسمية في الشواهد اللغوية التي حفظتها.

وتناقش دراسة فرانسوا دو بلوا «Naṣrānī and Ḥanīf» (٢٠٠٢) خلفية الألفاظ الدينية وصلتها بالجماعات السابقة للإسلام. نستعين بها في السؤال عن حدود الأسماء، ولا نجعل لقب «نصراني» حكماً جاهزاً بإنكار ألوهية المسيح؛ فقد حملته تقاليد مختلفة، ويحتاج تعيين مذهب جماعة إلى أخبارها وتعاليمها.

٩. الأبيونيم (אֶבְיוֹנִים) (إِڤيونيم) والمساكين ـ جذر الفقر الاختياريّ

المفهوماللفظاللغةالجذرالدلالة
أتباع عيسى الموحّدون الأوائلאֶבְיוֹנִים (إِڤيونيم) (Ebyōnīm)العبريّةأ-ب-يالفقراء، المحتاجون المتعفّفون
مفرد الأبيونيمאֶבְיוֹן (إِڤيون) (Ebyōn)العبريّةأ-ب-يالفقير المحتاج
المقابل الدلاليّ العربيّمِسكين، مساكينالعربيّةس-ك-نمن أقعده الفقر عن الحركة

«أبيونيم» جمع «أبيون» في العبرية بمعنى الفقير أو المحتاج، ومنه الاسم الذي عُرفت به الجماعات الأبيونية في كتابات خصومها. ونقارن معنى الفقر هنا بالتجرد والمسكنة في السلوك، مع بقاء أصل التسمية وكيفية تبنيها وتنوع أصحابها مسائل تاريخية. لا يدل اللفظ وحده على أن جميعهم اختاروا الفقر طوعاً.

ويقابل هذه اللفظة في العربيّة لفظة «مسكين» من الجذر س-ك-ن، وهو جذرٌ مختلفٌ صوتيّاً عن الجذر العبريّ أ-ب-ي، لكنّه يلتقي معه في عمق الدلالة. فالمسكين في العربيّة هو «من أسكنه الفقر وأقعده»، أي الذي قعد به ضيق ذات اليد عن الحركة والكسب. وقد جعل النبيّ ﷺ من هذه الحال قيمةً دينيّةً رفيعةً في قوله: «اللَّهمَّ أَحيِني مِسكيناً، وأَمِتْني مِسكيناً، واحشُرني في زُمرَةِ المساكين يوم القيامة» (رواه ابن ماجه والترمذيّ، وضعّفه بعض المحدّثين لضعف في إسناده، ومعناه متداولٌ في أحاديث أخرى صحيحة).

ويفتح الاسم معنى الافتقار إلى الله الذي نلقاه في طرق الزهد المختلفة. عرفته جماعات خارج الكنائس وداخلها، ونرى فيه قيمة روحية تتجاوز حدود اسم واحد. أما النقد فيتجه إلى استيلاء المصلحة والسلطة على الرسالة وما يغيرانه من معناها.


أسماء المواضع وصلتها بالسيرة

١٠. بيت لحم / قبيلة لخم ـ المسيحيّة العربيّة المشرقيّة

المفهوماللفظاللغةالجذرالدلالة
مدينة الميلادبيت لحم (Bethlehem)العبريّة/العربيّةل-ح-مبيت الخبز، بيت الرزق
قبيلة عربيّة مسيحيّةبنو لخم / المناذرةالعربيّةل-خ-ماسم قبيلة؛ اشتقاقه لا يحسمه هذا المدخل
المقارنة المقترحةلحم / لخمالساميّة العامّةقرابة صوتية تحتاج إلى شواهدلا يثبت اتحاد الموضعين أو أصل الاسم

«بيت لحم» في العبريّة تعني حرفيّاً «بيت الخبز» (بيت = منزل ومحلّ، لحم = الخبز في العبريّة لا اللحم كما في العربيّة). وهي المدينة الفلسطينيّة التي تنسب إليها الأناجيل ميلاد يسوع الناصريّ. وفي المقابل نجد في التراث العربيّ «بنو لخم» وهي قبيلةٌ عربيّةٌ عريقة استوطنت الحيرة في العراق، واعتنقت مسيحيّةَ المشرق مبكّراً، وشواهدُها في الحيرة تصعد إلى القرنين الرابع والخامس الميلاديّين، وأقامت دولة المناذرة تحت الحماية الفارسيّة في وجه الغساسنة التابعين للبيزنطيّين.

يفتح تقارب «لحم» و«لخم» سؤالاً جغرافياً، ثم يحتاج وصلهما إلى تتبع لغوي. فالملاحمة والالتحام من ل–ح–م، ولا تشرحان اشتقاق ل–خ–م. نبدأ تاريخياً بحضور المناذرة وكنائس الحيرة، ثم نبحث ما يمكن أن يصل هذه البيئة بأخبار بيت لحم.

يبين حضور المناذرة والغساسنة وتغلب أن العرب شاركوا في حياة الكنائس قبل الإسلام. وتنوعت انتماءاتهم، ولم يكن استقلال بعضهم عن بيزنطة إنكاراً لألوهية المسيح. هذه البيئة تفسر إمكان تداول الروايات والألفاظ والمعارف، وهي المجال الذي نبحث فيه عن آثار الرسالة الأقدم.

١١. نبونيد: اسم الملك وقراءة النبوة

المفهوماللفظاللغةالجذرالدلالة
الاسم الأكّاديّ للملكNabû-naʾidالأكّاديّةن-ب-و / ن-أ-دنبو هو المُمجَّد
الجزء الأوّلNabûالأكّاديّةن-ب-وإله الحكمة والكتابة
الجزء الثانيnaʾidالأكّاديّةن-أ-دصفة بمعنى الممجَّد أو الممدوح
المقارنة التي يطرحها الكتابالنبيّ، المُمَجَّدالعربيّةن-ب-يقراءة في معنى الاسم ووظيفته، لا ترجمة حرفية للاسم الأكدي

اسم Nabû-naʾid يترجم عادة «نبو ممجَّد» أو «نبو ممدوح»، ونبو اسم إله معروف في السجل البابلي. نقترح قراءة أعمق للاسم في ضوء النبأ والمعرفة، لكن هذه القراءة لا تمحو معناه المباشر في النصوص. أما إقامة الملك في تيماء فامتدت نحو عشر سنين، والسبع في الصلاة مدة المرض كما ترويها الرواية.

ونقرأ قرب «نبو» من النبأ والنبوة على ضوء صلته بالكتابة والحكمة. يضيف هذا القرب سؤال الاسم إلى ما جمعناه من أخبار الملك وأمه ورحلته وتيماء. فالمطابقة عندنا تتكون من هذه العناصر مجتمعة؛ ويكون الاسم مدخلاً دلالياً بينها، لا تصريحاً منفرداً بهوية النبي.

في هذه المطابقة المريض الملك هو عيسى، ونقرأ المرشد يحيى، معلمه. فتكون المحنة طوراً من سلوك المختار وتعلمه، ثم نقارن ذلك بما ظهر على عيسى من شفاء ومعرفة. وقد عرض الملحق الأول الشذرة وترميمها، ثم المشهد الأدبي الذي يستلهم هذه القراءة.

١٢. الطاو (道) (داو) / الحقّ ـ لاوتزو والقرآن في التنزيه الإلهيّ

المفهوماللفظاللغةالدلالة
مفهوم لاوتزو المركزيّالطاو (道 (داو) / Dào)الصينيّة القديمةالطريق، الحقيقة المطلقة، الناموس الأعلى
المفهوم القرآنيّ المقابلالحقّالعربيّةالحقيقة المطلقة، الله ذاته
الاسم الإلهيّ في القرآن﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّـهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحجّ:62]العربيّةالحقّ اسمٌ من أسماء الله

الطاو (道) (داو) مفهومٌ صينيٌّ فلسفيٌّ قديم علّمه الحكيم لاوتزو (604-531 ق.م تقريباً، وهو تأريخٌ تقليديٌّ مختلَفٌ فيه) في كتابه «تاو تي تشينغ» (道德經). والطاو في المعنى الحرفيّ هو «الطريق»، لكنّه في المعنى الفلسفيّ العميق «الحقيقة المطلقة التي لا توصف، الناموس الأعلى الذي يجري عليه الوجود، القوّة الكامنة في الكون». وقد عبّر عنه لاوتزو بعبارته الشهيرة التي افتتح بها كتابه: «الطاو الذي يُمكن أن يُنطق به ليس هو الطاو الأبديّ، والاسم الذي يُمكن أن يُسمّى ليس هو الاسم الأبديّ». وهذا التنزيه الأعلى يلتقي دلاليّاً مع لفظ «الحقّ» في القرآن الكريم، وهو اسمٌ من أسماء الله تعالى، كما في قوله: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّـهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحجّ:62].

يلتقي الطاو والحقّ في ثلاثة معانٍ متداخلة: الأوّل أنّهما يُشيران إلى الحقيقة المطلقة التي لا يحيط بها الوصف، والثاني أنّهما يُشيران إلى «الطريق القويم» الذي ينبغي أن يسلكه الإنسان (الطاو = الطريق، الصراط المستقيم = الطريق الموصل إلى الحقّ)، والثالث أنّهما يُشيران إلى تنزيهٍ إلهيٍّ يرفض التشبيه والتمثيل (الطاو بلا اسم، والله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:11]).

يخدم هذا التقاطع السؤال الذي طرحه الفصل الرابع: هل تحفظ سيرة لاوتسو، ومعها سيرتا بوذا وزرادشت، صوراً ثقافية للشخصية التي ندعوها عيسى؟ هذا أخص من مجرد القول بتزامن مصلحين. وسبيل اختبار الفكرة هو مقابلة الروايات وتواريخها وطرق انتقالها، مع إبقاء معاني «الطاو» في نصوصها قبل وصلها بمفهوم الحق.


أسماء وأخبار تستدعي مزيداً من البحث

١٣. امرؤ القيس ونقش النمارة 328م ـ المسيحيّة العربيّة قبل الإسلام

نضع نقش النمارة هنا لما يكشفه من سياق عربي سابق للإسلام، ثم نفصل دلالته التاريخية عما قد يقترح من مقارنات لغوية حول اسم صاحبه.

المفهومالشاهدالتاريخالدلالة
الشاعر الملكامرؤ القيس الكنديّالقرن السادس الميلاديّشاعرٌ جاهليٌّ له صلات بالمحيط المسيحيّ
النقش الأثريّنقش النمارة328منقشٌ جنائزيٌّ لامرئ القيس بن عمرو، ملك العرب

صاحب نقش النمارة امرؤ القيس بن عمرو، وتاريخ نقشه سنة ٣٢٨م، وهو غير الشاعر الكندي الذي عاش في القرن السادس. يصفه النقش بملك العرب ويعدد أعماله، أما انتماؤه المسيحي فاقتراح يدرس في ضوء السياق والأخبار الأخرى، لأن النقش لا يصرح بعقيدته.

نأخذ من النمارة شاهده المباشر على العربية والملك العربي قبل الإسلام، ونضمه إلى صورة الحياة السياسية والدينية حول الجزيرة. أما تقارب امرئ القيس ومرقس في اللفظ فيظل سؤالاً آخر لا يجيب عنه هذا النقش.

١٤. كيفا (ܟܐܦܐ) ـ بطرس الموحّد في التقليد المشرقيّ

تتناول هذه المقارنة مكانة بطرس في التقليد المشرقي. أما صلة «كافة» القرآنية بـ«كيفا» الآرامية فتبقى مسألة لغوية مستقلة.

المفهوماللفظاللغةالجذرالدلالة
الاسم الآراميّܟܐܦܐ (كيفا) (Kēpā)الآراميّة السريانيّةك-أ-فالصخرة
الترجمة اليونانيّةΠέτρος (پِتروس) (Pétros)اليونانيّةـالحجر، الصخرة
النقل اللاتينيّPetrusاللاتينيّةـبطرس

«كيفا» (ܟܐܦܐ) الاسم الآراميّ الأصليّ لسمعان بن يونا، الذي لُقّب بـ«بطرس» في اليونانيّة (Πέτρος (پِتروس) = الصخرة). والجذر الآراميّ «كأفا» (ܟܐܦܐ) (كيفا) يعني «الصخرة» حرفيّاً، وهو من جذرٍ سامّيٍّ قديم ك-أ-ف. ويَرِد الاسمُ بصيغته الآراميّة الأصليّة «كيفا» (Κηφᾶς) (كيفاس) في يوحنّا ١: ٤٢، وفي رسائل بولس (غلاطية ١: ١٨، ٢: ٩، وكورنثوس الأولى ١: ١٢)، ممّا يدلّ على أنّ هذه التسمية هي الصيغة الأقدم الأقرب إلى جماعة المؤمنين الأولى في القدس.

تحفظ الكليمنتيات صورة لبطرس مدافعاً عن الشريعة، وتعرض جدلاً مع سمعان الساحر. وقد قرأ بعض الباحثين في بعض مقاطعها تعريضاً ببولس؛ فهذا تعيين بحثي، لا تصريح يذكره كل نص. وتهمنا هذه المادة لأنها تكشف نزاعاً على تفسير الرسالة والسلطة داخل التراث المسيحي نفسه.

نرى في هذا التقليد البطرسي المشرقي وجهاً من حفظ الشريعة والذاكرة النبوية التي اتسع المسار البولسي والنيقاوي على حسابها. ثم نفصل هذه المقارنة التاريخية عن صلة «كافة» العربية من ك–ف–ف بـ«كيفا» الآرامية من ك–أ–ف؛ فلتعيين العلاقة بين اللفظين بحثه الصوتي والاشتقاقي.

١٥. تنوخ (القبيلة) وتناخ (תנ״ך) (تَناخ) ـ جوارٌ لا اشتقاق

تتشابه «تنوخ» و«تناخ» في أصواتهما، لكن الأولى اسم قبيلة، والثانية اختصار لأسماء التوراة والأنبياء والكتابات: توراة، نبيئيم، كتوبيم.

المفهوماللفظاللغةالدلالة
القبيلة العربيّةتنوخالعربيّةقبيلةٌ عربيّةٌ مسيحيّةٌ في العراق والشام
المصطلح العبريّתנ״ך (تَناخ) (Tanakh)العبريّةاختصارٌ متأخّر (العصر الرّبّانيّ) لكتب العهد القديم

كان للتنوخيين حضور مسيحي في العراق والشام، و«تناخ» اختصار للتوراة والأنبياء والكتابات. تتشابه الهيئة الصوتية، ويختلف بناء الاسمين. ومن هذه المقابلة نفهم أهمية معرفة تكوين اللفظ قبل اقتراح صلته بغيره.

وتعيدنا المقارنة إلى المحيط الذي عاشت فيه الجماعات العربية واليهودية والمسيحية، وتجاورت ألفاظها وتقاليدها. فيه نبحث كثافة الحياة الدينية التي سبقت البعثة، ويبقى احتمال العلاقة بين الاسمين سؤالاً إلى جانب هذا التاريخ، لا اشتقاقاً انتهينا إليه.


المعجم وسؤال الكتاب

يفتح المعجم مسالك متجاورة: قرابة لغوية، ومناسبة بين الاسم والوظيفة، ومقارنة في الرمز. وتفيد هذه المسالك حين يبقى كل واحد منها واضحاً، فيعرف القارئ متى نترجم لفظاً ومتى نعرض قراءتنا له.

فالفرق بين عيسى ويسوع جزء من سؤال الهوية في الكتاب، وقراءة الحياة والخلاص تضيف إليه معنى. لكنها لا تغني عن التاريخ الذي نقترح به الفصل بين الشخصيتين.

ومقابلة المسيح بالمسيخ تصف عودة الأصل وانكشاف التشويه. لا نتحدث عن نزول جسد ليكسر صورة بيده، بل عن معرفة تردّ الصورة إلى ميزان الحقيقة.

ولافتة الصليب تُترجم أولاً كما هي، ثم نناقش موقعها في البناء العقدي. أما استخراج الاسم الإلهي من أوائل كلمات عبرية مصاغة من جديد فلا يثبت نص اللافتة الأصلية، ولا نعتمد عليه في الحجة.

وتصل مداخل النصارى والأبيونيين والحواريين اللغةَ بالجماعة والطريق الذي تحمل به الذاكرة. ويبقى تعيين هوية الجماعة ومذهبها وتاريخها محتاجاً إلى أكثر من اسمها.

يوفر هذا المعجم مفاتيح للعودة إلى مواضع الحجة: من الاسم إلى الجذر، ومن الدلالة إلى الاستعمال، ثم إلى الخبر والمكان. وقد فتحت هذه الكلمات أسئلة لا تظهر حين نقرأ الترجمة المتداولة وحدها. وبمراجعتها على أصولها تتسع معرفتنا بتاريخ الرسالات وطرق روايتها.

ونرى في العروبة ذاكرة لمعان أقدم من الحدود الحديثة بين اللغات والثقافات. نبحث عنها برد الأسماء إلى صورها وشواهدها، ونميز ما تغير بالنقل وما اختلف بين أطوار اللسان. فكلما سمعنا النص القديم على وجه أوضح، صرنا أقدر على استرداد المعنى الذي نطلبه.


وتكمل المداخل الآتية أسئلة المكان والرجوع والقطع.

١٦. ثنية الوداع: سؤال في جهة المقدَم

يتعلق هذا المدخل بجهة المقدم كما ترويها الأخبار، ونبقيه سؤالاً جغرافياً يحتاج إلى تحقيق طرق الرواية وأسماء المواضع.

ارتبط نشيد «طلع البدر علينا» في الذاكرة بمقدم النبي ﷺ إلى المدينة. وناقش أهل الأخبار نسبة موضعه إلى طريق مكة أو طريق الشام، كما اختلفوا في المناسبة التي قيل فيها. لذلك لا يحدد النشيد وحده جهة الرحلة أو تاريخها؛ ويظل تحقيق طرق خبره وأسماء المواضع سابقاً لأي استنتاج جغرافي منه.

وإن تبينت جهة شمالية في خبر بعينه أمكن مقابلتها بطرق تيماء وخيبر والمدينة. فهذه قرينة في جغرافية الرحلة، ثم تحتاج صلتها بأصل الدعوة وسيرتها إلى المادة الأوسع التي تفسرها.

ومن أخبار المواضع ذكر بني النجار في نزول النبي ﷺ وبناء المسجد. نقرأ اسم الجماعة مع روايات الحدث، التي يرد فيها عرض الهبة وذكر الثمن. أما تفسير اسم القبيلة بمهنة جميع أفرادها، أو جعل التسمية ناشئة من بناء المسجد، فيحتاج إلى خبر يخص نشأة الاسم.

جذورُ الرجوع والقطع: مفاتيحُ ثلاثة

وممّا بَرز في فصول هذا الكتاب الأخيرة ثلاثةُ جذورٍ تَستحقّ أن تُفرَد في هذا المعجم:

ح-و-ر

يأتي ح–و–ر في الرجوع، كما في ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ (الانشقاق: ١٤)، ويأتي في حقل البياض. نجمع المعنيين في قراءة صفاء الحواريين وأوبتهم ونصرتهم، ونقارن الاسم بحوران وحران والحيرة. تبقى هذه مواضع متمايزة، ونبحث ما بينها وبين اسم الجماعة من صلات، إلى جانب المقارنة الروحية.

هـ-و-د

نقرأ ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ (الأعراف: ١٥٦) في معنى الرجوع والتوبة، ونستحضر ذلك في «الذين هادوا». ثم نبحث الفرق بين هذا المعنى وبين الهوية المؤسسية في تاريخها. فقد تستقر التسمية ويبقى عند أصحابها من معنى الأوبة نصيب، أو يضعف؛ وهو ما تعرفه حياة الجماعة وتعاليمها، لا صيغة الاسم وحدها.

ج-ز-ر

أصلُ «ج-ز-ر» عند ابنِ فارسٍ هو القطعُ؛ ومنه الجَزّارُ الذي يَقطعُ، والقَطعُ نفسُه، والجزيرةُ لأنّ الماءَ قطَعها وفصَلها عمّا حولها. وهذا المعنى عينُه يجري في الأخواتِ: ففي العبريّةِ «גְּזֵרָה (گِزيراه)» (gezerah) أرضُ القطعِ والانفصالِ، كما في «أرض الجَزَرة» (لاويّين ١٦:٢١-٢٢) حيث يُحمَلُ الذنبُ إلى أرضٍ مقطوعةٍ منبتّةٍ، وفي حزقيال ٣٧:١١ «נִגְזַרְנוּ (نِگزَرنو)» (nigzarnū) «انقطعنا» على لسانِ القومِ الذين قالوا انبتَّ رجاؤنا. ومن هذا الأصلِ نفسِه «الجزيرة» (بالسريانيّة Gazartā) أعالي الرافدين، وقد بسَط إدوارد ليبينسكي هذه المقابلةَ في Aula Orientalis ١٧/١٨. قراءةُ الكتاب: فأرضُ المنفى في صورتِها الأولى أرضُ قطعٍ وجَزْرٍ، والعودةُ نقضٌ لذلك القطعِ.


ملحق ٤: المجامع المسكونيّة السبعة ـ كيف بُنيت العقيدة طبقةً فوق طبقة


مدخل

تقدم الكنائس المجامع بوصفها بياناً لعقيدة موروثة، بينما يركز هذا الكتاب على دورها في صنع صيغة رسمية ملزمة واختيار لغة واحدة للإيمان من بين لغات متنازعة. فكثير من الأفكار أقدم من المجامع، لكن تقرير ما يجوز تعليمه، ومن يُعترف به، ومن يُقصى، غيّر حياة الجماعات ومصير كتبها. بهذا المعنى ندرس بناء العقيدة الرسمية: ما الذي اختير، وكيف صيغ، وبأي سلطة صار هو الصوت الغالب.

يكمل هذا الملحق جدول الفصل الثالث عشر، ويتابع أثر التقنين والسلطة في الاعتقاد. ثم نقرأ ما حفظه المختلفون أنفسهم؛ فقد يفتح اعتراضهم باباً إلى معنى التوحيد، وقد يقع خلافهم داخل إيمان مشترك بألوهية المسيح. ومن هذا التفصيل نعرف وجه المقارنة في كل حالة.

يُقرأ هذا الملحق مع جدول المجامع السبعة في الفصل ١٣. فهناك يجد القارئ الصورة الكاملة في صفحةٍ واحدة مرتّبةً في جدول، وهنا يجدها مشروحةً في أربعة وجوهٍ متّصلة.

من الخلاف إلى الاعتقاد الملزم

أقر نيقية سنة ٣٢٥ مساواة الابن بالآب في الجوهر، في مواجهة آريوس الذي أثبت للابن مقاماً سابقاً على العالم من غير المساواة في الأزلية. ووسع قانون القسطنطينية سنة ٣٨١ القول في الروح القدس. ثم تناول أفسس وخلقيدونية صيغ اتحاد الألوهية والبشرية. فالمسائل تتتابع وتتغير، ويتحدد معها القول المقبول في كل مرحلة.

التحول الذي ننقده هو انتقال صيغة مخصوصة لفهم النص إلى شرط للانتماء، ثم اتصالها بالعقوبة السياسية. وقد يصدق المختلفون في طلب المعنى، لكن الدولة حين ترجح أحدهم بالقوة تغيّر شروط البحث نفسه. هنا يصبح تاريخ الفكرة أيضاً تاريخاً للقدرة على فرضها وحفظ كتبها وإقصاء من ينازعها.


دور الحكم في القرارات

دعا قسطنطين إلى نيقية وهو معني بوحدة الإمبراطورية بعد الصراع السياسي والديني. ودعا ثيودوسيوس الأول إلى مجمع ٣٨١ بعد مرسوم تسالونيكي سنة ٣٨٠ المؤيد للإيمان النيقاوي. تكشف هذه الوقائع تداخل الحكم والاعتقاد، لكنها لا تمحو الجدل اللاهوتي الذي سبق القرارات وصاحبها.

وكذلك ارتبط أفسس بسياسة البلاط ومنافسات الكراسي الكنسية، وانعقد خلقيدونية في عهد مارقيان بعد تغير موازين السلطة. تكمن قوة هذا السياق في إظهار أن ما صار قانوناً للعقيدة مرّ أيضاً بشروط تاريخية ومؤسسية، يمكن دراستها من محاضر المجامع ورسائل أطرافها.

ونضع هذا التاريخ إلى جانب التحذير القرآني من اتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً. نسأل به عن الموضع الذي يتجاوز فيه تفسير البشر منزلته، فيصير ملزماً كالوحي. ثم نرجع إلى محاضر كل مجمع وأخباره لنعرف كيف تحقق هذا المعنى في واقعه.


ما الذي حفظته الجماعات المهزومة؟

نرى أن كثيراً من الأصوات التي غلبتها المؤسسة حفظ وجوهاً أقرب إلى أصل التوحيد. ففي اعتراض آريوس رفض للمساواة في الجوهر، مع إثباته مقاماً سابقاً للعالم، وفي الخلاف على الروح صيغ أخرى لا يتفق أصحابها في سائر الاعتقاد. وبتعيين ما رفضه كل طرف وما أثبته تظهر دلالة مقاومته.

وعند كنيسة المشرق تشديد على بشرية المسيح داخل إيمانها بألوهيته. وعند معارضي الأيقونات سؤال آخر عن الصورة والتكريم، مع بقاء أصول الاعتقاد المسيحي لدى الفريقين. نقارن دوافع التنزيه في هذه المواقف، ونتابع تعليم أصحابها، لنعرف ما بقي عندهم من المعنى الذي نبحثه.

توسع هذه المادة صورة الماضي وراء المذهب الذي غلب. فالمختلفون حفظوا أسئلة وقراءات، وبعضها يعين على استعادة أثر الرسالة التي نراها أقدم من الصيغ المتصارعة جميعاً.


القول على الله بغير علم

تفصل آيات آل عمران ٧٨ والبقرة ٧٩ بين كلام الله وما ينسبه البشر إليه. نستحضر هذا الفرق حين ننظر في انتقال التفسير إلى قانون اعتقاد: ماذا قال النص، وماذا حمله الشرح؟ ومن متابعة الأخبار نعرف أصحاب الصيغ والطريقة التي اكتسبت بها سلطانها.

ويأتي ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (النساء: ١٧١) معياراً لنقد التأليه. نقرأه مع معرفة أن الكنائس أقرت بشرية المسيح أيضاً، واختلفت في اتحادها بألوهيته. فموضع مناقشتنا هو إضافة المقام الإلهي ومعناه، على الصورة التي شرحها أهل كل مذهب.


ما يغيره الإلزام في مصير النص

تكشف المجامع كيف صارت معانٍ متنازع عليها قوانين تحدد حدود الجماعة. وحين تتصل تلك القوانين بالدولة تصبح آثار الخلاف نفياً ومصادرة وصراعاً، وتتفاوت هذه الآثار باختلاف العصور والحكام. هذا ما يجعل تاريخ السلطة ضرورياً لفهم النصوص التي بقيت والتي ضاعت.

في هذا الوجه نقرأ البناء المؤسسي لفتنة الدجال: أن تحجب صيغة مفروضة أصل الرسالة، ثم تمنع الإنسان من مساءلتها. وتأتي القراءة القرآنية التي ينطلق منها الكتاب لتعيد المسيح إلى مقام العبودية والرسالة، من غير أن تسلبه كونه كلمة من الله وروحاً منه أو تحوّل كل لغة روحية عالية إلى موضع اتهام.


ملحق ٥: الخطّ المقموع ـ أصواتُ الموحّدين التي لم تخمد


مدخل

يحفظ التاريخ الكنسي المنتصر جانباً واسعاً من تراث خصومه داخل الردود عليهم. لهذا نحتاج إلى قراءة تلك الردود مع ما نجا من نصوص الجماعات نفسها، والتمييز بين وصف الخصم ووصف المرء لعقيدته. إن استعادة الأصوات المغلوبة توسع صورة المسيحية الأولى وما تلاها، وتمنع اختزالها في مذهب واحد مستمر بلا خلاف.

عرض الفصل الخامس عشر جماعات مختلفة في علاقتها بالتأليه وبالسلطة الكنسية. ويبحث هذا الملحق ما يجمع بعض تجاربها من مقاومة الإلزام والقمع، مع إبقاء الفروق بين اعتقاداتها. فالقرابة في سؤال التوحيد قد تكون قرابة في المعنى، ولا تستلزم سلسلة تلمذة متصلة يمكن إثبات كل حلقاتها.

يُقرأ هذا الملحق مع الفصل ١٥ (خريطة الجماعات الموحّدة المقموعة)؛ فالخريطة والجدول في المتن، والتعمّق المعرفيّ في هذه الصفحات.

تجدد سؤال التوحيد عبر القرون

من الأبيونيين إلى رافضي الثالوث في عصر الإصلاح يعود السؤال عن تأليه المسيح. وبين هذه المحطات اتجاهات متباينة؛ فالآريوسيون غير الأبيونيين، وتدخل في أخبار البوليقانيين والكاثار مسائل الثنوية والعالم المادي. نقرأ هذه الفروق لنفهم وجوه المعارضة وما استند إليه كل منها.

ما تستحقه هذه الخريطة هو أن تقرأ النصوص والمعاني التي عاد إليها المختلفون، وأن تبحث كيف أمكن للتراث نفسه أن يولد قراءات متباينة. ونرى في تجدد الاعتراض شاهداً على أن الصياغة الرسمية لم تستنفد إمكانات الفهم، وعلى أن سؤال العلاقة بين الله والمسيح بقي حياً.

جغرافيا التوحيد: الأطراف في مواجهة المركز

كان المشرق قريباً من ألسن الرسالة وبيئاتها، وفيه حفظت جماعات أخبارها، وفيه أيضاً صاغت مدارس كبرى لاهوت التأليه. وعرفت البلاد الغربية بدورها معارضين لهذا اللاهوت. ولهذا نتتبع الجغرافيا من جهة طرق التعلم والانتقال والاستقلال، لنرى كيف عملت الأفكار في المراكز والأطراف.

يتغير المعنى في انتقاله بين الألسن والبلدان، وقد يعاد تنظيمه في بناء جديد. وهذا ما ندرسه عند بولس من مضمون رسائله وأثرها، ثم مما ألحق بها. فالمادة التي نعرفها من كتابته أوضح لنا من افتراض جهله بلسان لم يثبت أنه كان يجهله.

الإقصاء وأثره في الذاكرة

تتكرر في عدد من هذه الصراعات صلة الوصم الديني بالإقصاء المؤسسي والعقوبة السياسية. وقد تسبق المناظرةُ القرارَ، وقد يستند الملك إلى جماعة ثم ينقلب عليها من يخلفه. لذلك ندرس كل حالة بتاريخها، ثم نستخلص النمط الذي يجمعها: قدرة المؤسسة على تحويل الخلاف في الفهم إلى خطر على حياة المختلف ومكانه وكتبه.

ويترتب على ذلك اختلال في الذاكرة: يصلنا من كتب المنتصر أكثر مما يصلنا من كتب المهزوم. تعيد المكتشفات بعض التوازن، لكنها لا تحمل كلها عقيدة توحيدية واحدة؛ ففي قمران ونجع حمادي ومخطوطات الكنائس مواد شديدة التنوع. فائدتها أنها تتيح قراءة التاريخ بأصوات أكثر من الصوت الذي استقر له السلطان.

الإسلام: العودة الكبرى للخطّ المقموع

خاطب القرآن بيئة تعرف الجدل الديني وصلات العرب بالكنائس، ونقرأ دعوته إلى التوحيد استمراراً لرسالة الأنبياء وتصحيحاً لها. ثم نتابع استجابة الناس في تاريخ تحولهم الممتد؛ فدخول إقليم تحت حكم جديد واعتناق سكانه ديناً جديداً مساران يتصلان، وقد يختلف زمنهما وإيقاعهما.

ويقدم فريد دونر في «محمد والمؤمنون» (Muhammad and the Believers، 2010) صورة للحركة الأولى بوصفها حركة believers، أو «مؤمنين»، ضمت يهوداً ومسيحيين قبل استقرار الحدود الجماعية في شكلها اللاحق. ونصل نحن هذه القراءة بمعنى إحياء الأصل النبوي الذي عرضه الكتاب: تعود الدعوة إلى التوحيد، ويعاد بيان مقام عيسى بعيداً عن التأليه. وفي ﴿قُل هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:1] نقرأ الأصل الذي يجمع الرسالات ويصحح ما دخل على فهمها.


عودة الأصوات إلى التاريخ

نرد بهذه الخريطة المختلفين إلى التاريخ بأسمائهم وأفكارهم، ونبين ما لقيته أصوات من التوحيد من قمع. فتظهر الأسئلة التي ظلت تتجدد، ويصبح الماضي أكثر تنوعاً مما توحي به رواية المذهب الغالب وحده.

وفي أفق كتابنا تتصل هذه الأسئلة بالرسالة المحمدية: تجديد معرفة الله، وتصحيح صورة المسيح، وفتح طريق التزكية والعلم. فالتوحيد الذي نبحث عنه أقدم من المؤسسات المتنازعة على تمثيله، وتضيء أصواتها المختلفة ما بقي من أثره.


ملحق ٦: خريطة الأسلاف الفكريين

المقدمة

تكونت فكرة الكتاب من قراءة القرآن واللسان العربي، ثم التقت بدراسات تناولت أجزاء من الأسئلة نفسها. نجمع هنا أسماء أصحابها ومواضع الإفادة منهم، اعترافاً بفضل ما حققوه وفتحوه للبحث، وبياناً للمسار الذي سلكناه بعد ذلك في جمع الأجزاء ومقارنتها.


جدول المسار الفكري

الباحثالتخصصالحقبةإسهامُه
G.R.S. Meadعلم اللاهوت المسيحي1903"Did Jesus Live 100 B.C.?" فرضية التأريخ المبكر لعيسى عليه السلام
Kamal Salibi (كمال الصليبي)التاريخ ـ الجامعة الأمريكية في بيروت1985-1988"The Bible Came from Arabia" و"Conspiracy in Jerusalem" التمييز بين عيسى النبيّ ويسوع الإنجيل، مع نقل الجغرافيا التوراتيّة إلى عسير وجنوب الحجاز
M. M. Mansur (م. م. منصور)باحث في قراءة النصوص العبرية٢٠٢٤–٢٠٢٦The Mecca Bible، The Messiah of Mecca، وتوراة مكة والنبي المنتظر: قراءات للألفاظ والأخبار يستفيد منها الكتاب انتقائياً.
الدكتور محمد شحرورالهندسة المدنيّة ـ جامعة دمشق1990«الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة» قراءةُ ألفاظ التنزيل مصطلحاتٍ دقيقةً لا مترادفات، والتفريقُ بين الكتاب والقرآن وبين الإنزال والتنزيل
Hans-Joachim Schoepsتاريخ المسيحية اليهودية1949دراسة تاريخ المسيحية اليهودية وصلاتها اللاحقة؛ لا إثبات كل حلقات سلسلة واحدة.
Shlomo Pinesدراسات يهودية1966"The Jewish Christians of the Early Centuries of Christianity According to a New Source" نصوص مسيحية يهودية في «تثبيت دلائل النبوّة» للقاضي عبد الجبّار
Paul-Alain Beaulieuالدراسات البابلية1989"The Reign of Nabonidus, King of Babylon" بحث أكاديمي شامل عن نبونيد
Robert Eisenmanدراسات الكتاب المقدس1997"James the Brother of Jesus" دراسة معمقة عن يعقوب البارّ أخي يسوع والتقليد اليهودي-المسيحي
Bart Ehrmanدراسات لاهوتية2014"How Jesus Became God" شرحٌ علمانيٌّ لكيف صار يسوعُ إلهاً عند أوائل أتباعه
Hyam Maccobyدراسات يهودية1986"The Mythmaker: Paul and the Invention of Christianity" بولس كمبتدع لديانة جديدة
François de Bloisدراسات اللغويات السامية2002"Naṣrānī and Ḥanīf" تحليل لغوي دقيق لكلمة "نصارى"
Fred Donnerدراسات الإسلام المبكر2010"Muhammad and the Believers" نظرية عن الحركة الموحدة المبكرة (المؤمنين)
Todd Lawsonدراسات القرآن2009"The Crucifixion and the Qur'an" تحليل قرآني عميق لآيات الصلب
Christian Julien Robinالأثريات والنقوش2004+دراسات أثرية عن حِمْيَر والمسيحية العربية القديمة
الشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضاالتفسير الإسلامي1905-1935التفسير العقلاني للقرآن في «تفسير المنار»، والردّ على المستشرقين
الأستاذ سعيد أيّوبالدراسات الإسلامية1987+«المسيح الدجّال» فرضيّة إسلاميّة عن الدور الدجّاليّ لبولس وما تلاه
الدكتور عبد الوهّاب المسيريّدراسات حضارية1999+«موسوعة اليهود واليهوديّة والصهيونيّة» (1999)، و«العلمانيّة الجزئيّة والعلمانيّة الشاملة» (2001)
الشيخ عمران نذير حسينعلم أشراط الساعة2002+«Jerusalem in the Qur'ān» (2002)، و«An Islamic View of Gog and Magog in the Modern World» (2009) نظريّة نقديّة للدجّال موصولةٌ بالجغرافيا القرآنيّة
Mustafa Akyolدراسات إسلامية2017"The Islamic Jesus" قراءة شعبية عن صورة يسوع في الإسلام
Édouard-Marie Gallezدراسات الأديان2005أطروحة في الصلات بين المسيحية اليهودية ونشأة الإسلام؛ لا يتبنى الكتاب نتائجها جميعاً.

موقعُ الكتاب من هذه الأعمال

طرح G. R. S. Mead في «Did Jesus Live 100 B.C.?» (١٩٠٣) سؤالاً عن تاريخ للمسيح أقدم من المتعارف عليه. تفيدنا جرأة السؤال، ثم نبحثه بمادة أخرى وتأريخ مختلف: نميز عيسى القرآني من يسوع القرن الأول، ونقرأ الأول في سجل نبونيد، آخر ملوك بابل في القرن السادس قبل الميلاد. فالمصدر وطريقة المطابقة هما ما يميز طريقنا.

طرح الصليبي تمييزاً بين عيسى ويسوع في إطار قراءته لجغرافية النصوص، ثم طور محمد منصور مشروعه الخاص في كتب منها The Messiah of Mecca و«توراة مكة والنبي المنتظر». نستفيد من فتح سؤال الهوية ومن مادة الأسماء والأخبار، بينما يقوم تعييننا لنبونيد على مسار آخر يصل القرآن بالسجل البابلي وتيماء. لذلك لا تتبع خريطتنا خريطة الصليبي أو منصور تلقائياً.

وتظهر الفائدة العملية من منصور في المواضع التي يدعو فيها إلى مراجعة لفظ عبري أو يستخرج خبراً غاب عن القراءة المعتادة. من ذلك أخبار التابوت وعيسى وكعب بن لؤي («توراة مكة والنبي المنتظر»، ص ٢٩٤–٢٩٥ و٣٤٧)، وصورة يشوع الكاهن في زكريا ٦ (ص ٣٤٤–٣٤٥)، وقراءة الأسماء بوصفها صفات ووظائف. رجعنا إلى خبر التابوت في «التيجان» وقابلناه بخبر «الإكليل»، ثم وضعناه إلى جوار استرجاع نبونيد آثار السابقين. هذه استفادة من مادة البحث؛ أما تفسير النور والروح أو تعيين الأمكنة فلا يُنقل من منصور إلى هذا الكتاب بوصفه نتيجة جاهزة.

وعند محمد شحرور اهتمام بالفروق بين ألفاظ التنزيل في القراءة العربية الحديثة. نلتقي معه في أهمية النظر إلى دلالة اللفظ، ثم نمضي في التأويل الروحي والتاريخي على الوجه الذي عرضه هذا الكتاب.

درس شوبس المسيحية اليهودية، ونشر شلومو باينز مادة «تثبيت دلائل النبوة»، وبحث آيزنمان صلة يعقوب البار بنصوص قمران، وأعطى مكوبي بولس دور المؤسس في المسيحية الجديدة. لكل عمل سؤاله ومادته، ونستفيد من الشواهد والمناقشات التي تخص بحثنا، ثم نصل بينها وفق القراءة التي نقدمها.

وقَدّم Paul-Alain Beaulieu في «The Reign of Nabonidus, King of Babylon» (١٩٨٩) من أوفى الدراسات عن نبونيد، وهي دراسةٌ وثائقيّةٌ لا تَربطه بأثرٍ دينيٍّ لاحق. ويَقرأ الكتابُ سِجلَّ بابلَ وذِكرَ القرآن باعتبارهما ذاكرتَين لشخصٍ واحد.

وحلل François de Blois في «Naṣrānī and Ḥanīf» (٢٠٠٢) خلفية نصراني وحنيف، ونشر Christian Julien Robin شواهد نقوش حمير على الحياة الدينية قبل الإسلام. تساعدنا الأولى في تاريخ الأسماء، والثانية في معرفة ما حفظه الحجر، ثم نبحث من خلالهما صلة اللسان بالجماعات التي حملته.

وفي الدراسات الأحدث بحث إرمان تاريخ التصورات عن مكانة يسوع، ودونر تشكل جماعة المؤمنين، ولوسن تفسير آية الصلب، وعرض أكيول صورة المسيح في الإسلام. وقدم غاليه فرضية خاصة عن الصلات المسيحية اليهودية بالإسلام. يختلف موقف الكتاب من كل عمل، ويظل تعيين عيسى بنبونيد اقتراحه الذي لا تنسبه هذه المراجع إلى أصحابها.

وأفدنا أيضاً من تجديد النظر عند محمد عبده ورشيد رضا، ومن بحث سعيد أيوب في الدجال، ونقد المسيري للحضارة الحديثة، وقراءات عمران حسين لأشراط الساعة. وقد فصلنا مواضع الاستفادة في الفصول، مع بيان فهمنا الخاص للعودة وللعلم والتقنية وغاية القدرة الإنسانية.

تبين هذه الخريطة من حاورناهم في أثناء البحث، وما أضافته دراساتهم إلى مادته. أما المطابقة بين عيسى ونبونيد، وإعادة قراءة الذاكرة والأسماء والجغرافيا في ضوئها، فهي الإضافة التي يقدمها هذا الكتاب.


ملحق ٧: كشّاف المصطلحات المفتاحيّة


يجمع الكشاف المصطلحات التي يتكرر الرجوع إليها، ويبين معناها في سياق الكتاب، وخصوصاً ما يحتاج منها إلى شرح أو يستعمل على وجه يختلف عن المألوف.


المصطلحات اللاهوتية والعقدية

المصطلحبالإنجليزية/اليونانيةالتعريف في سياق الكتاب
هوموأوسيوسὁμοούσιος (هوموؤوسيوس) (Homoousios)«مساوٍ في الجوهر» الصيغة التي أقرّها مجمع نيقية (325م). وصف علاقة المسيح بالآب. حجر الأساس في عقيدة الثالوث
هوموئوسيوسὁμοιούσιος (هومويوؤوسيوس) (Homoiousios)«مشابه في الجوهر»؛ صيغة تيار من خصوم الصيغة النيقاوية، وتسمية أصحابه بالأريوسيين المعتدلين تصنيف يحتاج تفصيلاً.
ثيوتوكوسΘεοτόκος (Theotokos)«والدة الإله»؛ أقر أفسس استعماله في سياق وحدة شخص المسيح، ولا يقصد أصحابه أن مريم أصل اللاهوت.
الثالوثTrinity / Τριάς (ترياس)الإله الواحد في ثلاثة أقانيم: الآب والابن والروح القدس. تتضمن النصوص صيغاً ثلاثية، أما التعريفات المجمعية فلها تاريخ تطور.
الأقنومHypostasis / ὑπόστασις (هيپوستاسيس)مصطلح يوناني استقر في الاستعمال الثالوثي للدلالة على تمايز الأقانيم؛ لا يساوي ثلاثة آلهة مستقلة في تعريف الكنائس لنفسها.
الهرطقةHeresy / αἵρεσις (هايرِسيس)أصلها اليوناني يعني «الاختيار». صارت تعني كل رأي يخالف قرارات المجامع الرسمية
الغنوصيةGnosticism / Γνῶσις (گنوسيس)حركات دينية متنوعة تقوم على «المعرفة الباطنية» كطريق للخلاص. بعضها وحّد وبعضها ثنّى
الدوكيتيةDocetism / Δοκητισμός (دوكيتيسموس)القول بأن جسد المسيح كان ظاهريًا لا حقيقيًا (من δοκεῖν (دوكين) = يبدو). و«الدوكيتية» وصفٌ أطلقه الخصومُ على مَن قال به، وتعدّه الدراسات المعاصرة تصنيفًا حديثًا عند الباحثين أكثر منه فرقةً منظَّمةً في القديم. ويقرأ الكتاب فيه شبهًا بنفي القرآن وقوعَ الصلب، من هذا الوجه وحده دون مطابقة

المصطلحات اللسانية

المصطلحالتعريف في سياق الكتاب
الجذر الساميالأصوات الثلاثة (أو الأربعة) التي تشكّل نواة المعنى في اللغات السامية (عربية، عبرية، آرامية، أكادية)
الشمولية اللغويةالمنهج الذي يقترحه الكتاب: قراءة الأسماء القرآنية كأوصاف دالّة لا أعلام جامدة
الاختزال الحرفيوصف نستعمله للاكتفاء بمساواة الأسماء من غير بحث الاختلاف بين الروايات؛ وليس اسماً لمنهج أكاديمي جامع.
التحليل المورفيميتفكيك الكلمة إلى وحداتها الصرفية الأصغر. لاستخراج طبقات المعنى
النذير / نازيرنازير: المكرس بنذر في العبرية. صلته بلقب الناصري سؤال في الكتاب وليست معنى اللقب المحسوم.
المسيح / مشيحا(מָשִׁיחַ (ماشيَح) / ܡܫܺܝܚܳܐ) (مشيحا) الممسوح بالزيت المقدس. أي المختار والمكلَّف من الله بمهمة
المسيخلفظ من م-س-خ يستعمله عنوان الكتاب للتشويه الذي أصاب صورة المسيح. المقابلة أدبية؛ اللفظ المشهور في الحديث «المسيح الدجال».

المصطلحات التاريخية

المصطلحالتعريف في سياق الكتاب
الأبيونيون(Ebionites) جماعة يهودية-مسيحية في القرون 1-5م. آمنت بالمسيح نبيًا بشريًا ورفضت بولس وتأليهه
الناصريونجماعات يذكرها كتّاب الكنيسة مع تمسكها بالشريعة؛ اختلفت أوصاف عقيدتها، فلا تساوى آلياً بالأبيونيين.
الأريوسيونأتباع آريوس الذي جعل الابن مخلوقاً سابقاً للعالم وغير مساوٍ للآب في الجوهر؛ ليس نبياً بشرياً فحسب في اعتقادهم.
الصابئة المندائيونتقليد ديني مشرقي حي يعظم يحيى، وله نصوصه ومفاهيمه الخاصة؛ تقرأ أقواله عن يسوع في سياقها.
مخطوطات قمران(Dead Sea Scrolls) مخطوطات عُثر عليها 1947-1956 قرب البحر الميت. تضمّ نصوصًا توراتية ومجهولة
الأدب الكليمنتي الزائف(Pseudo-Clementine Literature) نصوص منسوبة لإكليمندس الروماني. تتضمن عقيدة «النبي الحق»
بولس الطرسوسيصاحب الرسائل المسيحية المبكرة، ذو دور مركزي في صياغة الإيمان بيسوع ونشره. لا ينسب الكتاب إليه وحده ابتكار جميع عناصر الثالوث اللاحق.
اليونانيّة (الهلّينيّة)الهلينية حضارة يونانية؛ والهلنستية تخص المجال الذي اتسع بعد الإسكندر وامتزج بتقاليد الشرق. يبحث الكتاب الجذور الشرقية للفلسفة، ويميزها من الصياغات الإمبراطورية اللاحقة.
قسطنطين الأول(Constantine I) الإمبراطور الروماني (272-337م) الذي دعا إلى مجمع نيقية وهو غير معتمد
مجمع نيقيةمجمع سنة ٣٢٥ أقر مساواة الابن للآب في الجوهر، برعاية قسطنطين؛ ألوهية المسيح اعتقاد سابق له، لا اختراع بدأ في جلساته.

المصطلحات الفلسفية والحضارية

المصطلحالتعريف في سياق الكتاب
الغشتيل(Gestell) مصطلح هايدغر: التقنية كإطار وجودي يحوّل كل شيء إلى «مورد قابل للاستغلال»
الانقلاب الدوري(Involution) مصطلح رينيه غينون: الحضارة لا تتقدم خطيًا؛ بل تنحدر دوريًا
ملك العالم المزيَّفوصف لصورة السلطة الروحية المقلوبة التي يناقشها غينون في «سيادة الكم وعلامات آخر الزمان»، الفصل ٣٩
ما بعد الإنسانية(Transhumanism) حركة لتعزيز القدرات البشرية بالتقنية؛ يتجه نقد الكتاب إلى دعوى الاستغناء عن الله، ولا يجعل تعزيز القدرة وحده تأليهاً
الآلية المؤسسيةنمط القمع المتكرر: وصم → تقنين → قمع → محو الأثر
البناء التراكميالمبدأ القائل بأن التحريف لم يكن كذبة واحدة؛ بل سلسلة من القرارات عبر المجامع

المصطلحات القرآنية المفتاحية

المصطلحالآيةالمعنى في سياق الكتاب
الرفع﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: 158]في قراءة الكتاب: إعلاء حقيقة المسيح وغياب معرفتها المتصلة من الوعي التاريخي، مع بقاء آثار الرجل؛ لا رفع جسدي.
النزولأحاديث نزول عيسى آخر الزمانإتاحة الحقيقة المخفية وجعلها في متناول البشر
شُبّه لهم﴿وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: 157]في أطروحة الكتاب: انتقال خبر المقتل والصلب من يسوع الناصري إلى عيسى بسبب اختلاط الشخصيتين؛ يسوع شخص حقيقي لا شخصية مصنوعة.
الغلو﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: 171]تجاوز الحد في تعظيم النبي حتى تأليهه جوهر المسار
الأحبار والرهبان﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ [التوبة: 31]تحويل رجال الدين إلى مشرّعين بدلًا من الله. آلية المجامع
عِلم للساعة﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: 61]كشف حقيقة المسيح من علوم زمن الساعة وعلاماته؛ زمن الاتساع في الوعي والقدرة، مع بقاء موعد قيام الساعة لله

ونقصد بالنبوة المجازية المعرفة والتزكية والإنباء بما غاب بإذن الله، من غير نبوة تشريع جديدة. ونقارن الحقيقة المحمدية والنور الأول والعقل الأول في وصف الصلة بين الله والخلق، ثم نقرأ مراتبها بحسب كل مدرسة. ويبقى تعيين موضع الروح القدس بينها سؤالاً مستقلاً في المقارنة.


ملاحظة

وللتوسع في معنى مصطلح وحجته، يرجع إلى الموضع الذي ناقشه في المتن. فهذا الكشاف معين على القراءة، وتفصيل الاستعمال وشواهده في الفصول.


ملحق ٨: قائمة المراجع الأكاديمية الأساسية

أولاً: المصادر الأولية والكلاسيكية

النصوص الدينية الأساسية

1. القرآن الكريم

المصحف برواية حفص عن عاصم. تشير الإحالات في المتن إلى السورة ورقم الآية؛ وتُميز القراءة التفسيرية من ألفاظ الاقتباس.

2. صحيح البخاري (ت. 256 هـ)

صحيح البخاري، أبواب أحاديث الأنبياء والفتن ومناقب الأنصار. تراجع الأرقام مع اسم الكتاب والباب لاختلاف الترقيم بين الطبعات؛ ومن مواضع البحث خبر سلمان عن الفترة بين عيسى ومحمد ﷺ، رقم ٣٩٤٨ في الترقيم الشائع.

3. صحيح مسلم (ت. 261 هـ)

صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، أحاديث الدجال ونزول عيسى؛ وكتاب صلاة المسافرين، حديث أوائل الكهف رقم ٨٠٩؛ وكتاب المساجد، الاستعاذة من الفتن رقم ٥٨٨ في ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي.

المراجع الإسلامية الكلاسيكية

4. الإمام القاسم بن إبراهيم الرسّي (ت. 860م / 246 هـ)

  • "الردّ على النصارى"

من أقدم الردود الإسلامية على المسيحية؛ يركز على نقاء التوحيد والعقل؛ محفوظ في المكتبات الإسلامية.

5. الخطيب البغدادي (ت. 463 هـ)

  • "تاريخ بغداد"

يحوي معلومات عن الكنائس المشرقية والنسطورية في بغداد.

النصوص المسيحية واليهودية القديمة

6. سفر دانيال (العهد القديم)

  • القرن 2 ق.م
  • الرؤى والتنبؤات عن نهاية الزمان والمسيح الآتي
  • الإشاراتُ إلى الوحوش الأربعة والقرن الصغير

7. سفر خنوخ (1 Enoch)

1 Enoch، مؤلَّف مركب من أقسام متفاوتة التأريخ؛ تحفظ الجعزية نصه الكامل، وتقابل شذراته الآرامية في قمران. لا ينسحب تأريخ قسم منه تلقائياً على كتاب الأمثال أو على جميع طبقات المجموعة.

8. التراجيم (Targumim) الترجمات الآرامية التوراتية

ترجوم أونكيلوس للتوراة وترجوم يوناثان للأنبياء، مع اختلاف تواريخ المادة وعمليات جمعها ونقلها. تُراجع العبارات في النص المعين، لا بإسناد جميع التراجيم إلى قرن واحد.

9. مخطوطات قمران (Dead Sea Scrolls)

  • 4Q242 "Prayer of Nabonidus" (صلاة نبونيد)

نص آرامي عن نبونيد، الملك البابلي الأخير؛ يتحدث عن مرض الملك والشفاء؛ أهمية حاسمة لربط القرآن بالتاريخ البابلي.

  • 4Q246 "Son of God Aramaic Apocalypse"

نص رؤياوي عن «ابن الإله»؛ يعكس التوقعات المسيحانية اليهودية.

  • Damascus Document (CD)

قواعد الجماعة الدينية (الأسينيين).


ثانياً: الدراسات الأكاديمية الغربية

الدراسات البابلية والقديمة الشرقية

10. Beaulieu, Paul-Alain

  • The Reign of Nabonidus, King of Babylon 556-539 B.C.
  • Yale University Press, New Haven, 1989
  • أشمل دراسة أكاديمية حديثة عن نبونيد
  • يتضمن: السياق التاريخي، الإصلاحات الدينية، الإقامة في تيماء

11. Grayson, A.K.

  • Babylonian Historical-Literary Texts
  • University of Toronto Press, 1975
  • نصوص بابلية أصلية تتعلق بنبونيد

12. Beaulieu, Paul-Alain

  • "Nabonidus the Mad King: A Reconsideration"
  • في: M. Heinz وM. H. Feldman (محرّران)، Representations of Political Power، Eisenbrauns، ٢٠٠٧، ص ١٣٧-١٦٦
  • فصلٌ نقديٌّ يعيد تقييم سياسة نبونيد

دراسات الكتاب المقدس والمسيحية المبكرة

13. Collins, John J.

  • Daniel: A Commentary on the Book of Daniel
  • Fortress Press, Philadelphia, 1993
  • تحليل شامل لسفر دانيال والرؤى المسيحانية

14. Dupont-Sommer, André

  • The Essene Writings from Qumran
  • Blackwell, Oxford, 1961
  • ترجمة وتحليل نصوص الأسينيين من البحر الميت

15. García Martínez, Florentino

García Martínez, Florentino. The Dead Sea Scrolls Translated: The Qumran Texts in English. Brill / Eerdmans, 1994. ترجمة لمجموعة واسعة من نصوص قمران.

16. Vermes, Geza

  • The Dead Sea Scrolls: Qumran in Perspective
  • SCM Press, London, 1977
  • دراسة معمقة عن جماعة قمران والأسينيين

الدراسات اليهودية المبكرة والمسيحية اليهودية

17. Schoeps, Hans-Joachim

  • Theologie und Geschichte des Judenchristentums
  • Mohr Siebeck, Tübingen, 1949
  • دراسة رائدة عن المسيحية اليهودية وأثرها على الإسلام

18. Pines, Shlomo

  • The Jewish Christians of the Early Centuries of Christianity According to a New Source
  • Israel Academy of Sciences and Humanities, Jerusalem, 1966
  • نصوص يهودية-مسيحية قديمة محفوظة في عبد الجبار

19. Eisenman, Robert

  • James the Brother of Jesus: The History and Legacy of the First Church
  • Viking Press, New York, 1997
  • دراسة معمقة عن يعقوب البارّ أخي يسوع الناصريّ والتقليد اليهودي-المسيحي

20. Eisenman, Robert

  • The Dead Sea Scrolls and the First Christians
  • Element Books, Rockport MA, 1996
  • ربط مخطوطات قمران بتاريخ المسيحية المبكرة

21. Maccoby, Hyam

  • The Mythmaker: Paul and the Invention of Christianity
  • Harper & Row, New York, 1986
  • دراسة يهودية نقدية عن بولس ودوره في تأليه يسوع

22. Tabor, James D.

  • Paul and Jesus: How the Apostle Transformed Christianity
  • Simon & Schuster, New York, 2012
  • مقارنة بين تعاليم يسوع وتعاليم بولس

دراسات تاريخ يسوع والمسيحية

23. Van Voorst, Robert E.

  • Jesus Outside the New Testament: An Introduction to the Ancient Evidence
  • Eerdmans Publishing, Grand Rapids, 2000
  • أشمل دراسة أكاديمية معتمدة في الجامعات الغربية حول الأدلة الخارجية على يسوع التاريخي (خارج الأناجيل): المصادر الرومانية، اليهودية، المبكرة
  • أهمية نقدية: يُمثّل المرجع المضاد الأمين الذي يلتزم المنهج الأكاديمي الرصين في تقييم الأدلة، ويُفيد في تأطير حدود المعرفة التاريخية الموثوقة عن يسوع القرن الأول

24. Ehrman, Bart D.

  • How Jesus Became God: The Exaltation of a Jewish Preacher from Galilee
  • HarperOne, New York, 2014
  • شرح علماني لعملية تأليه يسوع بعد صلبه

25. Vermes, Geza

Vermes, Geza. Jesus the Jew: A Historian’s Reading of the Gospels. Collins, 1973؛ وأعيد نشره في طبعات لاحقة. دراسة صورة يسوع في بيئته اليهودية.

26. Sanders, E.P.

  • Jesus and Judaism
  • Fortress Press, Philadelphia, 1985
  • سياق يهودي لتعاليم يسوع

دراسات الإسلام المبكر والحركة الموحدة

27. Donner, Fred M.

  • Muhammad and the Believers: At the Origins of Islam
  • Harvard University Press, Cambridge MA, 2010
  • نظرية الحركة الموحدة المبكرة (Believers Movement)
  • أهمية: يشرح كيف كان الإسلام الأول حركة موحدة تضم مختلف الأديان

28. Hoyland, Robert G.

  • Arabia and the Arabs: From the Bronze Age to the Coming of Islam
  • Routledge, London, 2001
  • سياق عربي شامل قبل الإسلام
  • يتضمن: التوحيد، المسيحية العربية، اليهودية

29. Hoyland, Robert G.

  • Seeing Islam as Others Saw It: A Survey and Evaluation of Christian, Jewish, and Zoroastrian Writings on Early Islam
  • Darwin Press, Princeton, 1997
  • شهادات معاصرة غير إسلامية عن الإسلام المبكر

دراسات قرآنية أكاديمية

30. Lawson, Todd C.

  • The Crucifixion and the Qur'an: A Study in the History of Muslim Thought
  • Oneworld, Oxford, 2009
  • تحليل قرآني عميق لآيات الصلب والدلالات
  • يتضمن: أراء المفسرين الكلاسيكيين والحديثين

31. Lumbard, Joseph E. B. (ed.)

  • Islam, Fundamentalism, and the Betrayal of Tradition: Essays by Western Muslim Scholars
  • World Wisdom, Bloomington, 2004 (طبعة موسَّعة 2009)
  • مجموعة مقالات لباحثين غربيّين مسلمين (سيّد حسين نصر، جوزيف لومبارد، ريزا شاه كاظميّ وآخرين) تنقد الجمود التفسيريّ الحديث وتُعيد التفكير في موقع التقليد

اللغويات السامية والدينية

32. Al-Jallad, Ahmad & Al-Manaser, Ali

Al-Jallad, Ahmad, and Ali Al-Manaser. “The Pre-Islamic Divine Name ʿsy and the Background of the Qurʾānic Jesus.” Journal of the International Qurʾanic Studies Association 6 (2021): 107–136. دراسة نقشية تقترح صلة الصيغة ʿsy باسم المسيح. اشتقاق الاسم من ع-ي-ش في هذا الكتاب اقتراح مستقل، لا نتيجة منسوبة إلى الباحثين. وللجلاد أيضاً: “Ancient Allāh: An Epigraphic Reconstruction,” Journal of Semitic Studies 70/2 (2025): 693–748.

33. ابن عاشور، محمد الطاهر (Ibn ʿĀshūr)

  • "التحرير والتنوير" تفسير سورة آل عمران، الجزء الثالث
  • دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس
  • ناقش ابن عاشور آلية الانتقال الصوتي من «يسوع/يشوع» إلى «عيسى عليه السلام» عبر القلب الصوتي (Metathesis) ـ وهو الرأي التقليديّ الذي يَعُدّ «عيسى» تعريباً لـ«يسوع»
  • أهمية: نَعرِضه بوصفه الرأيَ الكلاسيكيّ الذي يُخالفه هذا الكتاب؛ فالكتاب يَرى أنّ «عيسى» (الجذر ع-ي-ش) و«يشوع» (الجذر ي-ش-ع) جذرانِ مختلفان لا قلبٌ صوتيٌّ لاسمٍ واحد (انظر الفصل ٢ والملحق ٣)، وأنّ عيسى شخصيّةٌ سابقةٌ على يسوع لا تعريبٌ لاسمه

34. de Blois, François

  • "Naṣrānī and Ḥanīf: Studies on the Religious Vocabulary of Christianity and of Islam"
  • Bulletin of the School of Oriental and African Studies, Vol. 65, No. 1, pp. 1-30
  • London, 2002
  • دراسة لغوية دقيقة لكلمات دينية رئيسية
  • أهمية حاسمة: أصول كلمة "نصارى" و"حنيف"

35. Ullendorff, Edward

  • The Semitic Languages of Ethiopia: A Comparative Phonology
  • Taylor's Foreign Press, London, 1955
  • دراسة مرجعيّة في اللسانيّات السامية-الإثيوبيّة؛ تُفيد في تتبّع مسارات الأصوات بين السامية الجنوبيّة والعربيّة/العبريّة

الدراسات الأثرية والنقشية

36. Robin, Christian Julien

  • "Arabia and Ethiopia"
  • في: Oxford Handbook of Late Antiquity
  • Oxford University Press, 2012
  • دراسة أثرية عن المسيحية العربية والتوحيد
  • يتضمن: حِمْيَر، الغساسنة، اللخميون

37. al-Ansary, Abdul Rahman

  • Qaryat al-Fau: A Portrait of Pre-Islamic Civilisation in Saudi Arabia
  • University of Riyadh Press, 1982
  • أثريات عن المدن العربية القديمة

38. نقوش تيماء المنشورة في مشروع التنقيب السعودي الألماني

Taymāʾ II: Catalogue of the Inscriptions Discovered in the Saudi-German Excavations at Taymāʾ 2004–2015. منشورات معهد الآثار الألماني. فهرس المجلد ونصه.

39. Healey, John F.

  • The Religion of the Nabataeans: A Conspectus
  • Brill, Leiden, 2001
  • دراسة مرجعية في ديانة الأنباط ونقوشهم

ثالثاً: الدراسات الإسلامية والعربية الحديثة

40. الأستاذ سعيد محمود أيوب

  • المسيح الدجال: دراسة نقدية في العقيدة الإسلامية
  • دار الهلال، القاهرة، 1987
  • دراسة إسلامية عن الدجال ونظرية بولس
  • من أوائل الدراسات التي تربط الدجال ببولس

41. أسد، محمد (Muhammad Asad / Leopold Weiss)

  • الطريق إلى مكة
  • ترجمة: عفيف البعلبكي
  • دار العلم للملايين، بيروت
  • سيرة شخصية لمفكر إسلامي غربي
  • يتضمن: فهم حديث للإسلام والمسيحية

42. الدكتور عبد الوهّاب المسيريّ

  • العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة
  • دار الشروق، القاهرة، 2002
  • دراسة حضارية نقدية للغرب الحديث
  • يتضمن: مفهوم الدجال والحضارة المادية

43. الشيخ عمران نذير حسين

  • Jerusalem in the Qur'ān: An Islamic View of the Destiny of Jerusalem
  • Masjid Jāmiʿah, San Fernando (Trinidad), 2002
  • كتاب محوريّ في علم أشراط الساعة عند الشيخ عمران؛ يربط الوعد القرآنيّ في سورة الإسراء بظهور الدجّال وانحسار الغرب، ويُقدّم قراءة إسلاميّة لنبوءات آخر الزمان
  • يُكمَّل بكتابه: An Islamic View of Gog and Magog in the Modern World, 2009

44. Akyol, Mustafa

  • The Islamic Jesus: How the King of the Jews Became a Prophet of the Muslims
  • St. Martin's Press, New York, 2017
  • قراءة معاصرة وشعبية لصورة يسوع في الإسلام

45. Gallez, Édouard-Marie

  • Le messie et son prophète: aux origines de l'Islam
  • Éditions de Paris, 2005
  • دراسة فرنسية عن أصول الإسلام من الصراعات المسيحية اليهودية
  • أهمية: محاولة جريئة لتأريخ الإسلام

رابعاً: مخطوطات قمران (Dead Sea Scrolls) المصادر الأولية

46. Charlesworth, James H. (ed.)

Charlesworth, James H., ed. The Dead Sea Scrolls: Hebrew, Aramaic, and Greek Texts with English Translations. Tübingen: Mohr Siebeck; Louisville: Westminster John Knox Press, 1994–. سلسلة طبعات للنصوص وترجماتها؛ يرجع إلى المجلد الخاص بكل نص.

47. Qimron, Elisha & Strugnell, John

  • Qumran Cave 4.V: Miqsat Ma'ase ha-Torah
  • Clarendon Press, Oxford, 1994
  • نص قانوني من قمران

48. Beyer, Klaus

  • Die aramäischen Texte vom Toten Meer
  • Vandenhoeck & Ruprecht, Göttingen, 1984
  • ترجمة ألمانية شاملة للنصوص الآرامية

نصوص محددة مهمة:

4Q242: Prayer of Nabonidus

  • النشرة النقديّة: J. J. Collins, «242. 4QPrayer of Nabonidus ar», in G. Brooke et al., Qumran Cave 4.XVII: Parabiblical Texts, Part 3 (Discoveries in the Judaean Desert XXII), Oxford: Clarendon Press, 1996, pp. 83–93, pl. VI
  • النشرة الأولى (editio princeps): J. T. Milik, «Prière de Nabonide» et autres écrits d'un cycle de Daniel: Fragments araméens de Qumrân 4, in Revue Biblique 63, 1956, pp. 407–415
  • النص الآرامي: يتحدث عن نبونيد، الملك البابلي، ومرضه وشفاؤه
  • أهمية حاسمة: صلة مباشرة بين نبونيد والنصوص الدينية اليهودية

4Q246: Son of God Aramaic Apocalypse

  • النص الرؤياوي عن "ابن الإله"
  • يعكس التوقعات المسيحانية

خامساً: الأثريات والنقوش (Epigraphy)

نقش النمارة (An-Namara Inscription 328 م)

49. Dussaud, René (avec F. Macler)

Dussaud, René, avec Frédéric Macler. “Inscription nabatéo-arabe d’En-Nemara.” Revue archéologique (1902): 409–421. النشرة الأولى لنقش النمارة؛ شاهد في تاريخ العربية والملك العربي، ولا يتضمن وحده إقراراً صريحاً بعقيدة مسيحية.

50. Bellamy, James A.

  • "A New Reading of the Namārah Inscription"
  • في: Journal of the American Oriental Society, Vol. 105, 1985, pp. 31–51
  • قراءة جديدة لنقش النمارة (٣٢٨م، محفوظ في متحف اللوفر برقم AO 4083)

المصادر الأثرية الأولية في المتاحف العالمية

51. لوح سجلات نبونيد (Nabonidus Chronicle)

  • رقم التصنيف المتحفي: BM 35382 المتحف البريطاني، لندن
  • نص مسماري يُؤرّخ لعهد نبونيد بما فيه الإقامة في تيماء
  • متاح رقمياً: https://www.britishmuseum.org/collection/object/W_Sp-II-964
  • النص والترجمة: https://www.livius.org/sources/content/mesopotamian-chronicles-content/abc-7-nabonidus-chronicle/

52. حجر تيماء (The Tayma Stone / لوح تيماء الآرامي)

  • رقم التصنيف المتحفي: AO1505 متحف اللوفر، باريس
  • نقش آرامي من القرن الخامس ق.م يصف الإصلاحات الدينية في تيماء
  • يُثبت وجود مشهد ديني متعدد الطبقات في شمال الجزيرة العربية في الحقبة البابلية

53. مسلّة نبونيد من تيماء

  • رقم التصنيف الأرشيفي: CDLI P519700 قاعدة بيانات CDLI (Cuneiform Digital Library Initiative)
  • دليل أثري مادي مباشر على الحضور البابلي في تيماء
  • متاح رقمياً: https://cdli.ucla.edu/P519700

54. سلسلة تيماء الأثرية الأكاديمية (DAI Series Taymāʾ I-III)

  • مشروع التنقيب السعودي الألماني المشترك
  • منشورات معهد الآثار الألماني (DAI)
  • Taymāʾ I: https://publications.dainst.org/books/dai/catalog/book/61
  • Taymāʾ III: https://publications.dainst.org/books/dai/catalog/book/2176
  • تغطي جميع النقوش والأثريات والبيئة الحضارية لتيماء عبر العصور، وهي المرجع الأشمل والأكثر تخصصاً في المجال

نقوش تيماء الأخرى

55. نقوش متحف تيماء والمجموعات الأخرى

Taymāʾ III: Catalogue of the Inscriptions in the Taymāʾ Museum and Other Collections. منشورات معهد الآثار الألماني. فهرس المجلد.

56. الاستكشاف الأثري والبيئة والاتصال الحضاري في تيماء

Taymāʾ I: Archaeological Exploration, Palaeoenvironment, Cultural Contacts. منشورات معهد الآثار الألماني. فهرس المجلد.

57. Schaudig, Hanspeter

Schaudig, Hanspeter. Die Inschriften Nabonids von Babylon und Kyros’ des Großen. Münster: Ugarit-Verlag, 2001. تحقيق نقوش نبونيد وكورش ونصوص متصلة بها.

نقوش أخرى مهمة

58. Robin, Christian Julien

  • "Ḥimyar, Aksum, and Arabia Deserta in Late Antiquity: The Epigraphic Evidence"
  • في: Arabs and Empires before Islam, تحرير: Greg Fisher
  • Oxford University Press, 2015, pp. 127–171
  • الشواهد النقشية على يهودية اليمن ومسيحيته في العصور المتأخرة

59. Hoyland, Robert

  • "Epigraphy"
  • في: Encyclopaedia of the Qur'an, تحرير: J. D. McAuliffe, Vol. 2
  • Brill, Leiden, 2002, pp. 25–43
  • النقوش العربية الجنوبية وسياقها القرآني

سادساً: الأعمال المرجعية والموسوعات

60. McAuliffe, Jane Dammen (ed.)

  • Encyclopaedia of the Qur'an
  • 6 volumes
  • Brill, Leiden, 2001-2006
  • موسوعة شاملة عن القرآن: الآيات، المفسرون، المواضيع

61. Freedman, David Noel (ed.)

  • The Anchor Bible Dictionary
  • 6 volumes
  • Doubleday, New York, 1992
  • موسوعة شاملة للكتاب المقدس وموضوعاته

62. Brown, Colin (ed.)

  • The New International Dictionary of New Testament Theology
  • 4 volumes
  • Zondervan, 1986
  • قاموس شامل للكلمات والمفاهيم المسيحية

سابعاً: المراجع الثانوية والدراسات النقدية

63. Stroumsa, Guy G.

  • The Making of the Abrahamic Religions in Late Antiquity
  • Oxford University Press, 2015
  • سياق حضاري واسع للأديان الإبراهيمية

64. Crone, Patricia & Cook, Michael

  • Hagarism: The Making of the Islamic World
  • Cambridge University Press, 1977
  • نظرية نقدية عن أصول الإسلام (مثيرة للجدل)

65. Wansbrough, John

  • Quranic Studies: Sources and Methods of Scriptural Interpretation
  • Oxford University Press, 1977
  • دراسة نقدية لأصول النصوص القرآنية

ثامنًا: دراسات ومصادر مكملة

66. الخوري، موسى ديب

الخوري، موسى ديب. «التوراة: كتابات ما بين العهدين»، دار الطليعة الجديدة، دمشق، ١٩٩٨. ترجمة عربية لمادة من الكتابات القديمة ومخطوطات قمران؛ تقابل المواضع المركزية بالطبعات النقدية للنصوص.

67. الصليبي، كمال

  • البحث عن يسوع: قراءة جديدة في الأناجيل
  • دار الشروق، بيروت/عمّان، 1999
  • ملاحظة: يُستشهد بهذا المرجع للاطلاع والمقارنة فقط؛ فقراءتُه النقدية للأناجيل تُوافق جزئياً منهجَ الكتاب في إعادة النظر في النصوص الإنجيلية، لكنها تختلف معه في تحديد هوية عيسى عليه السلام وزمانه
  • أهمية: مرجع تحفيزي لا استشهادي؛ يُثير الأسئلة الصحيحة حول الأناجيل وتاريخ يسوع

68. الكتابات الكليمنتية (Pseudo-Clementine Literature)

  • Recognitions (Recognitiones) & Homilies (Homiliae)
  • النص اليوناني-السرياني: القرنان الثالث والرابع م، تحرير مصادر أقدم (القرن الثاني م)
  • ترجمة إنجليزية: Roberts, Alexander & Donaldson, James (eds.)

Ante-Nicene Fathers, Vol. 8 T&T Clark, Edinburgh, 1885 (repr. Hendrickson, 1994)

تتضمن الكليمنتيات صورة «الرجل العدو» ونزاعاً حول يعقوب وبطرس. قرأ بعض الباحثين في هذه المادة تعريضاً ببولس؛ وهذا تعيين تفسيري لا تسمية صريحة في كل المواضع. تُراجع الاعترافات ١: ٧٠–٧١ ورسالة بطرس إلى يعقوب مع سياقهما.

69. ابن قيّم الجوزيّة (ت. 751 هـ)

  • هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى
  • تحقيق: محمد أحمد الحاج، دار القلم، دمشق، ط. 3، 1996
  • أحد أعمق الردود الكلاسيكية الإسلامية على المسيحية واليهودية
  • أهمية: يُفصّل ابن القيم أدلة التحريف في نصوص العهدين، ويُناقش بنية الإنجيل المحرَّف بما يتوافق مع أطروحة الفصل ١١ حول تحريف ملاخي ومرقس

70. ساند، شلومو

Sand, Shlomo. The Invention of the Jewish People. Verso, 2009؛ الأصل العبري ٢٠٠٨. الترجمة العربية «اختراع الشعب اليهودي»، ترجمة سعيد عياش، دار الساقي. يُذكر في بحث تشكل الهوية القومية الحديثة، ولا يحسم وحده تاريخ الجماعات الإسرائيلية القديمة أو أصولها.

71. Dupont-Sommer, André

Dupont-Sommer, André. The Dead Sea Scrolls: A Preliminary Survey. Blackwell, 1952. من الدراسات المبكرة للمخطوطات ومقارنتها بالمسيحية. وتراجع مع كتابه The Essene Writings from Qumran (1961)، المذكور أعلاه؛ لا ننسب إليه استنتاجاً حرفياً دون موضعه.

72. Collins, John J.

Collins, John J. The Scepter and the Star. Doubleday, 1995؛ الطبعة الثانية الموسعة، Eerdmans, 2010. مرجع في تنوع الانتظار المسيحاني ونصوص قمران. لا يعيّن الشخصيتين بعيسى ومحمد، ولا يفرض تقسيمهما إلى رسالة روحية بلا ملك وأخرى سياسية.

73. الخالِديّ، طَريف (Tarif Khalidi)

  • The Muslim Jesus: Sayings and Stories in Islamic Literature
  • Harvard University Press, Cambridge MA, 2001
  • جَمعٌ وتَحقيقٌ لثَلاثِمِئةٍ وثَلاثةِ نَصٍّ من أَقوالِ عيسى عليه السلامُ وأَخبارِه في الأَدَبِ العَرَبيِّ الإسلاميّ، مع إسنادِ كلِّ نَصٍّ إلى مَصدَرِه العَرَبيِّ بالصَفحةِ والرَقم، مُرَتَّبةً على القُرونِ من الثاني إلى الثاني عَشَرَ للهِجرة
  • أهمية للفصل الرابع: أَوسَعُ تَوثيقٍ مُتاحٍ لِما نُسَمّيه «الإنجيلَ الإسلاميّ»؛ وناقِلوه كلُّهم من أَهلِ الزُهد، وصُورةُ عيسى فيه صُورةُ السائحِ الذي لا يَبني ـ وهي صُورةُ هذا الفَصل. وقِراءةُ الخالِديِّ لنَشأَةِ المُدَوَّنةِ تُخالِفُ قِراءةَ الكِتاب، وقد أَثبَتناها في مَوضِعِها

74. منصور، محمّد مصطفى

منصور، محمد. «توراة مكة والنبي المنتظر»، كنز ناشرون، الطبعة الأولى، ٢٠٢٦، ٦٢٢ صفحة، ISBN 978-614-507-104-4. يُستفاد منه في قراءة الألفاظ ومتابعة الأخبار، ولا تُتبنى جغرافيته أو تصوراته الروحية تلقائياً. المواضع المتصلة بإضافات البحث: ص ٢٩٤–٢٩٥، ٣٤٤–٣٤٧، ٣٦٥، ٤١٢–٤١٤، ٤٢٣–٤٢٨، ٥٠٥–٥١٥. وله أيضاً «التراث المأثور» وأعمال إنجليزية في الموضوع.

مصادر النصوص والمقارنات المكملة

نقوش ملوك بابل: Weiershäuser, Frauke, and Jamie Novotny. The Royal Inscriptions of Amēl-Marduk, Neriglissar, and Nabonidus, Kings of Babylon. RINBE 2, Eisenbrauns, 2020. النص المفتوح؛ والنصوص الرقمية في ORACC، نقوش نبونيد.

صلاة نبونيد: Sugie Takuma. “Nabonidus and the Curse of the Moon-God.” Bulletin of the Society for Near Eastern Studies in Japan 61/1 (2018): 1–12. الدراسة. النص الآرامي في ص ٢، باتباع طبعة كولينز.

الشفاء والمغفرة: Hägerland, Tobias. Jesus and the Forgiveness of Sins: An Aspect of His Prophetic Mission. Cambridge University Press, 2012.

الطبقات المسيحية المبكرة: Hurtado, Larry W. Lord Jesus Christ: Devotion to Jesus in Earliest Christianity. Eerdmans, 2003. ومناقشته لمصطلح العبادة الثنائية. يميز الكتاب بين وصف العبادة وصياغة الثالوث المجمعية.

تأريخ P52: Roberts, C. H. An Unpublished Fragment of the Fourth Gospel in the John Rylands Library. Manchester, 1935. Nongbri, Brent. “The Use and Abuse of P52,” Harvard Theological Review 98 (2005): 23–48. Orsini, Pasquale, and Willy Clarysse. “Early New Testament Manuscripts and Their Dates,” Ephemerides Theologicae Lovanienses 88 (2012): 443–474.

الآباء والمجامع: يوسابيوس، «تاريخ الكنيسة» ٣: ٢٧، و«حياة قسطنطين» ٣؛ جيروم، الرسالة ١١٢، فقرة ١٣؛ وقانون نيقية سنة ٣٢٥. تُقابل أوصاف الجماعات بصيغها في هذه المصادر، وتراجع ترجمات مجموعة الآباء.

الكنائس الشرقية: عرض الإيمان في موقع الكنيسة الإثيوبية وبيانها في الطبيعة والاتحاد. وللوصف المعاصر لكنيسة المشرق: الإعلان المسيحاني المشترك، ١١ نوفمبر ١٩٩٤؛ لا يستعمل بديلاً عن مصادر العصور الأقدم.

النور قبل ابن عربي: سهل التستري، «تفسير التستري»، تفسير النجم: ١٣. ترجمة Annabel Keeler and Ali Keeler, Tafsīr al-Tustarī, 2011, p. 213. الطبعة المترجمة.

المجوس والمسيح المعلم: The Arabic Gospel of the Infancy، الفصول ٧–٨ و٥١–٥٢ في الترجمة المنشورة ضمن The Apocryphal Gospels، ترجمة B. Harris Cowper، ١٨٦٧. فهرسة النسخ والطبعات. وRevelation of the Magi في تاريخ زوقنين؛ فهرسة برنت لانداو.

رواية التابوت: «التيجان في ملوك حمير»، المنسوب إلى وهب بن منبه برواية ابن هشام، خبر عيسى وكعب بن لؤي، ص ٢١٧ في النسخة المعروضة. وقارن الهمداني، «الإكليل»، ج٨، تحقيق نبيه أمين فارس، ص ١٦٧؛ الإحالة إلى عبارة عيسى وكعب هنا تخص «التيجان».

التوراة والهوية: Collins, John J. The Invention of Judaism. University of California Press, 2017. Adler, Yonatan. The Origins of Judaism. Yale University Press, 2022؛ وBetween Yahwism and Judaism. Cambridge University Press, 2025.

أرشيف بابل: Pearce, Laurie E., and Cornelia Wunsch. Documents of Judean Exiles and West Semites in Babylonia in the Collection of David Sofer. CUSAS 28, 2014. Alstola, Tero. Judeans in Babylonia. Brill, 2020.

إسرائيل والمنفى: Staples, Jason A. The Idea of Israel in Second Temple Judaism. Cambridge University Press, 2021. Lipschits, Oded. The Fall and Rise of Jerusalem. Eisenbrauns, 2005. Faust, Avraham. Judah in the Neo-Babylonian Period. Society of Biblical Literature, 2012.

النصوص المندائية: Häberl, Charles G., and James F. McGrath. The Mandaean Book of John: Critical Edition, Translation, and Commentary. De Gruyter, 2020. تُراجع أخبار يحيى ويسوع في سياقها المندائي.

شكل الصلب: Samuelsson, Gunnar. Crucifixion in Antiquity. Mohr Siebeck, 2011. ويوستينوس، «الدفاع الأول»، الفصل ٥٥: شاهد مبكر على فهم هيئة الصليب، سابق لنيقية.

الوقائع السريانية: Palmer, Andrew. The Seventh Century in the West-Syrian Chronicles. Liverpool University Press, 1993. تقرأ أخبار الوقائع المارونية مع سياقها وتاريخ نسخها.


الرجوع إلى المصادر

تُراجع صور مخطوطات قمران في المكتبة الرقمية للّفائف، مع النشرات النقدية التي تبين الحروف الباقية والترميمات.

وتُراجع النقوش بأرقامها المتحفية أو أرقام المدونات؛ فتبدل مكان العرض لا يغيّر رقم القطعة أو نص نشرها.

تختلف صفحات الكتب التراثية بين الطبعات؛ لذلك تقرن الإحالة، ما أمكن، باسم الباب أو الخبر أو رقم الفصل.

وورود مرجع في هذه القائمة يعني الاستفادة منه أو محاورته في موضوع محدد، ولا يعني أن مؤلفه يوافق مطابقة عيسى بنبونيد أو بقية نتائج الكتاب.

مواضع المقارنة النصية

  • أشفاغوشا، «بودّها تشاريتا»، النشيد الثالث؛ ترجمة E. B. Cowell: مشاهد الشيخوخة والمرض والموت.
  • «برلعام ويوآساف»، ترجمة G. R. Woodward وH. Mattingly، ١٩١٤، الفصول ٣ و٥–٨: حجاب القصر، والخروج، ولقاء المعلم وتعليمه. النص منسوب تقليدياً إلى يوحنا الدمشقي.
  • يوستينوس، «الحوار مع تريفون»، ٦١ في الكلمة وصدورها، و٨٨ في التعميد؛ و«الدفاع الأول»، ٦ في لغة العبادة، و٤٦ في حصة البشر من الكلمة. ترجمة Roberts وDonaldson.
  • تفسير سهل التستري، النجم ١٣؛ والنص المقابل في ترجمة Annabel وAli Keeler، ٢٠١١، ص ٢١٣.
  • Sugie Takuma، «Nabonidus and the Curse of the Moon-God»، مجلة Orient اليابانية، ٦١/١، ٢٠١٨، ص ١–١٢. DOI: 10.5356/jorient.61.1_1. الدراسة باليابانية، ولها ملخص إنجليزي يعرض فرضية تشعب خبر المحنة.
  • Gesenius’ Hebrew Grammar، تحرير E. Kautzsch وترجمة A. E. Cowley، الطبعة الإنجليزية الثانية، ١٩١٠: الفقرة ٦ في الحروف الحلقية، والفقرة ١٤٥ في توافق المسند والمسند إليه.

ملحق ٩: «اليَهوديّة كَحَركة» ـ الفَرق بَين الشَريعة المُوحاة والحَركة الدينيّة المُتَأَخِّرة

نميز في هذا الكتاب بين بني إسرائيل، والشريعة الموحاة التي يتوارثونها، وتبلور الدين في حركة مؤسسية ذات حدود وطقوس جامعة. ونقترح أن للعصر الحشموني في القرن الثاني قبل الميلاد دوراً حاسماً في الصورة المتأخرة لهذه الحركة. يعرض الملحق بحوثاً تساعد في فحص هذا التصور، مع تمييز أطروحتنا عن اختلاف المؤرخين في تعريف اليهودية وتأريخها.

التوراة والهوية: مساران في البحث

يفيدنا هنا عملان يطرحان أسئلة متجاورة، ولا ينتهيان بالضرورة إلى التأريخ نفسه:

  • جون كولينز، The Invention of Judaism (٢٠١٧): يتتبع مركزية التوراة والهوية من التثنية وعزرا إلى العصر المكابي وبولس. كتابه تاريخ تشكل متعدد المراحل، وليس حكماً بأن كل اليهودية بدأت بعد المكابيين.
  • يوناتان أدلر، The Origins of Judaism (٢٠٢٢): يبحث متى يظهر دليل على معرفة عامة الناس بأحكام التوراة والتزامهم بها، ويبرز العصر الحشموني في جوابه. ويبحث في Between Yahwism and Judaism (٢٠٢٥) استمرارية العبادة والثقافة في المرحلة الهلنستية المبكرة قبل التحول اللاحق.

تتيح هذه الدراسات التمييز بين وجود النص، واكتسابه السلطة، وانتشار العمل به. قد تختلف تواريخ هذه المراحل، ومن هنا نقرأ علاقة الشريعة بالحركة المؤسسية. ويمكن متابعة اختلاف المسارين في عرض كتاب كولينز وكتاب أدلر عن المرحلة الهلنستية المبكرة.

الشواهد التي يُبحث بها انتشار العمل بالشريعة

نَعرض هنا أهمَّ الشواهد التي يَستند إليها هذا الاتّجاه:

  1. عزرا ونحميا: تعرض قصة قراءة الشريعة وإقامة المظال مشروع تجديد للجماعة. لكنها رواية عن الحدث، ويحتاج تأريخ النص وعلاقته بالممارسة إلى بحث مستقل.
  2. إلفانتين: تكشف برديات القرن الخامس ق.م معبداً لجماعة يهودية خارج القدس، وتنوعاً في الممارسة والأسماء الدينية. لا يلزم من ذلك أن كل أفرادها جهلوا كل شريعة موسوية.
  3. النقود والصور: يتيح استعمال نماذج بومة أثينا ورموز أخرى في نقود يهوذا سؤال العلاقة بين الصورة والهوية. تقليد نموذج نقدي لا يثبت بذاته عبادة كل من استعمله للإله المصوَّر.
  4. الطهارة والطعام: أحواض الاغتسال والأواني الحجرية وبقايا الغذاء قرائن على الممارسة، ولكل منها زمن انتشار وظروف حفظ وتنقيب مختلفة؛ فلا نجمع ظهورها في لحظة واحدة.
  5. تعدد الأدب: الحكم والرؤى وأسفار الشريعة تحمل مراكز اهتمام متباينة. غياب اسم موسى عن مؤلَّف لا يثبت جهل كاتبه به، لكنه يدعو إلى بحث تعدد مصادر السلطة الدينية.
  6. أماكن الاجتماع: تُقرأ شواهد دور الصلاة والكنس ووظائفها في سياقها؛ فالفصل التام بين الصلاة والتعليم لا يستخرج من اسم المبنى وحده.
  7. الرؤى والمصير: تعرض كتب مثل دانيال وإخنوخ صوراً متطورة للدينونة والقيامة، مع اختلاف تواريخ طبقاتها. يدل ذلك على تاريخ للفهم والتعبير، لا على إثبات أن المعنى لم يعرفه أحد من قبل.

عزرا والكتبة الخمسة: رواية استرداد الكتاب

ومن داخل التراث نفسه ترد رواية مهمة عن ضياع الكتاب وإعادة إملائه. أهميتها هنا أنها تكشف صورة الذاكرة عن حفظ الوحي واسترداده.

يروي «عزرا الرابع» طلب عزرا استرداد الشريعة بعد إحراقها. ويؤرخ الكتاب عادة بنحو سنة مئة للميلاد، وحفظ في ترجمات متعددة؛ وتضم بعض الطبعات الإنجليزية مادته في 2 Esdras، الإصحاحات ٣–١٤. فهو ذاكرة دينية عن عزرا وزمنه، نقرأ من خلالها ما صار إليه مقامه بعد ذلك.

ثمّ يُسَمّي النَصُّ الكَتَبةَ تَسميةً: «فأَخَذَ معَه خَمسةَ رِجالٍ مُدَرَّبينَ على الكِتابةِ السَريعة: سارِيا ودَبريا وسَلَميا وإيثانوس وأَسيئيل» (٤ عِزرا ١٤: ٢٤). وأَربَعينَ يَوماً يُملي عليهم. ثمّ يُنهي الخَبَرَ بعَدَدٍ لافِت: أنّ الذي كُتِبَ أَربَعةٌ وتِسعونَ سِفراً، أُعلِنَ منها أَربَعةٌ وعِشرون «للمُستَحِقِّ وغيرِ المُستَحِقّ»، وحُبِسَ سَبعونَ «للحُكَماءِ من شَعبِك» (١٤: ٤٤ـ٤٦).

تقسم الرواية الكتب إلى أربعة وعشرين للعامة وسبعين للحكماء. وتظهر بذلك تصوراً لمعرفة وراء المتن المتداول، وقصة يضيع فيها الكتاب ثم يسترد. نأخذ منها هذا المعنى في الذاكرة، ثم يبقى تحقيق واقعة الإملاء وعدد الكتب ومصيرها سؤالاً تاريخياً آخر.

ونضع هذه المكانة إلى جانب ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٣٠). فقد صار عزرا في الرواية مسترد الكتاب بعدما ضاع، وهي منزلة يسهل أن يجاوز التعظيم فيها حد صاحبه. ونرى في هذا مدخلاً لفهم الغلو الذي تنكره الآية، من جهة ما حفظه التراث نفسه عن سلطة الرجل ومكانته.

وتختلف منزلة «عزرا الرابع» بين التقاليد، فلا يصح تعميم وضعه في ملحق واحد على الكنائس الشرقية كلها. نقرأه هنا رواية دينية عن سلطة عزرا واستعادة الكتاب، ونفصل بين دلالته على الذاكرة وبين إثبات وقائع القرن الخامس قبل الميلاد.

الأسماء التي عرفها هيرودوت

ومن المصادر الخارجية هيرودوت (نحو ٤٨٤–٤٢٥ ق.م). تتضح قيمة خبره حين نقرأ ما يسميه من بلاد وأقوام، ثم نقارنه بأسماء النصوص الداخلية.

يسمي «سريي فلسطين» (Σύριοι οἱ ἐν τῇ Παλαιστίνῃ، سيريوي هوي إن تي بالايستيني)، ويذكر أنهم والفينيقيين يقرون بأخذ الختان عن المصريين (الكتاب الثاني، ١٠٤). ويعود ذكرهم في الأسطول الفارسي (السابع، ٨٩)، وفي طريق مصر (الثالث، ٥). فهو يعرف أهل الأرض وينقل عادة من عاداتهم، وهذه مادة ينبغي أن تدخل المقارنة.

لكن خريطة أسمائه تختلف عن خريطة الروايات الكتابية؛ فلا يذكر إسرائيل ويهوذا بأسمائهما، ولا موسى والخروج أو سليمان وهيكله. يستوقفنا هذا الاختلاف عند كاتب أفرد لمصر كتاباً، ونقل عن كهنتها أخبار الملوك والعادات. فهو يفتح السؤال عما وصل إلى معرفة المؤرخ، وكيف تشكلت الصورة التي عرضها عن الإقليم.

وهناك موضعان يناقشان في هذا السياق. أولهما قاديطيس (Κάδυτις، كاديتيس)، التي يذكرها مدينة كبيرة في سورية (الثاني ١٥٩، والثالث ٥)؛ يرجح كثير من المحققين أنها غزة، ويقترح آخرون أورشليم. وثانيهما هزيمة نخاو للسريين في مجدولوس (Μάγδωλος، ماغدولوس)، ثم أخذه قاديطيس (الثاني ١٥٩)، وهو خبر يقارن بمعركة موت يوشيا في ٢ ملوك ٢٣: ٢٩. تأتي هذه التعيينات من مقابلة المصادر، وتبقى أسماء هيرودوت كما نقلها هو.

تكشف المقارنة حدود معرفة هيرودوت واختياراته، ولا تجعل سكوته حصراً لكل ما كان موجوداً في زمنه. نبحث من خلالها الأسماء الظاهرة له في القرن الخامس قبل الميلاد، ثم نميز ذلك من العصر الحشموني الذي يركز عليه بحث انتشار أحكام التوراة.

انعِكاس هذه الشَواهد على إِطار الكِتاب

إذا ميزنا بين الإرث الإسرائيلي الأقدم والتبلور المؤسسي اللاحق، أمكن قراءة عيسى في أفق يسبق بعض الجماعات التي تعرضها الأناجيل. هذا ما تقترحه مطابقتنا بنبونيد، ثم نختبر أثره في قراءة الأخبار:

أولاً، لا يذكر القرآن الفريسيين والصدوقيين بأسمائهم في أخبار عيسى، بينما يكثر حضورهم في الأناجيل. نرى في هذا الاختلاف ما يستحق النظر عند بحث طبقات السيرة. لكنه لا يؤرخ عيسى وحده؛ فقد يختار نص مقاصد وأخباراً تختلف عن اختيار نص آخر.

وثانياً نجمع المحراب والنخلة والنسب الهاروني لمريم في صورة للبيئة القرآنية، ونقابلها بما عرضناه من شواهد. فالدلالة تنشأ من اجتماع التفاصيل، مع معرفة أن النخل والخدمة الكهنوتية استمرا في عصور متعددة.

ثالثاً، يسمح هذا التمييز بأن نبحث تاريخ المؤسسة من غير أن نجعل بدايتها بداية الوحي نفسه. في تصور الكتاب، يحمل عيسى ميراث موسى ويجدده، وتأتي الحركة المتأخرة فتستأثر بتعريف ذلك الميراث وحدوده. هذا تفسير لمسار الذاكرة، لا نتيجة يستخرجها علم الآثار بمفرده.

الشريعة قبل المؤسسة

يفيد بحث أدلر في معرفة زمن انتشار العمل بأحكام التوراة بين عامة الناس. ومنه نستعين بالتفريق بين النص والممارسة والمؤسسة، ثم نواصل سؤال الكتاب الأوسع عن مسار النبوة. فتاريخ موسى وتاريخ كل مؤلف وأصول معرفة الله مسائل لها موادها المختلفة.

وبهذا نجمع في قراءتنا بين:

  • إيمانَنا بِالتَوراة كَنَصٍّ مُوحًى مَتوارَث (الطَبقة الثانية)
  • إقرارَنا التاريخيَّ بأنّ «اليَهوديّة كَحَركة» ظاهرةٌ مُتَأَخِّرة (الطَبقة الثالثة)
  • تَموقُعَ عيسى ابنِ مَريم عَليه السَلام في المَوضع الذي تَطلُبه القَرائنُ القُرآنيّة: نَبيٌّ مِن بَني إسرائيل بِالشَريعة المُوحاة، قَبل تَبَلوُر الحَركة بِقُرون

نتناول المؤسسة وتفسيرها للموروث في ضوء هذا الفرق، ونحفظ للشريعة معناها الموحى، ولبني إسرائيل مكانتهم في تاريخ الأنبياء.


ملحق ١٠: توحيدُ العليّ ـ بنو إسرائيل قبل اليهوديّة

نتابع هنا معنى «العلي» الذي تكرر في النقوش والنصوص، ونصل به قراءتنا لنبونيد وسين. وفي صلاة نبونيد يرد الاسم ضمن الترميم المنشور؛ ثم تعين المصادر الأخرى على مقارنة ألفاظ العلو والسماء والنور. ومن اجتماعها نبحث استمرار معرفة الإله الأعلى وراء تغير الأسماء والرموز.

العليّ: من ملكي صادق إلى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾

أقدمُ ظهورٍ للإله الأعلى في التوراة على لسان ملكي صادق، «مَلكِ ساليم، كاهنِ الله العليّ (El ʿElyon)، خالقِ السماوات والأرض» (تكوين ١٤)، الذي بارك إبراهيمَ قبل موسى وقبل الشريعة الحركيّة. و«عليون» العبريّة من جذرٍ معناه الصعودُ والعلوّ ـ هو عينُ جذر «العليّ» العربيّ (ع-ل-و). فحين يقول القرآنُ ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (البقرة: ٢٥٥) و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (الأعلى: ١)، فإنّه يَستعيد الاسمَ الإبراهيميَّ الأقدم للإله الواحد: الأعلى، خالقَ السماوات والأرض، الذي أَمر شافي نبونيد المَلكَ أن «يَرفع اسمه».

«الأعلى» معبوداً موثَّقاً: من بابل إلى الجزيرة

نضع الشواهد بعضها إلى جانب بعض، مع بيان البيئة التي ورد فيها كل اسم أو لقب:

  • سفيرة: يرد «إيل وعليون» في قائمة آلهة معاهدة آرامية؛ وهو شاهد على الاسم، لكن وجوده في قائمة متعددة لا يثبت توحيداً حصرياً.
  • سين في نقوش نبونيد: تُعطى له منزلة عظيمة بين الأسماء الإلهية التي يذكرها السجل البابلي. ونقرأ رفع مكانته في ضوء تصورنا للإله العلي، مع بقاء هذا التأويل متميزاً عن ألفاظ التعدد في النقوش.
  • Theos Hypsistos: ناقش ستيفن ميتشل وغيره انتشار لقب «الإله الأعلى» في نقوش المتوسط. تختلف هوية أصحابه وحدود رفضهم لسائر العبادات، فلا يجعلهم اللقب وحده جماعة واحدة.
  • بعل شمين وصيغ تدمر: يفتح لقب رب السماء وصيغ تعظيم الاسم باب المقارنة، دون مساواة كل إله مجهول الاسم ببعل شمين أو افتراض تحريم واحد للنطق في جميع هذه البيئات.
  • الله والرحمن: تُدرس ألقاب الخلق والنور في النقوش الصفائية، وتُقرأ «رحمنن» في مراحل التوحيد الحميري. لكل شاهد سياقه، ثم يقارن بما حفظه القرآن من الأسماء والمعاني.

تفتح هذه المادة السؤال عن أصل مشترك في معرفة الإله الأعلى. ومن اللقب ننتقل إلى الاعتقاد والطقس والصورة في كل موضع، لنرى ما استمر من المعنى وما اختلف في التعبير عنه.

الاسمُ المُنزَّه: خيطُ «بني الاسم»

تعظم تقاليد مختلفة الاسم الإلهي، وتختلف في النطق به واستعماله. ففي مشناة يوما ٦: ٢ يسجد الحاضرون عند سماعه من الكاهن، وهو خبر عن حرمة الاسم، لا حصر لجميع مرات النطق به. ونقابل هذا التعظيم بتسبيح اسم الرب الأعلى في القرآن. وفي ضوئه طرحنا قراءة «هاشم» إلى جانب «ها-شم»، أي «الاسم»؛ فهي القراءة التي نقترحها، إلى جانب الاشتقاق العربي المعروف من هشم.

وصف الرجل وميراثه النبوي

نفصل ميراث بني إسرائيل النبوي عن المراحل التي تشكلت فيها المؤسسة اليهودية. ويأتي الرجل في الصلاة موصوفاً بـyhwdy، فنثبت اللفظ ونبحث دلالته اليهوذية القومية أو الجغرافية في ذلك السياق. فمعرفة هذا الوصف تعين على تعيين بيئته، ثم نقرأ وظيفته الروحية في الرواية والمقارنة التي نبنيها.

الخيطُ الواحد: إسلامُ العليّ من إبراهيم إلى محمّد

نقرأ هذه الصلات في أفق وحدة الدين التي يقررها القرآن: التسليم لله ومعرفته، مع تغير اللغات والأجيال. وفي أطروحتنا يحمل عيسى-نبونيد هذا المعنى، وتجدده الرسالة المحمدية. ويستوقفنا اسم الإمام علي، بما فيه من معنى العلو، في ذاكرة العراق الروحية؛ لكن الاشتراك في صفة «العلي» لا يثبت وحده نسباً تاريخياً إلى عبادة سين، ولا يجعل الاسم البشري تسمية لصاحبه بالإله.

ويحمل اسم معبد سين في حران، «إيخلخل» بالسومرية، معنى الفرح. نستحضر إلى جواره الهلال والتهليل في العربية على سبيل المقارنة الصوتية والرمزية؛ فالسومرية ليست لساناً سامياً، ولم نثبت طريق انتقال بين اللفظين. وما تقترحه قراءتنا هو أن رموز القمر والعلو والابتهاج قد تحمل معاني أعمق من صورة الوثن التي تختزل فيها أحياناً، ثم يُبحث تاريخ كل رمز ونص على حدة.


ملحق ١١: بابل — المنفى والذاكرة الأقدم

يجمع هذا الملحق السؤال الرافدي في الكتاب: كيف نفهم بابل موضعاً لأصل أقدم في ذاكرة الأنبياء، مع ما توثقه المصادر من تهجير جماعات إليها؟ لا يلغي أحد الوجهين الآخر. ننطلق من وقوع السبي، ثم نسأل عما قد تحجبه صورته المتأخرة من حركة أوسع للناس والمعرفة بين الرافدين والأقاليم المجاورة.

يهوذا وبنو إسرائيل: حدود الاسمين

قد توحي عبارة «سبي اليهود» بأن أمة بني إسرائيل كلها اقتلعت ثم عادت. لكن يهوذا اسم سبط، ثم مملكة جنوبية، ثم مقاطعة في العهد الفارسي تسمى Yehud، ومنها النسبة التي تقابل Ioudaios اليونانية. أما إسرائيل فاسم أوسع، يحمل ذاكرة الأسباط الاثني عشر والعهد. درس جيسون ستيبلز هذه العلاقة في «فكرة إسرائيل في يهودية الهيكل الثاني» (Cambridge، ٢٠٢١)، وجعل اليهود جزءاً (subset) من إسرائيل الأوسع، التي بقي فيها انتظار استرجاع الأسباط الشمالية. وتفيد هنا أيضاً أبحاث شاي كوهين في «بدايات اليهودية» (١٩٩٩)، وستيف ماسون (٢٠٠٧)، عن الدلالة القومية والجغرافية للاسم. ثم يضيف يوناتان أدلر في «أصول اليهودية» (Yale، ٢٠٢٢) سؤالاً آخر عن زمن انتشار العمل بأحكام التوراة، ويبرز فيه القرن الثاني ق.م.

وتكشف أخبار الجماعات أن هذه الحدود كانت متحركة. ففي إلفنتين سمى يهود القرن الخامس ق.م أنفسهم «يهودين» بعيداً عن يهوذا، فتجاوزت النسبة موضعها الجغرافي. كما حذرت أديل راينهارتس ودانيال شفارتس، في أعمال سنة ٢٠١٤، من فصل الاسمين بما يمحو الاستمرار بينهما. نقرأ السبي من جهة جماعات يهوذية محددة، ونبقي إسرائيل أوسع منها، مع تتبع التداخل والتغير في استعمال الاسمين.

أرشيف آل-يهودو: حياة المهجّرين واستقرارهم

تكشف ألواح آل-يهودو في بابل، المنشورة خصوصاً في عمل لوري بيرس وكورنيليا فونش (CUSAS 28، ٢٠١٤)، حياة جماعات مهجرة داخل نظام الأرض والخدمة والالتزامات. يظهر فيها التعاقد وتتابع الأسر واستمرار الحياة الاقتصادية. هذه الصورة توسع فهم المنفى؛ فالترحيل القسري لا يمنع نشوء استقرار لاحق، ولا يلزم أن تبقى حياة المهجرين صورة معسكر دائم.

ومن أمثلة الأرشيف اللوح العاشر في طبعة بيرس وفونش، المؤرخ في عهد نبونيد، بما يجمعه من أسماء يهوذية وتاريخ بابلي. يضعنا هذا النوع من الوثائق أمام أشخاص يعيشون في المجال الذي يدور عليه بحثنا. وتفتقر المجموعة إلى سياق تنقيب موثق، لذلك تظل معلوماتها النصية منفصلة عن التفاصيل الأثرية التي لا نملكها عن موضع العثور.

يفيد اسم آل-يهودو، «مدينة يهوذا»، والأسماء الشخصية في تتبع جماعة معينة من المرحّلين. ولا يعني ذلك أن الهوية كانت إدارية فقط أو خالية من معنى ديني؛ فقد تتداخل النسبة والمكان والعبادة في الاسم الواحد.

ونقابل هذه الألواح بوثائق مرحلين آخرين، ومنها أهل نيراب، فتظهر حركة التهجير إلى بابل، ثم ما نشأ من استقرار فيها. وإلى جانب ذلك نفتح سؤال الأصل الرافدي الأقدم، بمواده الأخرى. فكل حركة لها زمنها، وقد يتسع التاريخ لاتجاهات متعددة.

«الأرضُ الخالية»: أيديولوجيا العودة

ويبحث النقد الحديث صورة «الأرض الخالية» في روايات العودة. ففي ٢ أخبار ٣٦: ٢١ تستوفي الأرض «سبوتها» سبعين سنة، وفي عزرا–نحميا تتصدر جماعة «أبناء الجلاء» (bnei ha-golah)، بينما يتراجع موقع «شعب الأرض» الذين لم يرحلوا. سمى روبرت كارول هذا التصور «أسطورة الأرض الخالية» (Semeia 59، ١٩٩٢)، ودرسه هانس بارستاد في كتابه سنة ١٩٩٦، ثم بحث إيهود بن زفي سنة ٢٠١٠ صلته بذاكرة العصر الفارسي وشرعية العائدين. فصورة السبي الشامل تؤدي وظيفة في تعريف الجماعة التي تصوغ خبر العودة.

لكن بقاء السكان لا ينفي وقوع خراب واسع وتراجع في الاستيطان؛ وهذه من المسائل التي اختلفت دراسات ليبشيتس وفاوست في تقدير مداها. نستبقي من المقارنة أن صورة الاقتلاع الكامل تحتاج مراجعة، مع الإقرار بأن الحرب والتهجير أحدثا خسائر كبيرة.

بابل مركزاً للحياة والتعلم

تحولت بابل مع الزمن إلى مركز كبير للحياة اليهودية والتعلم، ونشأت فيها مدارس سورا وبمبديتا ونهردعا، وصار التلمود البابلي مرجعاً واسع الأثر. كما تحفظ مصادر التقليد اعتزازاً بأنساب الجماعة البابلية. هذه مركزية تاريخية تحتاج إلى تفسير، لكنها لا تخبرنا وحدها كم فرداً كان يستطيع العودة أو لماذا اختارت كل أسرة البقاء.

تدعو هذه المركزية إلى قراءة بابل قلباً حياً في تاريخ الجماعة، بعد أن دخلتها جماعات بالسبي. ويحتاج الاعتزاز بالنسب البابلي وبدعوى الأصل الداودي لرأس الجالوت إلى قراءة دوره في الشرعية أيضاً، كما في جفري هيرمان، «أمير بلا مملكة» (٢٠١٢)، وسيمخا غروس، «Babylonian Jews and Sasanian Imperialism in Late Antiquity» (Cambridge University Press، ٢٠٢٤). فمن هذه المؤسسات وما أنتجته من علم نرى اتجاه الثقل إلى الرافدين، ثم نبحث كل مرحلة من مراحل تكونه.

الجذورُ الأقدم: من أُور إلى حرّان

وفي أخبار الآباء صلة أقدم بالرافدين: خرج إبراهيم من «أور الكلدانيين» إلى حران (تكوين ١١–١٥)، وجاءت رفقة وراحيل وليئة من «آرام النهرين» (Aram-Naharaim)، ويرد «آراميا تائها كان أبي» (تثنية ٢٦: ٥). كذلك تقارن أخبار التكوين ١–١١ بمادة رافدية: الطوفان والسفينة والطير والذبيحة بإزاء «أتراحاسيس» واللوح الحادي عشر من «جلجامش»، ثم «لوح السفينة» الذي عرضه إرفينغ فينكل في «السفينة قبل نوح» (٢٠١٤)؛ وأعمار الآباء بإزاء قائمة ملوك سومر، وبرج بابل بإزاء الزقورة. ومن المراجع في هذه الصلات سبايزر، Genesis (١٩٦٤)، ولامبرت (١٩٦٥). فالرابطة هنا ممتدة في ذاكرة الأصل وصور الرواية.

هذه صلة رافدية واضحة في الأدب والذاكرة. وتقابلها شواهد يُفسر بها كثير من الأثريين تشكل الجماعات الإسرائيلية في مرتفعات كنعان. نضع المسارين في الحوار: قد تتصل هوية نشأت أو تجمعت في موضع بذاكرة وأسلاف وحركات أقدم في موضع آخر. لا يحسم التشابه الأدبي وحده موطن كل جماعة، ولا تغني الخريطة الأثرية عن سؤال الذاكرة.

حركات في أكثر من اتجاه

من هنا نقترح أن السردية التي تركز على المنفى البابلي غطّت في بعض وجوهها انتماءً رافدياً أقدم. وندخل في البحث حركةً من بابل نحو الأطراف إلى جانب الحركة المثبتة إليها، وربما تهجيراً وعودة في أكثر من اتجاه. هذا هو معنى السؤال عن «السبي المقلوب» عندنا: توسيع خريطة الحركة، لا إنكار سبي يهوذا إلى بابل.

تمنح مركزية بابل ومنبت الآباء في الرواية مادة للسؤال عن الاتجاه الأقدم، ثم نطلب وثائق تعين جماعاته وزمنه. هذه الحلقة ما زالت مفتوحة: نعرف من السجل تهجيراً إلى بابل، ونبحث وراءه وفي جواره انتماء رافدياً وحركة نحو الأطراف.

التيس الحي ومعنى حمل الآثام

يصف لاويين ١٦: ٢١–٢٢ إطلاق التيس الحي حاملاً آثام الجماعة إلى «أرض جزرة»، أي أرض منقطعة. ونقارن جذر القطع هنا باسم الجزيرة في العربية والسريانية، ثم نتأمل رمز إخراج الحمل عن الجماعة. أما تعيين أرض الشعيرة بالجزيرة الرافدية فلا يحسمه هذا التقارب اللغوي؛ إنه اقتراح جغرافي يحتاج شواهد أخرى.

وفي مشناة يوما ٦: ٦ تنتهي الشعيرة بدفع التيس عن جرف، فيختلف المشهد عن إطلاقه حياً في نص اللاويين. نقارن الصورتين من جهة الإبعاد وإمكان الرجوع، ثم نسأل عن تاريخ هذا التحول. وقد يضيء ذلك معنى الفقد والعودة في بحثنا، مع بقاء الوصف متعلقاً بالشعيرة ومصادرها.


ملحق ١٢: الشهودُ الخارجيّون على عشيّة البعثة ـ نقوشٌ ووثائقُ من خارج التقليد

نختم بالمادة التي وصلتنا خارج كتب السيرة: نقوش تذكر ملوكاً وأبنية، ونصوص تنقل أخبار العرب والجماعات الدينية. لكل شاهد غرضه وزمنه، ومن جمعها تتسع معرفتنا ببيئة الكتابة والعبادة والحكم.

تكشف هذه المصادر وجوهاً من الملك العربي وانتشار الكتابة وصلات الجزيرة بالشام والعراق والحبشة. ثم نقرأ خبرين عن الحركة العربية المبكرة وزيارة المواقع المقدسة، لنتابع كيف رآها جيرانها وما حفظوه عنها.

ترد تواريخ النقوش والوثائق هنا بحسب نشراتها وقراءات الباحثين لها. ويُفصل في كل موضع بين تاريخ الواقعة التي يحكيها الخبر وتاريخ تدوينه المفترض.


نقشُ النَّمارة (٣٢٨م): «ملكُ العربِ كلِّهم»

في سهلِ النَّمارة البازلتيّ، جنوبَ شرقِ دمشق، عُثر سنةَ ١٩٠١م على حجرِ قبرٍ نُقل بعدُ إلى متحف اللوفر (تحت رقم AO 4083). إنّه شاهدةُ قبرِ امرئ القيس بن عمرٍو، ملكٍ من عرب الشمال، مؤرَّخةٌ بدقّةٍ بسنة ٢٢٣ لتقويم بُصرى، أي سنة ٣٢٨م. ولغةُ النصّ عربيّةٌ، وحروفُه الخطُّ النبطيّ الآراميّ الذي نَشأت منه الكتابةُ العربيّة. وفي سطوره يُدعى الميتُ «ملكَ العربِ كلِّهم»، ويُرسَم امتدادُ سلطانه من الفرات نزولاً نحو نجران في الجنوب.

يرسم النقش لقباً ملكياً عربياً ومجال نفوذ، ويفيد في بحث المناذرة وتاريخ العربية. ثم نقابله بأخبار صاحبه لمعرفة انتمائه الديني وحدود سلطانه؛ فالشاهدة نفسها لا تتضمن إقراراً مسيحياً صريحاً.

والمصدرُ المعتمَد: الحجرُ نفسُه في اللوفر (AO 4083)، مع قراءة James Bellamy «A New Reading of the Namārah Inscription» في «Journal of the American Oriental Society» ١٠٥ (١٩٨٥).

زبد وأسيس وحران: سياقات الكتابة العربية

تشهد نقوش مبكرة على استعمال العربية قبل القرآن في سياقات دينية وسياسية. ومن الشواهد المؤرخة المشهورة:

  • عَتَبةُ زَبَد (٥١٢م): في زَبَد جنوبَ شرقِ حلب، عَتَبةٌ من مَزار القدّيس سرجيوس تَحمل ثلاثَ لغاتٍ جنباً إلى جنب ـ اليونانيّةَ والسريانيّةَ والعربيّة ـ والعربيّةُ منها تُسمّي بانيها.
  • نقشُ جبل أُسَيس (٥٢٨م): على بازلت جبل أُسَيس جنوبَ شرقِ دمشق، نقشٌ عربيٌّ يُسجّل رجلاً أرسله إلى حاميةٍ «الحارثُ الملكُ»، أي الحارثُ بنُ جبلة الغسّانيّ، ملكُ العرب المسيحيّين في الشام.
  • عَتَبةُ حَرّان (٥٦٨م): في حَرّان باللَّجاة، عَتَبةٌ مكتوبةٌ باليونانيّة والعربيّة فوقَ باب مَزارٍ بناه رجلٌ اسمُه شَرَحيل.

تجمع هذه الشواهد استعمال العربية مع السريانية واليونانية في محيط عربي. تختلف وظائفها: بناء ديني في زبد وحران، ومهمة عسكرية في أسيس. ومن هذا التنوع نرى حضور الكتابة في الحياة، ثم ندرس نشأة الخط ومعتقد أصحاب النقوش بمادتهما الخاصة.

والمصادرُ المعتمَدة: زَبَد في «Répertoire d'épigraphie sémitique» (RES 2640)؛ وجبلُ أُسَيس عند Christian Robin وMaria Gorea في «Arabica XLIX» (٢٠٠٢)؛ وحَرّان في نشرة Enno Littmann.

نقشُ CIH 541 (نحو ٥٤٨م): سدُّ مأرب ووفودُ القُوى الخمس

ويقدم CIH 541 وثيقة واسعة عن أبرهة وعلاقات اليمن في عصره. نشره Walter Müller وحققه سنة ١٩٧٤، وهو في الجزء الرابع من «مدونة النقوش السامية». يخلد إصلاح سد مأرب بعد كسرين في سنتي ٥٤٧ و٥٤٨م، ويؤرخ العمل بسنة ٦٥٨ حميرية، ويذكر أبرهة بلقب «ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات». فاجتمع في الأثر خبر العمل العمراني وصورة السلطان وزمنهما.

ويذكر النقش وفود أكسوم الحبشة (ḥbš)، وروما (rwm)، وفارس (frs)، والمنذر اللخمي، والحارث بن جبلة الغساني. بذلك نرى مأرب مركزاً للقاء مبعوثي القوى الكبرى، ونرى الشمال العربي والجنوب في خبر واحد مؤرخ. وهذا من أقوى ما يوضح شبكة البحر الأحمر التي عرضناها: ممالك متعاصرة تتبادل الوفود، وتتصل فيها الجزيرة بالحبشة وفارس والروم.

والمصدرُ المعتمَد: Walter Müller، «Die sabäische Inschrift CIH 541» (١٩٧٤)؛ مع أعمال Sidney Smith المبكّرة وقراءة Christian Julien Robin في «Arabia and Ethiopia» (أكسفورد ٢٠١٢).

تعليم يعقوب: خبر مبكر عن نبي بين العرب

«تعليم يعقوب المعمد حديثاً» حوار جدلي يوناني يُؤرخ عادة في ثلاثينيات القرن السابع، مع اختلاف في زمن تأليفه ومكانه. يورد خبراً من فلسطين عن نبي ظهر مع العرب، في سياق انتظار الممسوح. وهو من الشواهد الخارجية المبكرة، لكن كاتبه خصم ديني ينقل خبراً، لا شاهد عيان محايداً على الدعوة.

يضع الخبر الحركة في أفق السؤال عن النبوة والمسيح، فيحفظ لنا جانباً من تلقي الجيران لها. أما تعيين بدء الدعوة أو وفاة النبي من صيغة الزمن وحدها فيحتاج إلى معرفة طريق الخبر وتاريخ تحرير الحوار. نأخذ منه صورة التلقي، ثم نبحث الوقائع التي يرويها في بقية الشواهد.

والمصدرُ المعتمَد: «Doctrina Jacobi nuper baptizati»، نشرة وترجمة Gilbert Dagron وVincent Déroche («Juifs et chrétiens dans l'Orient du VIIe siècle»، Travaux et Mémoires ١١، ١٩٩١)؛ ودراسةُ Robert Hoyland «Seeing Islam As Others Saw It» (پرنستون ١٩٩٧).

الوقائع المارونية وزيارة معاوية للمواقع المقدسة

تحفظ الوقائع المارونية السريانية أخباراً من عهد معاوية إلى ستينيات القرن السابع، وتسميه ملك العرب، وتروي زيارته مواضع مقدسة في القدس وصلاته فيها. نقرأ الخبر في صلة الحكم بذاكرة الأماكن، مع تمييز آخر الأحداث التي ذكرها النص من زمن تدوينه. ثم نبحث عقيدة الرجل في مجموع ما وصل عنه.

تنسجم هذه الزيارة مع بيئة تتقاطع فيها ذاكرة الأنبياء والمواضع المقدسة، وقد تُفهم دينياً أو سياسياً أو بهما معاً. نرى فيها مادة مهمة لسؤال الاستمرار، ثم نترك تعيين الاعتقاد لما هو أصرح من مجرد الزيارة.

والمصدرُ المعتمَد: «Maronite Chronicle»، في ترجمة Andrew Palmer «The Seventh Century in the West-Syrian Chronicles» (ليڤربول ١٩٩٣)؛ ومسحُ Robert Hoyland «Seeing Islam As Others Saw It» (١٩٩٧).

جسرُ النصوص: من قمران إلى أكسوم (إحالةٌ إلى الفصل السادس عشر)

تحفظ الجعزية نصين مهمين هما إخنوخ الأول واليوبيلات، وتؤكد شذرات قمران قدم أجزاء واسعة من مادتهما. عرض الفصل السادس عشر هذه الصلة، مع تمييز تواريخ المؤلفات وطبقاتها عن تواريخ النسخ والترجمات.

تكشف المقابلة مادة قديمة بقيت كاملة في التقليد الإثيوبي، وظهرت أجزاء من أصلها في قمران. هذا طريق ملموس في حفظ الكتب، ثم يبقى تاريخ انتقالها وعقيدة الجماعات التي قرأتها موضوعين للبحث. ومن حفظ الحبشة لها اتسعت معرفتنا بتراث كان جزء كبير منه غائباً.

جدولُ النقوش والوثائق

النقش / الوثيقةالتاريخالمكانما يُثبته
نقشُ النَّمارة (Louvre AO 4083)٣٢٨مالنَّمارة، جنوبَ شرقِ دمشقلقب ملكي عربي ونص مبكر مهم لتاريخ العربية؛ لا اعتراف مسيحي صريح.
عَتَبةُ زَبَد (RES 2640)٥١٢مزَبَد، جنوبَ شرقِ حلبكتابة عربية إلى جوار اليونانية والسريانية في سياق بناء ديني.
نقشُ جبل أُسَيس٥٢٨مجبلُ أُسَيس، جنوبَ شرقِ دمشقخبر مهمة أرسل فيها الحارث الملك رجلاً إلى الموضع؛ سياق عسكري.
عَتَبةُ حَرّان٥٦٨محَرّان، باللَّجاةكتابة عربية ويونانية متصلة بمزار مسيحي.
نقشُ CIH 541نحو ٥٤٨مسدُّ مأرب، اليمنأبرهةُ ووفودُ القُوى الخمس (أكسوم، روما، فارس، الحيرة، الغساسنة): اليمنُ مَركزٌ جيوسياسيٌّ ومملكتا الشمال والجنوب متعاصرتان
تعليمُ يعقوب (Doctrina Jacobi)ثلاثينيات القرن السابع تقريباً؛ التأليف محل بحثيونانيّةٌ، أرجحُ قرطاجخبر جدلي مبكر عن نبي مع العرب؛ لا محضر مباشر للدعوة.
الوقائع المارونيةأخبار إلى ستينيات القرن السابعسريانيّةٌ، الشامخبر زيارة معاوية للمواقع المقدسة، يحتاج إلى قراءة سياقه.
إخنوخ (مثل 4Q201) واليوبيلات (مثل 4Q216) ومقابلتهما بالنص الجعزيمؤلفات وطبقات سابقة للمسيحية، وترجمات ونسخ لاحقةقمران والتقليد الجعزيصلة في حفظ النصوص القديمة؛ لا تطابق مذهبي أو طريق نقل مباشر مثبت.